31 Dec 2019

كتب: الجانب الاخر من اسرائيل (1)

رحلة فتاة يهودية عبر خط التقسيم الإثنى: العربى/اليهودى


قال الصحفى البريطانى جوناثان ديمبلبى عن كتاب "الجانب الأخر من إسرائيل": "انه يثير اضطرابا عميقا ويجب أن يقرأه كل شخص يريد أن يفهم حقيقة الحياة بالنسبة للعرب الإسرائيليين". فان الكتاب هو قصه كاتبة بريطانية يهودية، تعيش فى لندن، الى أن قررت فى عام 1999 أن تمارس حق "العودة" الى "الوطن" إسرائيل، وهو الحق الذى تمنحه الدولة الى كل يهودى فى جميع أنحاء العالم. ولكن بعد عدة أشهر من وصولها الى تل أبيب، قررت سوزان ناثان أن تأخذ خطوة جريئة، وتتخذ قرارا غير مسبوق، وهو عبور خط التقسيم الإثنى بين اليهود والعرب الإسرائيليين، والانتقال الى الجانب الأخر من إسرائيل والإقامة فى مدينة تامرا، وهى مدينة صغيرة تضم 25 ألف مواطن اسرائيلى، عربى مسلم. وبسرعة تقول سوزان إنها اكتشفت أن الخط الإثنى، رغم انه خط وهمى، إلا انه قائما وصلبا مثل الجدار الصلب والأسلاك الشائكة التى قامت الدولة الإسرائيلية ببنائها بينها وبين الضفة الغربية وغزة لتفصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين.
فى سرد أدبى، قصت سوزان ناثان قصة انتقالها الى تامرا لتدريس اللغة الإنجليزية فى مدارسها، ولتعيش مع عائلة ابى حجاز، مع الأم "الحاجة" وأولادها وأحفادها وأفراد عائلتها الكبيرة الآخرين، وجيرانها ومعارفها؛ وكيف استطاعت سوزان خلال تلك السنوات التى عاشتها فى "الجانب الأخر من إسرائيل" أن تحدد هويتها اليهودية والإسرائيلية، والإنسانية. وتضع أمام القارئ الغربى والاسرائيلى اليهودى الصورة الحقيقية لفكرة مغلوطة، شكلها الخيال اليهودى الإسرائيلى عن مواطنيهم العرب، وعاشوا بهذه الفكرة المغلوطة وبنوا عليها كل سياساتهم الاجتماعية اللاحقة.
تقول سوزان فى البداية كيف كان قراراها بمثابة الصدمة بين أصدقائها وعائلتها اليهودية الإسرائيلية. "لماذا تريدين الإقامة فى تامرا؟"، "ولكنهم مسلمين!!؟؟" كانت تلك هى الجملة التى ترددت كلما ذكرت سوزان إنها سوف تنتقل للإقامة فى تامرا، وحتى سائق السيارة الأجرة، رفض عبور الخط الوهمى، وسائق الشاحنة التى نقلت أثاثها الى منزلها الجديد، سارع بالخروج من المدينة ولم يعد مرة أخرى لجمع الصناديق التى كانت تضم أغراضها، خوفا من "العرب". كانت الكلمات التى تتردد بين أصدقائها عندما أخبرتهم بقرارها، كانت: "ولكنها منطقة عربية؟!" "لماذا تريدين الإقامة هناك؟"، "لأن ذلك هو ما أريده"، "ولكنها منطقة عربية!".. "!! "سوف يقتلونك!! سوف يعتدون عليك!!" ويهمس أحدهم قائلا: "هل معك سلاح؟"، ويهمس أخر: "لدى رقم تليفون احد الأصدقاء فى الجيش الإسرائيلى، إتصلى بى فى أى وقت وسيعمل على إنقاذك من هناك!!" أعتبر أصدقائها من اليساريين قراراها بأنه إما نتيجة لعدم فهمها للوضع فى الشرق الأوسط، أو انه مجرد محاولة من شخص غير ناضج، لجذب الانتباه.
وقصت سوزان كيف كانت رحلتها فى السيارة حتى تامرا. قال لها سائق السيارة الأجرة، شاهير، لقد درست المكان جيدا، وحددت الطرق التى يمكن أن نمر بها بدون أن نضطر الى المرور بالقرى العربية فى الطريق"، وردت عليه سوزان بدهشة: "ولكننا نتجه الى قرية عربية!! لماذا يجب علينا أن نحتاط فى الطريق اليها!؟"
تقول سوزان ناثان عن رحلتها: "أن الطريق الى الجانب الأخر من إسرائيل لا يحمل علامات، انه طريق لا نقرأ عنه كثيرا فى الصحف أو نسمع عنه فى أخبار التليفزيون، انه طريق غير مرئى لمعظم الإسرائيليين." فى هذا الطريق لاحظت سوزان أن العلامات الخضراء كانت واضحة على طول الطريق المؤدى الى المناطق الشمالية المتجهة الى حيفا وعكا وكارميت، المدن الإسرائيلية اليهودية، وحتى القرى اليهودية الصغيرة مثل شلومى وميسجاف. ولكن عندما بدأت السيارة تتجه الى تامرا، اختفت العلامات الى أن بدأت تخرج عن الطريق السريع وتعبر القرى الصغيرة، ورأت مرة أخرى علامة صغيرة تشير الى مدينة تامرا. وعندما اتجهت السيارة الى هذا الاتجاه امتد أمامها طريق نصف ممهد، وفى المدينة "العربية" كان هناك طريقا واحدا ممهدا يؤدى الى المسجد الرئيسى فى وسط المدينة، ومنه الى طريق صغير وضيق يعلو الى تل الى أن وصلت الى مقر إقامتها الجديدة.

رواية: أولاد الناس.. ثلاثة المماليك



تعتبر رواية "اولاد الناس.. ثلاثية المماليك" من أفضل الروايات التاريخية التى كتبت فى السنوات القليلة الماضية، سواء على مستوى تأريخ لهذه الفترة التى لم نكن نعرف عنها شيئا؛ أو من الناحية اللغوية، حيث ان الكاتبة ريم بسيونى استخدمت لغة عربية راقية سواء فى وصف الحروب أو الحب والعلاقات الحميمية؛ أو فى وصف الشخصيات وتطورها مع مرور السنوات، فلم يشعر القارئ فى أى لحظة، طوال مئات الصفحات، بالملل أو بأن الكاتبة فقدت حماسها فى أى فترة. 
ولكن أرادت دار النشروأساتذة التاريخ والآثار تصوير التاريخ بشكل مغاير عما كان حقيقة،؛أو بشكل أخر، حاولوا المغالاة فى رفع شأن هذه الفئة من الناس ألا وهم المماليك. فتحاول الدعاية التى تقوم بها دار النشر والمسئولة عن التحرير فيها إظهار المماليك وكأنهم أبطال مصريين، جاءوا ليدافعوا عن مصر، وعاشوا فيها وشييدوا المساجد الرائعة مثل مسجد السلطان حسن والسلطان برقوق، وغيرهم من المساجد؛ وأكدت أن ذلك هو الدليل المؤكد على أنهم مصريين حقا. 
وعن المذابح البشعة التى أرتكبوها ضد بعضهم البعض من أجل السلطة، حيث كان الأخ يقتل أخاه والأبن أباه، والصديق صديقه، من أجل سلب السلطة والاحتفاظ بها، فقد برر أحد  أساتذة التاريخ ان ذلك لا يدينهم، فهم "بشر" فى النهاية. 
ولكن هؤلاء نسوا بعض النقاط الأساسية فى تقييم التاريخ، خاصة البعيد منه، أهمها أن علينا تقييم التاريخ كما حدث بدون رتوش هنا أو هناك، لأننا عندما نقيم تاريخا فإننا نراه بعقلنا وليس بمشاعرنا؛ فليس هناك مجال لأن نحب أو نكره هذا الحاكم أو ذاك، وليس هناك مجال لأن نسرد السلبيات فقط أو الايجابيات فقط، ونبرز تلك او نقصف تلك الأخرى. لذا فعندما نتحدث عن عصر المماليك يجب الالتزام بعدة نقاط أساسية، وهى: 

1- المماليك يعنى عبيد، صحيح أن وضعهم لم يكن مثل وضع العبيد الأفارقة على سبيل المثال، فى الولايات المتحدة او فى سائر دول أوروبا، ولكنهم مثل سائر العبيد جئ بهم من مختلف البلدان، وسيقوا الى أسواق العبيد ليباعوا ويشتروا؛ لذا فليس لهم جذور فى الدول التى سيقوا اليها. 
2- هؤلاء المماليك جئ بهم أطفالا حتى يمكن تربيتهم وتعليمهم فن القتال ليكون ولاءهم فى البداية والنهاية للحاكم او القائد الذى علمهم ورباهم، وليس للدولة التى يعيشون على أرضها. لذا كان ولاء المماليك لأمراءهم وليس لمصر، وكانوا يحاربون من أجل المكاسب الشخصية التى سيحصلون عليها وليس من أجل الدفاع عن مصر. 
3- هؤلاء المماليك ليسوا مصريين، ولا يعنى تشييد المساجد أنهم أصبحوا مصريين. فالمصرى هو من يعتبر نفسه مصريا، فينصهر مع الشعب المصرى، يتحدث لغته ويعانى مع ابناءه ويفرح معهم. المصرى الحق هو من لا يتعالى على الشعب المصرى ولا يحتقره، كما كان يشعر المماليك تجاه المصريين. حتى هؤلاء الذين يتزوجون منهم، يفعلون ذلك زيادة فى إهانتهم حتى وان كان القلة فقط هم من يحب حقيقة. ففى "أولاد الناس" يتزوج الامير محمد المملوكى مصرية، ثم يحبها ويعشقها، ولكنها تظل فى عيون عائلته "من العامة" لا تستحق الاحترام . 
4- ونحن، او طبقة معينة منا، نفعل الأن المثل، فنهين الشعب المصرى كما كان يفعل المستعمر معتبرين أنفسنا ورثة المستعمر. فنكيل للشعب المصرى كل الاهانات، كما تحاول مسئولة التحرير فى دار النشر ان تفعل عندما ركزت على حديث الامير محمد مع زوجته المصرية عندما تساءل ان كان الشعب المصرى مدرك الخطر الذى يحيق به من الخارج، فأجابت بأن الشعب المصرى يدرك فقط أخطار الفقر والاوبئة" وقالت المسئولة ان ذلك يدل على ان الشعب المصرى لا يرى الا تحت أقدامه. ولكنها لم تدرك هى نفسها أن الفقر والأوبئة كانت أخطارا حقيقية وواقعية بالنسبة لأبناء الشعب البسيط، والتى كانت تحصد مئات الآلاف من الأرواح كل عام. أما الأخطار التى تترصد بهم وراء الحدود حسب قول المملوك، فهى أخطار بعيدة عن حياتهم اليومية. 

إن لتقييم فترة المماليك علينا وضعهم فى إطارهم الحقيقى والواقعى، وليس فى صورة مبالغ فيها من الروعة وكأنهم أبطال حقيقة. لأن للأسف معظم المصريين حاليا، خاصة من أطلق عليهم أنصاف المثقفين يصدقون تلك الصورة ويرددونها وكأنها حقيقة بدون التأكد منها أو التحقق من أصلها.

24 Nov 2019

عرض كتاب: ولد جريمة Born a crime

من أجمل الكتب التى كتبت عن فترة النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا, كتاب "ولد جريمة" للكاتب والإعلامى، تريفور نوا من جنوب أفريقيا؛ فكتب نوا، عن مأساة شعب كامل عاش جيل بعد جيل فى ظل قوانين قاسية وظالمة وغير آدمية، ولكنه فى الكتاب غلف المأساة بالكثير من خفة الدم والفطنة بدون تخفيفها أو الإستهانة بها. فهو الضحك الذى يخفى البكاء. 
كتب تريفور نوا قصته. قصة مولده إبنا لإمرأة سوداء ورجل أبيض من أصل سويسرى، ليصبح تريفور، حسب قوانين الفصل العنصرى فى ذلك الوقت، جريمة؛ حيث أن القوانين تجرم أى علاقة بين السود والبيض، ليصبح مولد أطفال مخلطين، جريمة. 
ومع بداية كل فصل يحكى تريفور جانبا من الظلم الذى تفرضه قوانين الفصل العنصرى على الشعب الأسود، ويكشف عن قسوتها، بل وتخطيطها الجرائمى للإبقاء على الشعب الأصلى منقسما، وبث داخله الفتنة والعداء والكراهية، لتبقى الحروب الأهلية مشتعلة بينهم. 
يوضح نوا قائلا: "اللغة تأتى معها الهوية والثقافة، أو على الأقل ما ندركه منهما. وعندما نتشارك فى لغة واحدة، فإننا نعلن "إننا متشابهون"، كما يعلن حاجز اللغة "إننا مختلفون".. ولقد فهم بناة الابرتايد ذلك. لذا كان جزء من محاولاتهم تقسيم الشعب الأسود، أن ننقسم، ليس فقط جسديا، ولكن أيضا من خلال اللغة. 
.. ولهذا السبب سقطنا فى الفخ المنصوب لنا من قبل الحكومة، وبتنا نحارب بعضنا البعض على أساس إننا نختلف بعضنا عن بعض. " 
فقط حرص نظام الأبرتايد أن يشجع كل قبيلة على تعلم لغتها ولا لغة غيرها، حتى لا يستطيع أبناء القبائل من التواصل بين بعضهم البعض، وبالتالى وضع بذور حروب أهلية بين القبائل الأفريقية السوداء، تظل تستعر بلا نهاية، الى أن يقضوا على بعضهم البعض. 
قال نيلسون مانديلا: "إن تحدثت مع شخص بلغة يفهمها، فإنك وصلت لعقله. وان تحدثت مع شخص بلغته الأصلية، فقد وصلت لقلبه. لأنك عندما تتحدث معه بلغته فإنك كمن يقول له: "إننى أدرك تماما أن لك هوية وثقافة مختلفة عنى، إننى أراك كإنسان." 


5 May 2015

الذهب تحت الأطلال





مثل الزلزال المدمر الذى أصاب هايتى فى عام 2010 وقتل ما بين مئة و160 الف شخص، ودمر مدن بالكامل؛ مثلما حدث فى اندونيسيا بعد اصابتها بالتسونامى الذى أغرق سواحل بالكامل تحت أمواج أرتفعت اكثر من 30 متر، وقتل اكثر من 230 الف شخص فى 14 دولة تأثرت بالكارثة؛ وقع زلزال مدمر أخر فى نيبال، راح ضحيته اكثر من عشرة الاف شخص ودمر مدن بأكملها.
فى 2010، كتب سفير الولايات المتحدة فى هايتى، إبان الزلزال المدمر،  يقول فى برقية الى وزارة الخارجية الامريكية: " لقد بدأ التسارع نحو الذهب ".. وهو ما يعنى أن الشركات الاستثمارية الكبرى وعابرة القارات والجنسيات، بدأ عدوها نحو البلاد المدمرة لكى تبدأ عملها فى الاستثمار وإعادة البناء، وهى كلها أعمال ليس فيها من مصلحة لأبناء الدولة الفقراء، بل وأفقر شعوب العالم، ولكن كلها استثمارات لصالح الشركات الكبرى التى سوف تنهل من المعونات التى تلقتها هايتى.
كما حدث فى السابق فى اندونيسيا. فالمدن الساحلية التى ابتلعتها الأمواج قبل 11 عاما، لم يعاد بنائها لصيادينها الذين كانوا يعيشون هناك، هؤلاء لم يجدوا لهم منازل او مدارس لأبنائهم او مستشفياتهم، بل قامت الشركات ببناء مدن سياحية على أعلى وأغنى مستوى تخدم أغنياء العالم.
وللأسف فإن نفس الشئ سوف يحدث فى نيبال اليوم. فبعد أن تهدأ الأرض وترفع الأطلال وتبدأ المعونات العالمية تتدفق عليها، فسوف تسارع الشركات العالمية "تتدفق نحو الذهب"، وهنا لن يجد أبناء نيبال معابدهم او منازلهم او مدارسهم، بل سيلقى بهم الى أحياءهم الفقيرة مرة أخرى.
هذا النموذج يتكرر فى كل كارثة طبيعية او غير طبيعية، كما أطلقت عليها الباحثة الامريكية نعومى كلاين فى كتابها "عقيدة الصدمة.. صعود الرأسمالية الكارثة" حيث كتبت عن الحرب فى العراق وكيف سارعت شركات البترول العالمية من اجل وضع يدها على آبارالبترول، وحتى فى الولايات المتحدة نفسها، ولكن فى المدن التى يعيش فيها فقرائها مثل نيو اورليانز التى عانى سكانها من الاعصار المدمر، وظلوا فى الخلاء الى أن بدأت الشركات تشحذ قواها لتحولها الى منتجعات سياحية.
إن الدور سيأتى على مصر التى تلقت المليارات من الدولارات من كل الدول العربية البترولية ومن دول العالم التى اجتمعت فى شرم الشيخ فى المؤتمر الاقتصادى الكبير لكى تلبى النداء للمساعدة. هذه الأموال هى الذهب الذى يسعون اليه وتهرع الشركات للحصول على نصيبها منه قبل الآخرين. فما الذى سيصيب مصر منها؟ مدن للأغنياء ومدينة ملاهى أكبر من كل المدن فى العالم حتى اكبر من ديزنى لاند.

24 Feb 2013

حوار مع صديقتى الاخوانية

ينتهى دائما حوارى مع صديقتى الاخوانية بالغضب ورفض الاستمرار فيه. فتقول صديقتى: "ان الفجوة بيننا كبيرة ولن استطيع ان أقنعك بوجهة نظرى، ولن اقتنع بوجهة نظرك". وهكذا، يصبح من الصعب الوصول الى نقطة تلاقى بين الاسلامية والليبرالية. يبدأ الحوار دائما مع صديقتى الاخوانية بالشك فى كل ما يقوله الجانب الاخر: "هل ترين كيف يلوون ويقلبون الحقائق؟" "ولكن الوقائع تؤكد ما يقال. الاخوان يقولون الشئ ويفعلون شيئا اخرا، يتعهدون ثم يخلفون العهد؛ يقولون ثم ينكرون". "انا ضد الكذب بالتأكيد؛ ولكن يجب ان نرى ما يفعلونه ايجابيا". "مثل ماذا؟" "انكم ترفضون من البداية الاخوان لذلك هذا النقاش لا يفيد". "ما هى الايجابيات؟ نريد ان نعرف" "ما يحدث فى القرى. هناك انابيب الجاز بوفرة وهناك القمح بوفرة الان". "هل النهضة فى رأيكم تختزل فى انابيب الجاز والقمح؟" "أرأيت؟ انكم لا ترون اى شئ ايجابيا". "إننا نسأل عن قرارات رئاسية تهدف الى تحقيق النهضة" "انا واثقة انهم سوف ينجحون" "ولكنهم لم يتخذوا اى قرار حتى الان يثبت انهم يسيرون على الطريق السليم". "إننا لن نصل الى شئ ولا اريد ان اكمل النقاش معك". وينتهى النقاش دائما الى لا شئ. مثل كل الحوارات التى يشارك فيها اعضاء الحزب الحاكم او اى من الاحزاب التى تقول عن نفسها انها اسلامية، او ذات مرجعية اسلامية. مما يثير تساؤلات حول ان كانوا يدركون ويفهمون فعلا ما يدور، أم انهم فى غياب ذهنى تام؟ ولكن على الجانب الأخر، ندرك ان تلك الأحزاب لا تريد الا شعب غائب الذهن مثل اعضاءهم، ولهذا السبب يستهدفون المثقفين والمعارضين بالاغتيالات، حتى يصمت تماما صوت العقل، فلا يجادل أحد قرارات لا تخدم مصلحة الوطن، ولا يبحث أحد عن الحقيقة. ولكن هل من الممكن ان يغلق شخص او حزب او جماعة أفواه شعب كامل مثل الشعب المصرى؟ وهل يمكنهم ان يثيروا الخوف لدى هذا الشعب العظيم حتى يصمت ويخضع؟ لا أعتقد.

الكارثة مقبلة

ان الكارثة ليست فيما يحدث اليوم فى الاتحادية والتحرير؛ انها ليست فى عمليات التحرش الجماعى الممنهجة، والتى تستهدف فتيات ونساء مصر بشكل اجرامى مخطط وليس عشوائيا، حيث يقوم المجرمون بتجريدهن من ملابسهن والتحرش بهن جنسيا؛ انها ليست استغلال الاطفال، سواء كانوا اطفال الشوارع او غيرهم من الفقراء، ووضع المولوتوف فى اياديهم ودفعهم الى القائها على أسوار القصور الرئاسية وحرق القصور الآثرية؛ انها ليست فى التهجم على المدنيين من المتظاهرين السلميين وتجريدهم من ملابسهم فى الشارع العام وامام عيون الالاف؛ انها ليست فى قيام الجيش بالقبض على المدنيين والمتظاهرين السلميين وتعذيبهم فى السجون والمعتقلات العسكرية حتى الموت. ان الكارثة ليست فيما يحدث اليوم؛ بل هى ستأتى قريبا؛ ان الكارثة الحقيقية هى نتاج كل ما يحدث اليوم وتأثيره فى نفسية هذا الشعب، فتياته ورجاله واطفاله، لسنوات وسنوات مقبلة. فلمن لا يدرك، فان تغيير مهمة القوات العسكرية، من مهمة حماية والدفاع عن الوطن والشعب ضد اعداء خارجيين، الى التصدى لأبناء وطنهم واعتقالهم وتعذيبهم، ا

و الى الدخول فى حروب اجنبية خارج الحدود لحماية شعوب اخرى او الاستيلاء على ثروات دول اخرى، مثلما حدث مع القوات الامريكية فى العراق او القوات الفرنسية فى مالى، من شأنها ان تحدث شرخا عميقا فى نظرة الجندى لنفسه وبذته العسكرية التى تعلم ان يفتخر بها، وفى ثقته فى روؤسائه سواء من القيادات العسكرية او السياسية، التى أمرته بتغيير مهامه والعمل بعكس ما تعهد على تطبيقه طوال حياته العسكرية، وهو الحفاظ على الوطن وابناء الوطن. هذا الشرخ لن يندمل بسهولة وسوف يكون له تبعات قاسية لم نشهد منها شيئا بعد. ولمن لا يدرك، فان محاولات إهانة فتياتنا وكسر عينهم، كما يقال، وتحطيم كرامتهم تحت اقدام بعض الحثالة الذين ارتضوا ان يقوموا بتلك المهمة الخسيسة مقابل المال، لن يثنيهم عن العودة الى الميدان، كما يتصور المحرضون، ولكنها سوف تضع بذور الكراهية والحقد والرغبة فى الانتقام لدى فتياتنا، زوجات وامهات المستقبل، فتبث تلك الكراهية داخل ابنائهم لتخرج اجيال جديدة لا تعرف التسامح أو المغفرة، كما يدعو ديننا الحنيف. ولمن لا يدرك، ان الزج بأ"طفال لا تتجاوز اعمارهم العاشرة الى ساحة العنف، حتى ولو كانوا أطفال الشارع الذى لجأوا اليه هربا من العنف المنزلى، سوف يضيف الى مشاكلهم، بل وسوف يجعلها مستعصية الحل ليصبحوا يوما ما بلطجية مأجورين، ومرتزقة، يقتلون مقابل المال. إن هؤلاء الذين يحرضون ويخططون لهذه الساحة التى رأيناها فى الايام والاسابيع الماضية، يحملون عقولا شيطانية، لا يمكن التحاور معها، او الوصول الى تفاهم ما أيا كان. وعلينا ان نخاف من المستقبل ان نحن تركنا المسائل تتفاقم بلا رادع ولا عقاب.

9 Jan 2013

المشاركة واجب

المشاركة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة ليست فقط حق بل واجب وطنى. فالى متى ستظل القوى الثورية والليبرالية، او القوى غير الاسلامية، تستنكف المشاركة فى انتخابات او استفتاءات، بسبب اعتراضهم على القانون وتترك الساحة للقوى الاسلامية ترتع فيها كما تشاء. فالنتيجة ستكون كما حدث من قبل هو فوز التيار الاسلامى باغلبية المشاركين الذين لن يكونوا اغلبية الناخبين، وسوف تتكرر الصورة مرات ومرات، بتمرير دستور مبتسر فى استفتاء لم يحصل فيه الا على 20% من اصوات الناخبين، لذا فان مع مقاطعة القوى الليبرالية الانتخابات العامة المقبلة، سوف يفتح الطريق واسعا امام القوى الاسلامية كلها لتحصل على كل شئ بدون جهد؛ فقط لان الليبراليين قرروا الترفع على قانون الانتخابات ورفضه من اصله. فى حين انهم ان شاركوا وحصلوا على مقاعد، وسوف يحصلون بالتأكيد على الاغلبية، سيكون بمقدورهم تغيير واصدار القوانين التى يرغبون فيها. لذا ابعث من هذا المكان مناشدة خاصة الى كل الاحزاب الليبرالية المشاركة يد واحدة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، وكل ناخب قادر على الخروج من منزله ان يتوجه الى صناديق الاقتراع للتصويت من اجل مستقبله ومستقبل اولاده واحفاده.

من اجل كرامة مصر

كوننا مصريون نشعر بالفخر ببلدنا، ولكننا نشعر بالخزى من تصرفات حكومتها التى ما تفتأ تهين نفسها فى اكثر من مناسبة؛ فبعد ان كانت الاهانات تكمن فى الداخل سواء كان فى شكل تصريحات مغلوطة او اكاذيب يرددها المسئولون، تجاوزت الحكومة والحزب الحاكم لينتقل بالاهانات الى المستوى الاقليمى. كان اخرها عندما قررت الحكومة ارسال مدير مخابراتها الى دولة الامارات العربية للتوسط فى الافراج عن 11 مصريا متهمين بتكوين شبكة من الاخوان المسلمين هناك. والذى زاد من الاهانة ان دولة الامارات رفضت الاستجابة لطلب كبار المسئولين المصريين، مما دفعهم، وذلك فى اهانة ثالثة، التوجه الى السعودية للتوسط فى المشكلة مع دولة الامارات. ومن قبل تلك الحادثة، تابعنا تصريحات عصام العريان حول دعوة يهود مصر فى اسرائيل العودة الى مصر؛ فكان الرد جاهزا على الجانب الاخر، فرد عليه يهودى مصرى فى اسرائيل يقول انهم ليسوا مجانين لكى يعودوا الى مصر فى تلك الظروف. ان كانت الحكومة المصرية الحالية وحزبها يتحدث باسم فئة معينة، فهو فى الخارج لا يمثل تلك الفئة فقط، ولكنه يمثل مصر كلها، بكل تاريخها وجغرافيتها وثقافاتها وشعب مصر كله، ونحن نرفض ان نهان فى الخارج او فى الداخل، وعلى حكومتنا ان تحافظ على ما تبقى من هيبتها قبل ان تسقط كلها.

27 Dec 2012

الحسين ثائرا

تعود الينا مسرحية "الحسين ثائرا" التى كتبها المفكر المصرى الكبير عبد الرحمن الشرقاوى فى الستينات من القرن الماضى، وكأنها تتحدث إلينا اليوم فى ظروفنا الحالية. كلماتها استنطقها المفكر الكبير فى الستينات، ولكنها تفتح جراحنا اليوم، وتلقى الضوء على الأزمة التى نعيشها. "زال الطاغية المتكبر سقط الدجال الأكبر هلك الفرعون المتجبر" هكذا وصف الشرقاوى موت معاوية على لسان البعض. ولكن هناك من يريد البيعة لأبنه يزيد حتى لا يتغير الحكم. هؤلاء من قال عنهم على لسان بشر: "أنتم آفتنا الكبرى كنتم شكلا للشورى، وكان رضاكم يسبقكم لم تفتح أفواهكم أبدا إلا لتقول نعم" هكذا كان وصفه لأهل الشورى. ولكن الشعب يريد شخص اخر غير يزيد بن معاوية ليكون إماما: "رجل يعرف حق الله وحق الناس على الحاكم عميق الرحمة بالمظلوم شديد الصولة بالظالم لايبغض شيئا مثل الكيد وهو وفى بالعهد وهو أمين فى المال" هو الحسين بن على وحفيد الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الحسين يقف أمام معضلة، ويبث الرسول حيرته وهو يقف أمام قبره، فيقول: "أنا لا اعرف ما أصنع من أمرى هذا فأعنٍى أنا ان بايعت للفاجر كى يسلم رأسى أو لكى يسلم غيرى.. لكفرت ولخالفتك فيما جئت للناس به من عند ربك واذا لم أعطه البيعة عن كره قتلت! واذا عشت هنا كى أحشد الناس عليه خاض من حولك بحرا من دماء الأبرياء! موقف ما امتحن المؤمن من قبل به، او سيق إنسان إليه..! امتحان كامتحان الأنبياء!" فيقرر الحسين ان يرحل عن المدينة، وهو ان يفعل ذلك فلأنه: "ما على النفس يخاف انما يشفق من ان يغلب الظلم ودولات الضلال اننى أخرج كى أنقذ أعناق الرجال أننى اخرج كى أصرخ فى أهل الحقيقة: انقذوا العالم، ان العالم المجنون قد ضل طريقه أنقذوا الدنيا من الفوضى وطغيان المخاوف انقذوا الأمة من هذا الجحيم" ويحلم الحسين بالرسول فيقول: "حلمت بجدى يأمرنى ألا أقعد عن باطل" ولكن زينب شقيقة الحسين تخاف على شقيقها وتقول: "يا أخى، اذكر اننا فى زمن لا يطلبك ... لم يعد بعد مكان لإمام او خليفة أهدرت كل التقاليد الشريفة انهم لا ينشدون اليوم الا حاكما يعطى ويمنع حاكما يعرف ما يبتاع منهم.. ثم يدفع!" "كان معاوية يصطنع بمال الدولة أنصارا" "دولة قامت على الأطماع والخوف.." "كل من صار له شئ من المال هو الان عدوك" وغادر الحسين المدينة الى مكة. وماذا بعد؟

الجماعة والتنظيم

يشيد مناصرو الاخوان والمعارضون على حد سواء، بالجماعة، فيرددون دائما الى أى حد هم منظمون، بل يذهبون الى حد التأكيد على انهم اكثر القوى السياسية فى الساحة تنظيما، وقدرة على الحشد. نعم هم بالفعل اكثرهم قدرة على الحشد، ففى ساعات قليلة يمكن للجماعة ان تحشد عشرات الالاف من جميع المحافظات وينقلونهم بالشاحنات لكى ينتخبون او يتظاهرون او يستمعون الى الرئيس فى الاتحادية. ولكن من ناحية التنظيم، ففيما يبدو انه توقف لحظة الفوز فى الانتخابات. ففى الماضى كانت لافتات الجماعة تظهر دائما وقت الازمات مثل الزلزال الذى ضرب القاهرة فى التسعينات وخرج اعضاء الجماعة من الساعات الاولى، يوزعون الطعام والبطاطين والخيام للمتضررين الذين فقدوا منازلهم. كان الاخوان اول من وصل الى المواقع، لانهم كانوا يعرفون اسلوب العمل فى الميدان، ويستطيعون حشد اكبر عدد من المتطوعين والاطعمة واحتياجات المحتاجين. كما ان نظام السمع والطاعة يجعل من السهل حشد اكبر عدد منهم فى اقل وقت؛ لذا تصور المواطنون ان الجماعة هم اكثر القوى السياسية تنظيما وقدرة على الحكم. ولكن بعدما وصلو الى الحكم، اختلفت الأمور. فلم نجدهم يهرعون الى مكان حادث اسيوط حيث لقى 51 طفلا مصرعه وتحولوا الى اشلاء تحت عجلات القطار. ولم نجد متطوعين يعملون من اجل تخفيف المعاناة عن الضحايا وعائلاتهم، او سيارات تنقل المصابين الى المستشفيات او تنقل اليهم الدواء. لم تهتم الجماعة بالمواطنين بعد ان وصلوا أخيرا الى الحكم، وحصلوا على الرئاسة والتشريع وتوغلوا فى صفوف الشرطة والقضاء ومعظم المناصب القيادية فى الجامعات وفى غيرها. تكشفت حقيقة الجماعة تدريجيا ولكن بسرعة. فهى ليست تلك التى تصورها ناخبوها: فهى ليست عالية التنظيم عندما تواجه مشاكل مصر الجمة الضخمة، وهى ليست معدة للحكم كما تدعى بعد اكثر من 80 عام من العمل تحت الارض، فالقرارات التى يتخذها ممثلوهم سواء فى التشريعية او التنفيذية مرتبكة، واولوياتهم ليست وطنية وانما تتعلق كلها بأمور هامشية تجاوزها الزمن. فبعد شهور من توليهم الحكم لم يتم اتخاذ اى قرار او اجراء ينبئ الى ان الحكومة تسير فى الطريق الصحيح من اجل التصحيح وحل بعض من مشاكلنا المتفاقمة. إن مصر ليست دولة صغيرة او هامشية إنها دولة كبيرة ومؤثرة، بها شعب عريق، عاشت طويلا وشهدت الكثير، ويجب على من يحكمها ان يكون على هذا المستوى من الحكمة والرؤية والمقدرة.

17 Oct 2012

العنصرية فى رفحالعنصرية فى رفح

اثارت أحداث طرد العائلات المسيحية من رفح، او حسب قول الجماعات الاسلامية، نزوحها طواعية عن مسكانها خوفا على حياة أبنائها، الكثير من الغضب. فان ما يحدث فى رفح لا يختلف كثيرا عما رأيناه من قبل فى اكثر الدول عنصرية وهما كل من جنوب افريقيا واسرائيل، حيث شهدت الاولى سياسات الفصل العنصرى والثانية التطهير العرقى، ووصفت كل السياستين بالبغيضة. ولكن ما يحدث فى رفح هو الأسوأ على الإطلاق لانها العنصرية التى ترتكب باسم الدين. ففى جنوب افريقيا، مارست الدولة سياسات الفصل العنصرى المعروفة بالابرتايد، على أساس اللون والجنس من عام 1961 وحتى 1990؛ فكان القانون يعمل على الفصل بين البيض والسود، فى كل اوجه الحياة، فى السكن والعمل والمدارس والاحياء والمتاجر؛ ولقد اثارت تلك السياسات غضب الرأى العام العالمى، فقاطعت دول العالم دولة جنوب افريقيا، ورفضت معظم الدول التعامل معها واتهمتها بممارسة انتهاكات ضد الانسانية والبشرية. الى ان انهت جنوب افريقيا تلك الممارسات فى عام 1990 وخرج مانديلا من سجنه الطويل ليكون اول رئيس أسود للبلاد. أما اسرائيل، فلم ينس الفلسطينيون ممارساتها ضدهم منذ عام 1948، وقيام القوات الارهابية التابعة لمليشيات الايرجون وشتيرن، بمذبحة دير ياسين حيث قتل المئات ودمرت المساكن والقرى الفلسطينية لارهاب الشعب العربى ودفعه الى الهروب والخروج من بلاده، وذلك بهدف تحويل فلسطين الى دولة صهيونية. ولازالت اسرائيل ترتكب كل يوم تلك الممارسات العنصرية ضد الشعب الفلسطينى فى الاراضى المحتلة، لحثه على مغادرة البلاد لتصبح دولة يهودية كاملة؛ مما اثار ضدها الغضب الخارجى والداخلى، وبدأ المؤرخون الاسرائيليون الذين عرفوا بالمؤرخين الجدد، امثال إيلان بابيه، بالكتابة ضد سياسات بلادهم، التى لم تقف عند الفصل العنصرى، بل ذهبت الى حد التطهير العرقى الذى يهدف الى اخلاء البلاد من العرب سواء مسيحيين او مسلمين؛ وهو ما ينافى كل المواثيق الدولية والتاريخية الخاصة بحقوق الانسان، ويعتبر انتهاكا حقيقيا للبشرية؛ ولقد اصدرت الامم المتحدة فى عام 1975 قرارا اعتبرت فيه الصهيونية مساوية للعنصرية. وبالرغم من ان القرار الغى فى عام 1991 تحت ضغط من اسرائيل والولايات المتحدة، الا انها لازالت تتهم بالعنصرية فى كل المحافل الدولية الأخرى، لان الممارسات التى تقوم بها وتندرج تحت بند العنصرية لم تتغير. إن ما حدث فى رفح ضد العائلات المسيحية من قبل مجموعات اعتبرت نفسها إسلامية، ليس مختلفا عما ارتكبته كل من جنوب افريقيا واسرائيل من ممارسات عنصرية ضد مواطنيها، بل يعتبر الأسوأ بكل المقاييس لأنه يرتكب باسم الدين الذى هو برئ منها. وكل محاولات الترهيب والتخويف من اجل دفع العائلات المسيحية الى الهروب من وطنهم، هو نفس التكتيك الذى تستخدمه اسرائيل الى اليوم، لإجبار الفلسطينيين على النزوح من اراضيهم، والهرب الى الدول المجاورة. أهذا مانريده لمصر؟ ان تكون دولة عنصرية بغيضة تمارس التطهير العرقى ضد أبناء وطنها، بعد ان كانت دولة حضارة وإنسانية، أنارت العالم كله بحضارتها؟ وان يتم كل ذلك باسم الدين الذى أنزل من اجل بعث برسالة عدالة وحق وسلام الى الانسانية جمعاء؟

كتاب "انتقام الجغرافيا" وكيف حددت الجغرافيا التاريخ

قد تكون الجغرافيا هى التى تحدد شخصية شعب ما، وتشكل المجتمع الذى يعيش فيها؛ ولكن الجغرافيا يمكنها ايضا ان تشكل التاريخ ومصائر الشعوب. بل ويمكن بدراسة الجغرافيا ان نفهم الحروب التى ستقع فى المستقبل، وكيف يمكن التصدى لها. ولكن منذ سقوط حائط برلين فى نهاية الثمانينات، والذى كان يمثل العائق من صنع البشر، وبعد سيادة عقيدة العولمة وسقوط الحدود بين الدول وتصور فوكوياما لنهاية التاريخ حيث تسود الديمقراطية فى كل مكان، نسينا العوائق الطبيعية التى لازالت تحيط بنا وتقسمنا. ونسينا ان العولمة ليست نظام يضمن السلام والامن الدولى، بل هى مجرد مرحلة اقتصادية وثقافية للتنمية. هذا ما أراد روبرت كابلان ان يثبته فى كتابه الاخير الذى صدر بعنوان "انتقام الجغرافيا" والذى قام فيه برحلة عبر التاريخ من الماضى البعيد ليعود الى الحاضر ليحاول فهم المستقبل. فمن الماضى اوضح كيف كانت الجغرافيا تتحكم فى التاريخ وفى العلاقات بين الدول والشعوب مشيرا الى محاور عديدة عبر هذا التاريخ، ويشير كيف استطاع خبراء الجغرافيا توضيح ما عجزت عن فهمه العولمة. فكان يقوم بدراسة المناطق الساخنة فى العالم من خلال دراسة مناخها والطبوجرافيا فيها وقربها للاراضى التى تشهد صراعات. وروبرت كابلان، كاتب وصحفى بجريدة ذا اتلانتك الامريكية، كما انه كبير الخبراء الجيوسياسيين فى معهد ستراتفورد للمعلومات الدولية، ونشر نحو 14 كتابا عن السياسات الخارجية الامريكية والعلاقات الدولية. جبال العراق تحد من سلطة صدام بشكل عام يرى كابلان ان الجبال تعكس قوة قديمة، تحمى بين ممراتها احيانا ثقافات محلية فى مواجهة العقائد التحديثية الشرسة التى غالبا ما كانت تغزو الاراضى المسطحة، حتى وان قامت تلك الجبال احيانا بمنح الميليشيات الماركسية والمافيا فى عصرنا الحديث المأوى من اعدائهم. وينقل كابلان كلمات جيمس سكوت، خبير علم الانسان بجامعة ييل، حول شخصية "شعوب الجبال الذين قد ينظر اليهم على انهم هاربون أو لاجئون او على انهم مجتمعات معزولة؛ فقد عاشت خلال الفين عام تحاول الهروب من رجال الدولة الذين يطبقون سياساتهم فى مناطق السهول". اما فى أفغانستان وباكستان، فكان للجبال دروس اخرى. تلك الجبال التى وصفها البريطانيون اولا بانها "الحدود الشمالية الغربية" لم تكن حدودا بالمعنى المفهوم على مدى التاريخ كما قال البروفيسور سوجاتا بوس بجامعة هارفارد، "ولكنها، كما وصفها، قلب سلسلة من الجبال الهندية الفارسية، والجبال الهندية الاسلامية، وهى السبب الذى من اجله قامت كل من افغانستان وباكستان بتشكيل كيان عضوى كامل، يساهم فى تقسيمهم الى دول من خلال جغرافيا غير متجانسة". كان للجبال قصة اخرى فى اوروبا، فقد كتب المؤرخ جولو مان كيف ان الالمان عاشوا دائما داخل سجن كبير شكلته الجغرافيا. ثم أرادوا التحرر منه من خلال احتلالهم قلب اوروبا ما بين الشمال وبحر البلطيق وجبال الألب. ولكن بالنسبة لهم الشمال كان محدد بالجبال والجنوب بالمياه، فكان المهرب الوحيد لهم هو الاتجاه الى الشرق والى الغرب حيث لا توجد عوائق جغرافية. أما فى العراق، فيرى كابلان كيف ان جبال العراق قامت دوما بالحد من سلطة صدام حسين الرئيس العراقى السابق، وقد حاول صدام ان يقاوم تلك العقبة بكل الاجراءات التعسفية التى يستطيعها. يقول كابلان ان صدام فى فترة الثمانينات غضب بسبب الحرية التى منحتها تلك الجبال للأكراد عبر التاريخ والقرون، فقام صدام بهجوم شامل على الاكراد العراقيين والتى عرفت بحملة الانفال والتى راح ضحيتها مئة الف مدنى. وبالرغم من ان صدام اسستطاع ان يثبت ان الجغرافيا لا تستطيع منع الانسان تماما من تغيير مصير البشر، الا ان تلك الجبال كانت السبب الاساسى لتلك المأساة. وبسبب تلك الجبال ابتعدت منطقة كردستان من الدولة العراقية الى حد بعيد. الربيع العربى والجغرافيا تمر حاليا منطقة الشرق الاوسط، من المغرب وحتى افغانستان فى أزمة فيما يتعلق بالعلاقة مع السلطة المركزية. فقد اصبحت النظم القديمة المستبدة غير مستقرة، فى الوقت الذى لازال الطريق نحو الديمقراطية غير مستقيم. فى المرحلة الاولى من تلك الاضطرابات العظيمة ظهر هزيمة الجغرافيا أمام قوة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة. فقد خلقت التكنولوجيا الحديثة المتثملة فى القنوات الفضائية والشبكات الاجتماعية ومواقع الانترنت مجتمعا واحدا من المعارضين عبر العالم العربى: وهكذا وجد نوعا من التكتل الاجتماعى ضد الاوضاع السياسية بكل من مصر واليمن وتونس والبحرين، ولكن مع استمرار التمرد، اصبح من الواضح ان كل دولة قامت بوضع تصورها هى لثورتها، والذى من ناحيته تأثر بتاريخها وجغرافيتها العميقة. فكلما تعرفنا على تاريخ وجغرافية أى من دول الشرق الاوسط، كلما قلت دهشتنا من تطور الاحداث فيها. يقول كابلان انه قد يكون من الصدفة جزئيا ان الثورة بدأت فى تونس. فان الخرائط القديمة تظهر تمركز مستوطنات فى المنطقة التى توجد فيها تونس اليوم، شييدت بجوار مساحة شاسعة خالية الى حد ما والتى تمثل الجزائر وليبيا اليوم. وبسبب وجودها عند سواحل البحر المتوسط وبالقرب من صقلية، فان تونس اصبحت هى الماوى السكانى فى منطقة شمال افريقيا، ليس فقط خلال عصر قرطاجة والرومانيين، ولكن ايضا عبر عصور البيزنطيين والعرب والاتراك. وفى حين كانت كل من الجزائر غربا وليبيا شرقيا مجرد مساحة جغرافية ذات تعبيرات غامضة، فان تونس كانت دوما مركزا لحضارات قديمة. أما بالنسبة لليبيا، فقد كانت المنطقة الغربية منها والتى بها طرابلس، تتجه عبر التاريخ نحو تونس، بينما أتجهت منطقتها الشرقية، بنغازى، نحو مصر. لذلك فقد كانت المنطقة الاقرب الى قرطاجة طوال الفى عام، تتمتع بمستوى عال من التنمية، لان العمران بدأ فى تونس قبل الفى عام، بينما كانت الهوية البدوية التى قال عنها ابن خلدون انها كانت تمنع الاستقرار السياسى، تضعف التنمية فى المنطقة الشرقية. فى عام 202 قبل الميلاد، عندما انتصر سكيبيو على هانيبال بالقرب من تونس، قام بحفر خندق حدد نهاية الاراضى المتحضرة. هذا الخط لازال حتى اليوم قائما فى الشرق الاوسط، وهو لازال واضحا فى بعض المناطق فهو يمر من طبرق على الساحل شمال غربى تونس الى الجنوب ثم يتجه الى الشرق نحو صفاقس، ميناء اخر على المتوسط. أما المناطق التى تقع خلف هذا الطريق فلم تشهد فيها اثار رومانية وهى اليوم الاكثر فقرا والاقل تطورا، وفيها اعلى نسبة من البطالة. أما مدينة سيدى بوزيد التى بدأ منها التمرد فى تونس فى ديسمبر عام 2010، فهى تقع خلف خط سكيبيو مباشرة. يقول كابلان انه يحاول هنا ان يعطى للاحداث التى وقعت مؤخرا، فى المنطقة البيئة لجغرافية والتاريخية لها: فقد بدأ التمرد العربى من اجل الديمقراطية فى المجتمع الذى اعتبر تاريخيا اكثر المجتمعات العربية تقدما، واكثرها قربا من اوروبا؛ ولكن ايضا بدأ التمرد بشكل خاص فى هذا الجزء من البلاد الذى ظل منذ التاريخ القديم منسيا وعانى كثيرا من نتائج سوء التنمية. هذه المعلومات يمكنها ان تضيف عمقا على ما حدث فى المناطق الاخرى: سواء كان ذلك فى مصر، دولة أخرى شهدت على حضارات قديمة وتاريخ طويل عرفت فيه نظام الدولة؛ او اليمن التى تعتبر القلب السكانى لشبة الجزيرة العربية، والتى ظلت تحاول توحيد اراضيها، ولكنها كانت دوما تصطدم بطبوجرافية جبلية ممتدة عملت على اضعاف الحكومة المركزية وبالتالى دعمت اهمية النظام القبلى والجماعات الانفصالية؛ او سوريا التى ادى شكلها المبتور على الخريطة الى احتواء انقسامات داخلية على اساس الهوية العرقية والطائفية. ان الجغرافيا تشهد على ان تونس ومصر يتمتعان بتماسك تدعمه الطبيعة؛ بينما تشهد الجغرافيا فى كل من ليبيا واليمن وسوريا على انهم اقل تماسكا. لذلك يمكن القول ان كل من تونس ومصر احتاجا الى اشكال بسيطة نسبيا من النظام الاستبدادى حتى يبقيهما فى وحدة متماسكة، بينما تحتاج ليبيا وسوريا الى اشكال مختلفة عديدة من الاستبداد. ولكن الجغرافيا جعلت من الصعب دوما حكم اليمن. فان اليمن حسب قول الخبراء، تعتبر مجتمعا "مجزءا، تتداخل فى طبيعته الجبال والصحارى. لذا فهو مجتمع ظل يتأرجح ما بين المركزية والفوضى، وهو مجتمع حسب قول الخبراء، يحكمه بالضرورة نظام يقوم على "استنزاف الحياة منه"، ولانه يعانى من "هشاشه داخلية" فهو يفشل دائما فى اقامة مؤسسات تدوم. ان القبائل هنا قوية والحكومة المركزية ضعيفة بالمقارنة بهم. والصراع من اجل بناء نظم ليبرالية فى مثل تلك المناطق لن ينفصل عن هذا الواقع. بينما تتابع الاضطرابات ويبدو العالم وكأنه خارج السيطرة، ومع تصاعد التساؤلات حول كيفية يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الرد على تلك الاوضاع، فان الجغرافيا تمنح وسيلة لكى على الاقل نفهم شيئا مما حدث. فعلينا ان ننظر فى الخرائط القديمة، ونقرأ تحليلات من خبراء الجغرافية وعلماءها القدماء الذين عاشوا فى العصور السابقة، يمكننا ان نرى مستقبل هذا الكون فى القرن الواحد والعشرين. فبالرغم من التطور التكنولوجى الذى لغى الحدود بين الدول، الا ان جبال الهند لازالت تمثل عائقا ضخما. لقد شهد عالمنا تغييرات جغرافية كثيرة عبر تاريخه، وشهد صعود وسقوط نظم ديكتاتورية عديدة، مما يؤكد دوما على هشاشة تلك النظم. ولكن يقول كابلان، ان الشئ الوحيد المستقر والباقى هو وضع الشعوب على الخريطة؛ لذا ففى زمن الاضطرابات الشئ الوحيد المهم هى الخرائط. فعندما تتحرك الارض السياسية بعنف من تحت اقدامنا، تظل الخريطة، حتى ولو لم تكن مؤكدة، هى نقطة البداية لتحديد منطق تاريخى حول ما يمكن ان يأتى به المستقبل.

20 Dec 2011

كرامة الفتاة المصرية

الى كل فتاة مصرية وسيدة، أرفعى رأسك وأستمرى فى طريقك. لان كل تلك الصور التى رأيناها فى معاملة الفتيات وسحلهن وضربهن يعيب الرجال الذين قاموا بتلك الممارسات ولا يعيب الفتيات ولا يجب ان تؤدى تلك الممارسات الى ان تحاولن اخفاء انفسكم خجلا او خوفا او رهبة؛

أرفعى رأسك يا أيتها الفتاة المصرية لأن كرامتك من كرامة هذه البلد ومن كرامة جيشها ورجالها وشعبها بل اكثر لأنك انت التى  سوف تحققين النهضة فى مصر، وسوف ترفعين شأنها فى المستقبل القريب جدا

فى يناير الماضى رأيت لأول مرة الفتاة المصرية تسير بثقة وشجاعة الى ميدان التحرير وهى تعرف انها تسير نحو المستقبل الذى تريد تشكيله جنبا الى جنب مع شقيقها وزميلها وأبنها وزوجها.. وفى تلك اللحظة أدركت ان مصر تغيرت بالفعل ولن تعود ابدا الى الوراء

.

.

24 Nov 2011

حكومة حرب

عندما تتطور الأمور الى نقطة اللاعودة، يجب التعامل مع الوضع بشكل حازم وحاسم وغير تقليدى. لقد وصلت مصر اليوم الى تلك النقطة، ووصلنا الى مفترق الطريق، عندما نصبح أمام اختيارين: ان نكون او لا نكون.

وان كانت تلك اللحظة هى أقسى اللحظات التى نعيشها، لأنها مشبعة بالترقب والتخوين وعدم الثقة، فيجب ألا تطول لأن كل دقيقة تمر تزيد من مشاعر انعدام الثقة بين الجانبين وتزيد التوتر الذى قد ينفجر بأبشع شكل. وفى تلك اللحظة "لن نكون"، وسندخل نفقا طويلا مظلما بلا ضوء فى نهايته.

ولكن ان كنا نريد ان نكون، فعلينا ان نبدأ بسرعة باتخاذ الاجراءات الصحيحة بلا تأخر؛ واولها تشكيل حكومة انقاذ وطنى يرأسها شخصية مثل الدكتور محمد البرادعى بشكل خاص. لأن الدكتور البرادعى هو الوحيد بين الشخصيات المطروحة الذى يملك الحلول ولقد طرح بالفعل وثيقة خارطة طريق لكيفية الخروج من الفترة الانتقالية؛ فلن يضيع وقتا اخرا فى وضع الخطط والتفكير فى اسلوب العمل. كما اتصور انه بالتأكيد لديه تصور لمن يمكن ان يتعاون معه فى الوزارات المختلفة التى ليس بالضرورة ان تكون حكومة كاملة. بل ستكون بمثابة حكومة حرب تضم أهم الوزارات التى ستعمل على وضع الاسس للدولة المصرية الحديثة المدنية، وتحقيق التوافق بين القوى السياسية المختلفة. وتمهد الطريق لاجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية ووضع الدستور.

كما ان الدكتور البرادعى لديه تاريخ من الحسم والحزم فى الادارة، منذ ان كان مديرا لوكالة الطاقة الذرية، وكان يدير مؤسسة تضم الاف الموظفين من مختلف الجنسيات والعقليات والتوجهات. وفى نفس الوقت استطاع ان يواجه كل الضغوط التى كانت تمارس ضده من قبل اكبر قوة دولية فى العالم، والتزم بمبادئه، لأنه لم يكن متمسكا بمنصب او دور او مال.

لقد اثبت فى الفترة الاخيرة ان الدكتور البرادعى هو الوحيد الذى يعمل بجدية، بين الشخصيات العديدة التى طرحت نفسها لرئاسة الجمهورية وغيرها، والتى كانت تتحدث كثيرا وتتحدث بلباقة وسلاسة، ولكنها لم تكن تقول كثيرا، او لم تكن تقول شيئا؛ بينما كان الدكتور البرادعى يفكر فى كيفية الخروج من الازمة ويضع الخطط، فطرح وثيقة البرادعى فوق الدستورية التى تضمن للمواطن المصرى الكرامة والحرية والحقوق الانسانية، مهما يكن الدستور ومهما يأتى من نظم؛ كما طرح وثيقة الخروج من الفترة المؤقتة بسلام.

لذلك يجب ان نعمل بسرعة للخروج من الازمة قبل نفاذ الوقت اوالصبر والرصيد الذى لدينا. وحتى لا نفقد نفسنا وندخل عهدا جديدا مظلما لا نعرف متى ولا كيف ولا بأى شكل نخرج منه.

21 Apr 2011

نحو الديمقراطية

لقد اجتزنا بنجاح اول اختبار للديمقراطية منذ سنوات طويلة؛ فقد توجهنا باعداد كبيرة الى صناديق الاقتراع للتصويت على الاستفتاء حول التعديلات الدستورية، وبداخلنا شعور عميق بأننا نعمل على تشكيل مستقبلنا بأنفسنا؛ ووقف بعضنا لساعات طويلة من اجل الادلاء بصوته بدون تذمر ولا صدام مع أحد، يداخلنا هذا الاحساس الجميل بالمسئولية، والأهم من هذا وذاك اننا كنا جميعا مدركين تماما ان صناعة الحاضر والمستقبل يتم فى صناديق الاقتراع وليس فى الشارع، فقط عندما تكون الصناديق حرة، لا تقع تحت سيطرة جانب ضد جانب اخر.

ولكن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ وتنتهى فى صناديق الاقتراع، ولكنها تمتد الى ما بعد ذلك، لتشمل قبول الجانب الذى فاز فى الاقتراع الشعبى على الاغلبية المطلقة، على اساس ان الاغلبية المطلقة هى الوحيدة التى تفرض نفسها على كل ما عداها. لأنها فى النهاية هى رأى الشعب.

سيقول البعض ان الغالبية العظمى من الشعب جاهل لا يعرف القراءة او الكتابة. واقول ان الغالبية العظمى يجب ان تفرض رأيها على سائر الشعب ان كنا نريد الاخذ بالديمقراطية. وان كنا نريد من الغالبية العظمى ان تأخذ قرارات قوية وحكيمة تأخذ البلاد الى التقدم والنمو والرقى فعلينا ان نعمل من اجل ان تكون الغالبية العظمى من الشعب قوية وحكيمة وراقية. لأن الحكم يعكس دائما الشعب الذى يحكمه.

مبادرة "سلام" اسرائيلية؟؟

اصدرت مجموعة من الصفوة الاسرائيليين مشروع لمبادرة للسلام مع الدول العربية، قالوا فيها انها رد مباشر على مبادرة السلام العربية التى صدرت فى عام 2002 واخرى فى عام 2007، وتتساوى مع الفكرة التى طرحها الرئيس الاسبق بيل كلينتون فى عام 2000 حول قيام الدولتين. وقال البيان الذى صدر لتقديم المبادرة ان الظروف فى الشرق الاوسط تتغير: "وقلنا لأنفسنا انه حان الوقت ان يرفع الاسرائيليون اصواتهم ايضا".

هذه الوثيقة تشير الى اقامة دولة فلسطينية على "معظم" اراضى الضفة الغربية، وتكون عاصمتها "جزء" من القدس الشرقية، ويعود اللاجئون الفلسطينيون الى الدولة الفلسطينية وليس الى ارضهم الاصلية فى اسرائيل. كما تعترف المبادرة بمعاناة اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 واللاجئين اليهود من الدول العربية؛ كما تؤكد الوثيقة على ان المجموعة تشارك المبادرة العربية للسلام فى ان "الحل العسكرى للصراع لن يحقق السلام او يمنح الأمن للأطراف المختلفة". كما تؤكد الوثيقة على ان حدود 1967 ستكون هى اساس الحدود الجديدة "مع بعض التعديلات المتفق عليها والتى تقوم على تبادل الاراضى على الا تتجاوز 7% من الضفة الغربية"، كما تؤكد انسحاب اسرائيل من مرتفعات الجولان "مع تعديلات يتم الاتفاق عليها حول تبادل الاراضى".

الهدف من اصدار تلك الوثيقة الأن كما يقول القائمين عليها: وضع نهاية للصراع العربى الاسرائيلى، وانهاء العزلة الدبلوماسية التى تعيش فيها اسرائيل الان؛ كما تستهدف المبادرة الى اسماع صوت اسرائيل لدى الدول المجاورة.

ولكن اصدرا مبادرة اليوم ردا على المبادرة العربية بعد تسع سنوات من صدورها، يلمح الى وجود أسباب غير معلنة، ومنها: خوف اسرائيل مما يجرى فى الشرق الاوسط، والذى، على غير العادة، فاجأ اسرائيل وامريكا، فكان عليهم اعادة حساباتهم.

وثانيا اكتشاف مدى العداء لاسرائيل داخل الرأى العام والشعوب العربية التى قامت بالثورات من تونس الى اليمن، مرورا بمصر والبحرين وليبيا. فكان لابد لاسرائيل ان تعيد تشكيل صورتها لدى الشعوب العربية لتبدو اكثر سلما.

وثالثا، اسفرت الثورات الى تأجيج المخاوف الاسرائيلية من تغيير الاتفاقيات التى ابرمتها مع الحكام العرب وخاصة اتفاقية السلام مع مصر والتى حسب قول الدبلوماسية المصرية الخطأ فى تلك الاتفاقية ليست البنود بقدر ما هى تفسيرها وتطبيقها المجحف ضد المصلحة المصرية.

لذلك فان اصدرا تلك المبادرة اليوم قد تعنى ان المفكرين فى اسرائيل يسعون بالفعل الى تغيير فى سياسات الدولة بعد انفجار الثورات فى الدول العربية وسيطرة الشعوب على مصائرها؛ او قد تعنى انها تنوى، كما تفعل دائما، اتخاذ موقفا عسكريا صارما من الدول العربية تسبقه باعلان نوايا حسنة حتى لا تتهم بانها داعية للحروب. ولقد فعلت نفس الشئ فى عام 2000 عندما قدم رئيس الوزراء الاسرائيلى انذاك، ايهود باراك، مبادرة سلام يتعهد فيها باقامة الدولة الفلسطينية على 90% من الاراضى الفلسطينية، وبعدها بايام دخل آرييل شارون ساحة المسجد الاقصى فى القدس القديمة بشكل استفزازى اسفر عن تفجر الانتفاضة الفلسشطينية الثانية. فبدا ان اسرائيل هى التى تمد يدها بالسلام بينما الفلسطينيون هم دعاة الحرب والعداء.

فى كلتى الحالتين يجب ان نأخذ بحرص شديد المبادرة التى طرحتها مجموعة الصفوة والمفكرين الاسرائيليين، لان التاريخ لا يشهد على أى سابقة تؤكد حسن النوايا الاسرائيلية.

محاكمة مشروعة

تتردد تساؤلات من المواطنين وبعضها تساؤلات يتخللها مسحة من الاستخفاف: هل قمنا بثورة من اجل حفنة من الأموال؟ وتساؤلات أخرى فيها مسحة من التنازلات: هل يصح ان نشمت فى الرئيس وكل من القى القبض عليهم؟

على التساؤل الاول يصح ان نقول ان المحاكمات يجب ان تتناول ليس فقط الكسب غير المشروع، ولكن كل الجرائم التى جرت فى حق البلاد والشعب المصرى طوال السنوات الماضية؛ منها ما تم من بيع أرض البلاد لأجانب منهم يهود اسرائيليين، خاصة بيع اراض فى سيناء التى استشهد الالاف من ابنائنا لاستردادها سواء قبل او بعد حرب 1973؛ فهل من الممكن ان نبيعها بالمال لشركات اجنبية او افراد اجانب؟ ومنها ما تم من بيع اصول الدولة لشركات خاصة منها شركات اجنبية، لا تسدد ضرائب الى البلاد ولا تعود ارباحها الى عجلة الاقتصاد المصرى، فيتم استنزاف دماء الاقتصاد المصرى وثرواته الى الخارج. ومنها إهدار ثروات البلاد من مياه وطاقة كهربائية لصالح حفنة من المواطنين، مثل ثروة المياه التى، حسب قول الخبراء، اننا وصلنا فيها الى كارثة حقيقية، فى الوقت الذى تهدر لصالح رى اراض رياضة الجولف فى الساحل الشمالى وفى القطامية وفى مدن سياحية اخرى، بينما لا تجد الاحياء الفقيرة المياه الصالحة للشرب وفى الوقت الذى نروى فيه الاراضى الزراعية بمياه الصرف الصحى !!!! ومنها اهدار الطاقة الكهربائية فى انارة الطرق السريعة والطرق "السياحية" والمغالاة فى انارة الشركات والمتاجر طوال الليل، بينما تنقطع الكهرباء عن المواطنين فى مختلف الاحياء ويطلب منهم ترشيد استهلاكهم!!! ومنها إهدار الاراضى الزراعية لتحويلها الى مراكز تجارية او منتجعات سياحية، واهدار التقاوى الزراعية وتحويلها من تقاوى تحمل جينات مصرية تستخدم اكثر من مرة، الى تقاوى اجنبية لا تستخدم الا مرة واحدة ويرتفع سعرها فى كل عام. ومنها القضاء على الصناعات المصرية من صناعات استراتيجية الى اخرى استهلاكية، مثل الحديد والصلب والنسيج واخرى، واستيرادها من الخارج بأضعاف الاسعار. وتتحول مصر من دولة منتجة زراعيا وصناعيا الى مجرد دولة خدمات خاصة فى مجال السياحة.

وان كنا نطالب بمعاقبة كل من اجرم فى حق الوطن، فذلك ليس معناه التشفى فى المجرمين، ولكن معناه ان يحصل كل مجرم على نصيبه من العقاب الذى يستحقه، اولا حتى يطبق القانون على كل شخص بدون استثناءات، وثانيا حتى يدرك كل مواطن اليوم وفى المستقبل ان من يخطئ ينال عقابه؛ فلا يكون هناك سابقة تعطى للسلطات فى المستقبل مبررا للفساد مرة اخرى.

وان كانت التحقيقات تتم من اجل اعادة الاموال المهربة والكسب غير المشروع فذلك اولا واخيرا هى أموال الشعب ودافعى الضرائب الذين يكدحون ويعملون من اجل اطعام اطفالهم؛ لان كل من اكتسب بشكل مغالى فيه، من عمله هو فى النهاية موظف حكومة يحصل على راتب شهرى محدد يحصل عليه من دافعى الضرائب، وهدفه تقديم خدمه للوطن، وليس رجل اعمال هدفه هو الربح. لذلك فان المحاكمات التى تجرى هى محاكمات مشروعة وشرعية

8 Feb 2011

ومضات من ثورة 25 يناير 2011

 

انها النبتة الصغيرة التى بدأت تكبر وتقوى وترسل فروعها الى السماء. انها النبتة التى ظهرت كالمويض، هنا وهناك، تضئ بعض المدارس الفقيرة عندما يحيط بها   اهتمام وحب الشابات؛ وتضئ بيوت المزارعين البسيطة بقروض يستطيعون تسديدها. انها النبتة الصغيرة التى تدفع الشباب الى العمل فى مصر ويرفضون مغادرتها لان لديهم مشاريع كثيرة لوطنهم. وابناء وطنهم. كل تلك النبت كبر وطال وتحول الى غضبة كبيرة ومنها الى حركة، ومنها الى ثورة بكل معانى تلك الكلمة.

فما الثورة الا حركة قوية تقلب رأسا على عقب الوضع القائم، وتزيل طبقة حاكمة، وتعيد تشكيل الطبقات الاجتماعية، وتضع علامة النهاية على اسلوب حكم وحياة مرفوض.

ان مصر بعد 25 يناير لن تكون مثل مصر قبلها، والمصريون بعدها سيكونوا مختلفين، لأنهم تحرروا أساسا من الخوف؛ الخوف من النظام والخوف من المجهول والخوف من التكفير؛ وذلك هو اهم انواع التحرر. 

20 Jan 2010

العدو الحقيقى


يجب أن نتذكر دائما انه فى مثل تلك الأيام قبل عام شهدنا على شاشات التليفزيون الحرب التى شنتها إسرائيل بكل قسوة ضد أبناء غزة العزل من أطفال ونساء وشيوخ، وراح ضحيتها 1400 فلسطينى بأسلحة مدمرة استخدمت لأول مرة من اجل اختبارها.
ويجب أن ندرك من تلك العمليات، والحروب التى شنتها إسرائيل ضد جنوب لبنان حيث دمرت كل البنية التحتية والجسور والمبانى وكانت تجعل الأطفال الإسرائيليين يكتبون رسائل قاسية على الصواريخ المتجهة الى أطفال لبنان، أن إسرائيل هى العدو الحقيقى فى تلك المنطقة؛ وإننا لن نستطيع أبدا أن نعمل على التطبيع بينما العالم بدأ ينظر الى الدولة الإسرائيلية كدولة عنصرية تنتهك كل القوانين الإنسانية. فمنذ عام 2005 صوت اتحاد أساتذة الجامعة فى بريطانيا على مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، والتى اتهمت بالمشاركة فى قمع الفلسطينيين؛ وبعد الحرب على غزة تشكلت حملة كبيرة فى الولايات المتحدة من اجل مقاطعة إسرائيل اكاديميا وفنيا شارك فيها المبشر الجنوب افريقى ديزمونت توتو؛ وفى عام 2009 قام مجلس اتحاد العمال فى بريطانيا بعقد مؤتمر لبحث مقاطعة المنتجات الإسرائيلية.
فى نفس الوقت قامت حملات مقاطعة فى أمريكا ضد منتجات تجميل لشركة "أهافا"، أطلقت عليها اسم "الجمال المسروق" لان تلك المنتجات تصنع فى المستوطنات غير القانونية التى أقيمت فى الضفة الغربية؛ بينما تعرضت متاجر سينسبورى وتيسكو الى ضغوط كبيرة من اجل التنويه عن المنتجات الإسرائيلية التى صنعت فى المستوطنات. وفى استراليا، فقد مجمع يضم شركة فيوليا الفرنسية حق بناء مصنعا لتحلية المياه، بعد أن كشف الإعلام عن دور الشركة الفرنسية فى بناء خط سكة حديد يربط القدس بالمستوطنات، بينما قامت حكومة النرويج بسحب دعمها لشركة ايلبيت الإسرائيلية بعد أن تكشف دورها فى بناء الجدار العازل عبر فلسطين، وقال وزير المالية النرويجى أن حكومته لا ترغب فى تمويل الشركات التى تساهم بشكل مباشر فى انتهاك القوانين الإنسانية الدولية.
وأخيرا فلن ننسى أن القاضى الدولى، ريتشارد جولدستون، اصدر تقريرا عن بشاعة الانتهاكات الإسرائيلية فى غزة خلال تلك الحرب الأخيرة، مما دفع محكمة بريطانية الى إصدار أمر اعتقال تسيبى ليفنى، وزيرة الخارجية الإسرائيلية فى تلك الفترة، إن هى خطت بقدمها الأراضى البريطانية، وتوجيه لها اتهامات بارتكاب جرائم ضد البشرية، بينما تعرض ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلى فى ذلك الوقت لنفس المصير الذى استطاع التهرب منه بسبب الحصانة الدبلوماسية.
إن العدو الحقيقى للعرب هى إسرائيل. هذه حقيقة لا شك فيها. وان كان هناك تجاوزات من بعض الغزاويين فالسبب الرئيسى هو الاحتلال الإسرائيلى، ومحاصرة أبناء غزة ليصبح القطاع "اكبر سجن مفتوح" حرم عليهم فيه الطعام والشراب والدواء والعلاج والعمل والحياة. وأيا كانت العلاقات السياسية بين مصر وإسرائيل، فانه من الصعب قبول تطبيع العلاقات الثقافية والفنية والاجتماعية والأكاديمية وغيرها مع دولة تنتهك يوميا القوانين الإنسانية، وترتكب يوميا كل أنواع الجرائم التى تحرمها القوانين الدولية.

4 Nov 2009

صحوة العنصرية فى الغرب

تصور العالم أن انتخاب رئيس أمريكى ملون، لأول مرة فى تاريخ الولايات المتحدة يعنى أن الشعب الأمريكي قد وصل الى مستوى عال من النضج السياسى والاجتماعى وحقق السلام الداخلى بعد عقود من الاضطهاد العنصرى، والصراع الدموى من اجل حصول السود على حقوقهم المدنية. ولكن ما حدث فى الواقع هو أن العالم الغربى يشهد حاليا ومنذ نحو عام على صحوة عنصرية جديدة سواء فى الولايات المتحدة أو فى أوروبا.
فيرى بعض الخبراء فى علم الاجتماع أن انتخاب باراك اوباما رئيسا لأمريكا أدى بالعكس الى تفجر العنصرية على مختلف الطبقات؛ فقد بات لون الرئيس الأمريكى مادة للتفكه والسخرية فى البرامج الساخرة على القنوات الأمريكية التى تغطى البلاد كلها؛ كما ظهرت رسوم كاريكاتيرية عديدة تظهر اوباما فى شكل "ساحر أسود" أو يرتدى جلد قردة ويأكل الموز؛ كما بدأت تظهر مظاهر عنصرية كان المجتمع قد تصور إنها انتهت تماما، مثل اتهام رجل اسود يحاول الدخول الى منزل فى حى راق، بسرقة المنزل، بدون تصور أن هذا الرجل قد يكون صاحب المنزل لمجرد أن لونه أسود. كما أظهرت الإحصاءات تزايد عدد الجمعيات اليمينية المناهضة للسود فى العام الأخير، وتزايد نشاطهم وممارسة عمليات تعذيب واغتيال لمواطنين سود بيد البيض لأسباب عنصرية.
فى نفس الوقت ظهرت أيضا ممارسات عنصرية متزايدة فى أوروبا ضد المسلمين والعرب، كان أخرها عملية اغتيال المصرية مروة الشربينى التى لقت حتفها بيد ألمانى لمجرد إنها ترتدى الحجاب. وفى نفس الوقت نشر صحفى فرنسى من أصل جزائرى، يدعى مصطفى كيسوس، مقالا فى صحيفة لوموند الفرنسية واسعة الانتشار، والموجهة الى الصفوة و الطبقة المثقفة من متحدثى الفرنسى، عن تجربته كعربى فى المجتمع الفرنسى، وكيف أن مجرد أن اسمه "مصطفى" تتغير النظرة إليه، فيتم رفض تأجير مسكن له، بعد أن كان السكن متاحا فى مكالمة هاتفية، أو يتهم فى جريمة كان يقوم بتغطيتها بصفته صحفيا، لمجرد أن سماته عربية، أو يتشكك المصدر الذى اتفق معه على لقاء صحفى، من عمله فى صحيفة لوموند ويصر على أن يرى تحقيق الشخصية.
وقد فجر مقال مصطفى كيسوس ردود فعل واسعة النطاق، خاصة بعد تصريحات قالها وزير الداخلية الفرنسى بريس اورتوفو اعتبرت عنصرية، وتكشف من خلال التعليقات التى نشرتها الصحيفة الفرنسية فى موقعها على الانترنت الى أى مدى يشعر الفرنسيون من أصول عربية بالاضطهاد، حتى أن البعض يحاول إخفاء اسمه العربى، ووصف كيسوس تلك العملية وكأنه "اضطر لأن يبتر جزء من هويته".
مع تلك الصحوة التى أعادت الى الأذهان عصور مظلمة لم يمض عليها إلا بضعة عقود من السنين، تتردد تساؤلات حول ما أن كانت مشاعر العنصرية هى جزء من الطبيعة البشرية ام هى مشاعر مكتسبة؟ وهل تحمل الشعوب ذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال؟ أم أن هناك إمكانية لتغيير الإدراك المجتمعى بالثقافة والعلم؟ أو فى النهاية هى عملية يمكن توجيهها سياسيا؟ أيا كانت أصول وطبيعة تلك المشاعر فإنها بالتأكيد مسألة تثير مخاوف دفينة من احتمال تكرار ماضى تصور البعض إنه انتهى بلا رجعة.