24 Mar 2009

اعمار غزة مسئولية اسرائيل


بعد حرب إسرائيل ضد جنوب لبنان نظمت فرنسا مؤتمرا عالميا من اجل إعمار لبنان، وبعد أن قامت الترسانة العسكرية الأمريكية بتدمير العراق، نظمت أسبانيا مؤتمرا عالميا من اجل إعادة إعمار ما هدمته أمريكا؛ ثم قامت الترسانة الإسرائيلية مرة أخرى بتدمير غزة وسحق شعبها لأجيال قادمة، فتم تنظيم فى شرم الشيخ مؤتمرا عالميا لإعادة إعمارها. وكأن دول العالم، خاصة الدول العربية النفطية، باتت هى التى تتحمل مسئولية إعادة بناء ما تدمره إسرائيل وأمريكا.
ولكن فى الواقع فإن عملية إعمار غزة يجب أن تتناول بشئ كبير من الحذر. أولا لان لأن إسرائيل التى قامت بالهجوم المكثف على القطاع الصغير بعد 19 شهرا من الحصار والحظر الاقتصادي عليه، قصدت التدمير الكامل ليس فقط للمساكن والبنية التحتية وكل ما له صلة بكيان الدولة، بل أيضا للإنسان الفلسطينى والذى سيظل يعانى لأجيال عديدة قادمة. كما قصدت إسرائيل استخدام أسلحة حارقة مثل القنابل الفسفورية، التى تعتبر فى الأعراف الدولية أسلحة دمار شامل لأنها تدمر البيئة والمناخ والتربة، كما تحرق الأجساد الصغيرة، وتظل تنشط كلما اقترب احد من مكانها أو تلامست مع الهواء. ولقد ألمح بعض الخبراء الى أن تلك الأسلحة، التى تلقتها إسرائيل من الولايات المتحدة، استخدمت فى غزة على سبيل اختبارها، وذلك جريمة أخرى تضاف الى كل جرائم إسرائيل ضد الإنسانية.
ثانيا إسرائيل، باعتبارها سلطة احتلال، تقع عليها مسئولية المحافظة على المنشآت فى الدولة التى تحتلها، حسب القوانين الدولية، كما تقع عليها مسئولية حماية المدنيين الذين يقعون تحت سلطتها. ولكن ما يحدث هو العكس فان إسرائيل هى التى تقوم بالإضرار بكل المنشآت والبشر، وهى جريمة أخرى تضاف الى جرائمها ضد السلام.
ثالثا، تحصل إسرائيل على كل المساعدات المادية والعسكرية من الولايات المتحدة، والتى تستخدمها فى هجماتها على المناطق العربية على حدودها، ثم يتم تنظيم مؤتمرا للدول المانحة لمنح مساعدات مادية يقال إنها ستوؤل الى الشعب الفلسطينى ولكن فى الحقيقة ستذهب الى الشركات الكبرى التى هى فى الأصل غربية، وهى التى ستقوم بمهام إعادة الإعمار؛ فان كانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت تقديم 900 مليون دولار مساعدات الى حكومة سلام فياض وغزة، فلا ننسى انها كانت قد تعهدت الى إسرائيل بتقديمها 30 مليار دولار كمساعدات دفاعية حتى نهاية عام 2017.
رابعا، تقول الصحفية الإسرائيلية عميرا هاس، أن المجتمع الدولى تعهد بتقديم مئات ملايين من اليورو معونات ومنح لغزة، وكأن الدمار حدث نتيجة كارثة طبيعية، وفى نفس الوقت تستمر أوروبا فى دعم علاقاتها التجارية مع إسرائيل التى تبيع لأوروبا المعلومات العسكرية والدفاعية التى حصلت عليها نتيجة لظروف الاحتلال وتحليلها لتأثير الأسلحة الجديدة التى تستخدمها ضد المدنيين الفلسطينيين، الذين تعتبرهم الصحفية الإسرائيلية بمثابة مختبر علمى. وذلك جريمة أخرى تضاف الى جرائم الحرب التى ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
أن محاولات إعادة إعمار غزة قبل إجراء تحقيقا دوليا حقيقيا فيما حدث بالفعل هناك خلال 32 يوما من الدك والقصف والتدمير بأسلحة محرمة دوليا، استخدمت لاختبارها، سوف يمحو كل أدلة على الجريمة البشعة التى ارتكبتها إسرائيل. كما أن التحول الى الدول العربية والمجتمع الدولى لإعادة بناء ما دمرته إسرائيل، ينفى عنها المسئولية؛ نفس تلك المسئولية التى تحملها الدولة العبرية على كل الدول الأوروبية التى كانت لها يد من قريب أو بعيد فى الجرائم التى ارتكبتها النازية ضد اليهود فى الحرب العالمية الثانية؛ ولازالت الى اليوم تفرض عليهم دفع التعويضات والاعتراف بجريمتهم والاعتذار عنها.
فان كانت إسرائيل تعمل على ألا ينسى العالم المحرقة والإبادة الجماعية ضد اليهود فى الأربعينات من القرن الماضى، فلا يجب أن ينسى العالم كل الجرائم التى يرتكبها أبناء وأحفاد ضحايا المحرقة اليهود ضد أطفال ونساء والمدنيين من الشعب الفلسطينى، ويجب أن يتحملوا مسئوليتها أمام التاريخ.

22 Jan 2009

لماذا غزت إسرائيل غزة؟


يقول جيمس بيتراس، الكاتب الامريكى، أن الخطة العسكرية الإسرائيلية استهدفت المراكز التى تضم اكبر عدد من المواطنين الفلسطينيين، فدمرت الجامعة الأساسية التى يدرس فيها أكثر من 18 ألف طالب فلسطينى، معظمهم من الفتيات، ودمرت المساجد والصيدليات وخطوط الكهرباء والمياه ومحطات الكهرباء وقرى الصيد وقوارب الصيد وميناء الصيد الصغير، الذى كان يمد أهل القطاع الجوعى بأقل القليل من الأسماك. كما دمروا كما يقول بيتراس الطرق ووسائل المواصلات ومخازن الطعام والمصانع الصغيرة والمتاجر والمنازل. ففى رأى بيتراس كان لابد لإسرائيل أن تدمر كل أوجه الحياة التى تسمح للمواطنين بالبقاء والعيش مع بعض الكرامة والاستقلال.
وكل ما سبق لن يتوقف حتى ولو تنحت حماس عن الحكم. فتقول جنيفر لوينشتاين مدير مساعد برنامج دراسات الشرق الأوسط فى جامعة ويسكونسون- ماديسون الأمريكية، أن ما يحدث فى قطاع غزة منذ أكثر من أسبوع ليس له أية علاقة بحماس، وليس له أية علاقة بالإرهاب، ولا بضرورة الأمن الإسرائيلى أو بحزب الله أو بسوريا أو إيران. إنها حرب تهدف الى استعباد شعب كامل جرؤ يوما ما على المطالبة بحقه فى البقاء وفى وطن ذى سيادة؛ شعب جرؤ يوما ما على المطالبة بان تكون ثرواته ملكا له، ويرفض أية قواعد عسكرية إمبريالية على أرضه.
كما أكدت جنيفر الى أن الحرب الحالية فى غزة ليس لها علاقة بالجماعات الإسلامية أو بالحرية أو الديمقراطية أو العدالة أو السلام، لان كل رموز المقاومة تتغير وتغيرت عبر السنين، من فتح والجبهة الفلسطينية لتحرير فلسطين التى رأسها حبش، الى حماس؛ لان، كما تقول الباحثة الأمريكية، إسرائيل لا تريد السماح بوجود دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للاستمرار عند حدودها. فلم يكن فى نيتها ذلك فى عام 1948 ولا فى الخمسينات ولا فى عام 1967 ولا فى عام 1974، ولا كان فى نيتها العمل على حل عادل فى عام 1978 أو 1982، عندما غزت بيروت وسحقت العاصمة اللبنانية؛ ولم يكن فى نيتها الموافقة على الدولة الفلسطينية فى مدريد ولا فى اوسلو؛ لذلك فسواء بقت حماس أو رحلت، فان إسرائيل لن تقبل أبدا بوجود دولة وسلطة فلسطينية عند حدودها تطالب بحقها فى السيادة والمساواة مع سائر دول المنطقة. ولكن إسرائيل لا تعرف إنها مع كل قنبلة تسقط انما تغذى ارض الانتقام والمرارة والكراهية، وذلك ليس فقط فى فلسطين ولكن فى سائر دول المنطقة.
وفى نفس الوقت كتب نورمان فينكلشتاين، الكاتب الامريكى اليهودى، صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست" يقول فى حوار مع برس تى فى، أن أهداف الحكومة الإسرائيلية هى إقامة ما تصفه "بقدرات الردع"، وهو ما يعنى فى نظر فينكلشتاين ترويع الدول العربية الأخرى فى المنطقة. فيرى فينكلشتاين أنه بعد هزيمة إسرائيل من حزب الله فى جنوب لبنان، وبعد صعوبة شن هجوما على إيران، أصبح من الضرورى أن تهاجم حماس التى تتحدى رغبة إسرائيل. ويؤكد فينكلشتاين أن الصحف الإسرائيلية تشير الى أن ايهود باراك وزير الدفاع كان يخطط للهجوم قبل وقف اطلاق النار الأخير، وكان ينتظر أى استفزاز من الفلسطينيين ليبدأ تنفيذ الخطة. وفى 4 نوفمبر كسرت إسرائيل اتفاقية وقف إطلاق النار مع حماس وهى تعلم تماما أنها أن قتلت ستة من النشطاء الفلسطينيين، فانهم سوف يحاولون الانتقام. فى تلك الحالة ستجد إسرائيل المبرر للغزو. وبالتالى تنشر الخوف من إسرائيل من خلال ما وصفه فينكلشتاين بحمام الدم فى غزة. وما يحدث فى غزة اليوم هو تصحيح أخطاء إسرائيل التى ارتكبتها فى جنوب لبنان عام 2006. فقد قررت فى غزة أن تقوم بعملية كاسحة تتسبب فى مذابح على اكبر نطاق ممكن، حتى تردع أى دولة عربية أخرى تحاول تحدى سلطة إسرائيل.

يؤكد الصحفى البريطانى جوهان هارى فى صحيفة الاندبندنت، أن إسرائيل حقيقة تريد السلام، ولكنها تريد السلام الذى تفرضه هى بشروطها هى، والذى يقوم على قبول الفلسطينيين بهزيمتهم. هذا السلام يعنى أن تبقى إسرائيل على كبرى مستوطناتها وتسيطر على الموارد المائية، ويعنى أن تبقى فلسطين منقسمة، حيث تتحول مسئولية غزة الى مصر، وتبقى الضفة الغربية المقسمة، وحدها. وتعرف إسرائيل تماما أن هذا النوع من السلام لن يتحقق من خلال المفاوضات؛ ولكن الواقع يؤكد، حسب الكاتب البريطانى، أن السلام المفروض لن يوقف إطلاق الصواريخ ولا الغضب الشعبى، وان فى النهاية سوف يكون عليها أن تتفاوض مع الشعب الذى تقوم بقصفه اليوم، ويجب عليها أن تجد حلول وسط معه.

الانتصار السهل

من المؤكد أن إسرائيل تشن حربا بلا بطولة؛ فمهما حدث فى تلك المنطقة، ومهما وصلت انتصارات إسرائيل، فان قواتها لن تستطيع أبدا أن تشعر بالفخر، تماما كما حدث فى حربها ضد أطفال الحجارة فى الانتفاضة الاولى، وتماما مثلما حدث مع أمريكا فى العراق، وكما فعلت إسرائيل فى جنوب لبنان.
نفس السيناريو الذى حدث مع العراق فى التسعينات وحتى الغزو فى 2003، حدث فى قطاع غزة مع اختلاف القوتين: فقد فرضت إسرائيل على القطاع عقابا اقتصاديا وحصارا منيعا استمر 19 شهرا، الى أن فقد الشعب الفلسطينى كل قدراته على الحياة ولم يعد يستطيع أبناءه وأطفاله الحصول على الطعام أو الشراب أو الدواء أو الكهرباء، وقضى على جيل كامل من الفلسطينيين؛ ذلك مهد الأرض لغزو سهل، فأرسلت إسرائيل طائراتها بلا طيار، تدك ما تبقى من أطلال فى القطاع وتحصد أرواح المئات وتدمر المنازل والمساجد والبنية التحتية للقطاع كله.. فهل تشعر إسرائيل بالفخر أمام هذا الانتصار السهل؟

31 Dec 2008

يد الغدر تضرب فى غزة

لم يكن غريبا أن تضرب إسرائيل بيد الغدر على سكان غزة بعد أن أعدت الأرضية فى البلاد العربية وفى الخارج لتبرر أعنف هجوم دموى تقوم به ضد أبناء غزة العزل منذ حرب 1967.
نفس السيناريو الذى وضعته الولايات المتحدة لضرب العراق فى عام 2003 قامت إسرائيل بتطبيقه فى غزة. فقد وضعت أولا القطاع الفلسطينى تحت الحصار المشدد لأكثر من 19 شهرا الى أن حولت الشعب الفلسطينى فى القطاع الى "شحاذين" كما قال احد الكتاب، فهم يأكلون الحشائش ويموتون فى المستشفيات بسبب غياب الدواء وانقطاع الكهرباء عن الأجهزة الطبية؛ ومنعت المعونات من الوصول إليهم سواء من البحر أو من البر. ويصف المراقبون الأطفال الجوعى والمرضى بأنهم "جيل من الجفاف".
ثم فرضت إسرائيل تعتيما إعلاميا على القطاع، فمنعت الصحافة الأجنبية من تغطية الأحداث داخل القطاع؛ كما منعت مسئولا من المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من دخول غزة، بل وقامت باعتقاله عند دخوله البلاد ومنعته من القيام بمهامه الرسمية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، ثم رحلته.
وتأتى الخطوة الثالثة عندما بدأت إسرائيل فى تخدير الرأى العام العالمى، عن طريق طرح أراء حول التهدئة والسلام، كما فعل ايهود اولمرت رئيس الوزراء المستقيل الذى أعلن فى شهر سبتمبر الماضى، "تراجعه عن فكرة تمسك إسرائيل بالضفة الغربية وقطاع غزة وقال أن تصور "إسرائيل الكبرى" قد انتهى، ليس هناك شيئا مماثلا. واى شخص يتحدث عن مثل تلك الرؤية فهو يعيش فى الوهم". وفى نفس الشهر قال اولمرت فى تصريحات صحفية أن على إسرائيل أن تغادر كل الأراضى التى احتلتها عام 1967 مقابل السلام مع الفلسطينيين، بما فيها الضفة الغربية وهضبة الجولان وأيضا القدس الشرقية. مؤكدا انه يطرح ما لم يطرحه أى مسئول إسرائيلى من قبل. تماما مثلما عرض ايهود باراك رئيس الوزراء الأسبق على الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات فى 2002 السلام وإعادة كافة الأراضى الفلسطينية.
ومثلما حدث فى 2002 حدث مرة أخرى فى 2008، بعد تلك الهدية المسمومة، انقلب فى المرة الاولى أرييل شارون على الوضع ودخل ساحة المسجد الاقصى بألف جندى، مما أدى الى تفجر الانتفاضة الثانية؛ واليوم، بعد اشهر قليلة دكت القوات الجوية الإسرائيلية قطاع غزة فيما وصف بأنها أسوأ عملية عسكرية دموية منذ حرب 67. وذلك حتى يلقى اللوم كله على الفلسطينيين.
ولكن كل شئ كان معدا لهذا اليوم خاصة بعد أن أعلن الرئيس الامريكى المنتخب، باراك اوباما أن إسرائيل هى أهم حليف لها فى المنطقة، وبعد أن أعلن الاتحاد الأوروبى تحت الرئاسة الفرنسية رفع مستوى التعامل مع إسرائيل.
واليوم عندما قامت إسرائيل بدك غزة فى منتصف النهار، بينما كان أطفال المدارس فى طريقهم من والى مدارسهم، وكانت الشوارع تعج بالمارة والمدنيين، ليسقط المئات قتلى وجرحى، لم ترفع أى حكومة مسئولة فى أوروبا أو الولايات المتحدة صوتها لكى تدين العدوان. فهم لازالوا تحت تأثير التخدير.

فى عام 2001، وضعت الولايات المتحدة تفسيرها للإرهاب، فى الأمر التنفيذى رقم 13224 ووصفته بأنه: نشاط يضم عملا عنيفا أو خطيرا يضر بحياة الإنسان أو الملكية أو البنية التحتية؛ وهو نشاطا مقصودا ذا نية مبيتة يهدف الى تخويف أو قمع السكان المدنيين، والتأثير على سياسة الحكومة من خلال التخويف أو القمع؛ أو التأثير على تصرف الحكومة من خلال التدمير على نطاق واسع، أو القتل أو الخطف أو احتجاز رهائن. هذا الأمر التنفيذى وقعه جورج بوش فى 23 سبتمبر عام 2001، ويستخدم للقضاء على أى منظمة أو شخص أو دولة لا تريده. ولكن نفس التفسير ينطبق على إسرائيل وتصرفاتها مع الفلسطينيين على مدى ستين عام، ولكن لم يتهمها احد أبدا بالإرهاب؛ برغم خطتها الواضحة فى عملية التطهير العرقى المستمر حتى اليوم.

10 Nov 2008

اختيارات اوباما

سعد الجميع بانتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة؛ سواء كانوا من الأمريكيين أو الأجانب، من اليسار أو اليمين، من العالم الأول أو العالم الثالث، من الأغنياء أو الفقراء، من الصهاينة أو العرب. الجميع شعر بسعادة كبيرة لخروج جورج بوش من البيت الأبيض، والجميع شعر بالأمل فى الإدارة الجديدة التى سيرأسها رجل امريكى اسود من أصول كينية وإسلامية، تربى فى عائلة بيضاء مسيحية؛ لأن كل فئة أو دولة أو مجموعة ترى فى اوباما التغيير للأفضل، ايا كان هذا الأفضل.
هذا الموقف يعيد الى الأذهان تلك اللحظة التاريخية التى أختير فيها الجنرال شارل ديجول ليتولى السلطة فى فرنسا الجمهورية الرابعة قبل أن يغير دستورها ويشكل الجمهورية الخامسة؛ فى تلك الفترة سعد الجميع بعودة ديجول الى السلطة، سواء من المدنيين أو العسكريين، من أنصار الجزائر فرنسية، أو من دعاة الاستقلال؛ هل كان هناك تناقضا فى الرؤية؟ أم سوء تقدير أو سوء فهم؟
ليس هناك سوء فهم على أى جانب. فمثلما حدث مع ديجول، يتوقع كل جانب أن ينتهج الرئيس الجديد السياسة التى يتوق إليها وتؤيده، لأن كل جانب يرى فى الرئيس الجديد نهاية عصر بث الكثير من الآلام، وبداية أخر يتمنى أن يكون أفضل. فيرى المجتمع الأسود الامريكى أن انتخاب شخص منهم يعنى أن كل شئ أصبح ممكنا، ويرى البيض أن انتخاب اوباما سيغير صورة أمريكا فى العالم بعد ان تشوهت بسبب سياسة بوش؛ ويرى اللوبى الإسرائيلى أن اختيار اوباما لرام إسرائيل امانويل رسالة الى الشرق الأوسط أن الرئيس الجديد سيسير على خطى السابقين من اجل إنهاء العملية التى بدأها شارون فى ترحيل الفلسطينيين واعلان القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل. بينما يرى العرب أن اوباما الذى يحمل دماء إسلامية افريقية، قد يكون أكثر تفهما لمأساة الشعب الفلسطينى التى تتفاقم كل يوم أكثر من اليوم السابق؛ تأمل أوروبا فى دور امريكى جديد تتعامل من خلاله كشريك، وليس كدولة عظمى، بينما تأمل الصين فى علاقات متغيرة مع الإدارة الجديدة.
ولكن اين اوباما من كل ذلك؟ فى أى جانب يقف؟ مثل ديجول فى عام 1958، قد يكون اوباما نفسه لا يعرف أى الطرق ينتهج، وأى الاتجاهات يختار؟ فان كانت خطبه تشير الى تمتع الرئيس الامريكى بالهدوء والثقة والتوازن الفكرى، فان اختياراته لمساعديه فى البيت الأبيض حتى الآن، تشير الى توجه أخر أكثر الى اليمين عنه الى اليسار الذى جاء منه. أن على اوباما أن يفكر كثيرا خلال الأسابيع المقبلة وقبل حلفه اليمين ليكون رسميا أول رئيس اسود فى البيت الأبيض، أن يفكر بشكل خاص فى كل هؤلاء الذين اختاروه ووضعوا أملهم فيه. لأن نجاحه كرئيس يعتمد أساسا على انتهاجه سياسته هو التى يضعها من وحى فكره وشخصيته وتوجهاته، بهدف تحقيق حلم البسطاء مثله، وليس على انتهاجه سياسة تفرضها عليه القوى الأخرى والمؤسسات الكبرى التى تعمل لصالح نفسها، وتتعهد له بفترة رئاسية ثانية.

6 Nov 2008

عصر جديد فى امريكا


لا تتوان الولايات المتحدة فى إدهاش العالم. وفى 4 نوفمبر صنعت مرة أخرى التاريخ عندما أعطت الفوز بالرئاسة لأول امريكى من أصول افريقية، ليصل عصر من العنصرية الى نهاية الطريق، ويحقق باراك اوباما "الحلم" الذى كان يحلم به مارتن لوثر كينج وجيل كامل من السود فى الستينات.
والتساؤلات تطرح بشدة: لماذا فاز اوباما الأسود؟ ما الذى يستطيع أن يغيره من سياسات أمريكا فى الخارج؟ هل الرسالة ستبقى والذى يتغير هو حامل الرسالة؟ إن فوز اوباما يعنى أن الناخب الامريكى رفض كل ما يمثله جون ماكين، وهو أساسا شيئين مهمين: فقد رفض الناخب الامريكى الفكر الجمهورى الذى يمثله ماكين والذى بالضرورة سيكون امتدادا لسياسات جورج بوش، الذى اعتبر فى كل الاستطلاعات أسوأ رئيس فى تاريخ الولايات المتحدة. وهو الفكر الذى يمتد من الهيمنة الإمبريالية فى العالم الى اقتصاد السوق الحر بالكامل؛ والذى يمتد من العنجهية وعقاب كل من يعارض سواء كانت دولة صغيرة أو كبيرة، الى خلق مناخا من الخوف فى الداخل وفى الخارج للحصول على تفويض لتطبيق سياسات غير شعبية؛ والذى يمتد من ممارسة الأكاذيب الدائمة والمستمرة على كل المستويات لإقناع الرأى العام بشرعية سياساته، الى إعطاء العالم صورة كريهة للولايات المتحدة فى أنحاء العالم.
كما رفض الناخب الامريكى بأغلبيته الساحقة ما يمثله جون ماكين من توجه عسكرى، رافضا بذلك سياسة الحرب التى انتهجها بوش على جميع الجبهات، بعد أن شن حربه الشهيرة ضد الإرهاب. فلم يتوان جون ماكين على امتداد حملته الانتخابية فى التركيز على تاريخه العسكرى فى فيتنام وعلى فترة أسره فى سجونها وعذابه وتعذيبه، فى محاولة لان يستمد شرعيته من العسكرية. ولكن فى 4 نوفمبر كانت رسالة الناخب الامريكى رفض تلك الشرعية التى ورطت جنوده وأبناءه فى حروب غير كريمة فى أفغانستان وفى العراق بكل ما تكشف عن خبايا تلك الحروب من ممارسات دونية شوهت صورة الشرف العسكرى، سواء من جنودها المرتزقة أو قواتها النظامية.
لذلك كان توجه الناخب الامريكى الى المرشح الديمقراطى الذى قرر أن يكون ما يمثله هو العكس تماما عما يمثله غريمه الجمهورى. فان اوباما هو امتداد لتاريخ من الصراع العرقى للحصول على الحقوق المدنية وانتزاع الاحترام لأمريكيين من أصول افريقية، وان كان اوباما من أب أفريقى فهو يتمتع بميزة كبيرة، وهو انه ليس من سلالة عبيد، فان والده كان كينيا حرا جاء الى الولايات المتحدة ليدرس، وتلك نقطة مهمة فى اختياره؛ ولكن اوباما ليس الماضى، بل هو يمثل أيضا المستقبل، سواء من خلال الجيل الذى ينتمى إليه حسب عمره، 47 عاما، أو مستقبل بلاد قال عنها اوباما: "إنها ليست ولايات بيضاء أو ولايات سوداء أو ولايات زرقاء، بل هى الولايات المتحدة" التى تضم كل أنواع الجنسيات والأعراق والمذاهب، والتى صنعت من قبل وتصنع دائما ما تتميز به.
هل ستتغير أمريكا فى ظل رئاسة اوباما؟ فى الداخل ستتغير أمريكا بكل تأكيد، فان السياسة الاجتماعية والاقتصادية والمالية التى سينتهجها باراك اوباما الديمقراطى هى مختلفة عن سياسة الجمهورى؛ فإن كان الأخير يهتم بالطبقات الرأسمالية على أساس أن الخير الذى يعم فى القمة سوف ينتقل بالضرورة الى أسفل، فإن الديمقراطيين يعملون مباشرة مع الطبقات الأقل حظا فى تطبيق سياسات الضرائب أو التأمين الاجتماعى، كما أن تدخل الإدارة الفيدرالية سيأخذ حيزا اكبر مما كان عليه الوضع فى عصر رئاسة الجمهوريين، خاصة بعد أن اعترف آلان جرينسبان، وزير الخزانة الأمريكي السابق والرجل الذى تبنى سياسة السوق الحر بكل حذافيرها، بفشل تلك السياسة.
أما خارجيا، فهناك الكثير من علامات الاستفهام. خاصة فيما يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين وفى سياساتها تجاه القوى الواعدة الأخرى مثل الصين وروسيا والهند، أو فى الشرق الأوسط، أكثر المناطق التهابا. أن السياسات الكبرى بالنسبة للدول، لا يمكن أن تتغير بسرعة مع تغيير القاطن فى مبنى الرئاسة، لأنها تحكمها بالضرورة التزامات دولية كبرى من الصعب تغييرها ما بين ليلة وضحاها. وذلك ينطبق أيضا على البيت الأبيض. ولكن أن كان هناك مؤسسة تضع السياسات الأمريكية وعلى الرئيس تطبيقها، فان من المتوقع أن يضع باراك اوباما بصمته وأسلوبه على تلك السياسة، من خلال اختياره لمستشاريه ومن خلال شخصيته الايجابية.
لذلك فمن المتوقع أن تبقى السياسات التى وضعها بوش من قبل، وبالذات الحرب ضد الإرهاب وملاحقة القاعدة، ولو الى حين؛ ولكن أمريكا ستحاول فى الفترة المقبلة أن تحسن من صورتها التى تشوهت تماما فى عصر بوش. لذلك فان اوباما سيغير الأسلوب الذى تتعامل به أمريكا مع الخارج، ويصبح الحوار والنقاش هو السمة الأساسية فمع حلفاءه الأوروبيين. من المتوقع أن يكون هناك حوارا أكبر ونقاشا بين الآراء مع الحق فى الاختلاف بدون الخوف من العقاب.
أما بالنسبة للشرق الأوسط والعلاقات مع إسرائيل، فان عوامل كثيرة تحكمها، وتربطها علاقات عضوية خارجية وداخلية، تزيد تعقيداتها. فلن ننسى أن أول خطاب ألقاها اوباما بعد إعلانه رسميا ترشيحه للرئاسة كان فى اكبر مركز للوبى الإسرائيلى فى الولايات المتحدة، الايباك، حيث أعلن انه سيعمل من اجل أن تكون القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل. هل كان ذلك محاولة لجذب الاهتمام والمساندة اليهودية؟ هل هى ذلة لسان؟ أم إنها سياسة حقيقية؟ ذلك ما يجب أن تعمل الدول والحكومات العربية والفلسطينية على اكتشافه.
أن على باراك اوباما مهمة صعبة لتغيير ثمانى سنوات من السياسة الخطأ، وحملا ثقيلا لأجيال وأجيال من الصراع العرقى، ومسئولية وضعت على عاتقه يجب أن ينجح فيها وإلا سيقال انه فشل لأنه أسود وليس لأى سبب أخر.

الهدية المسمومة

قدم صندوق النقد الدولى عرضا سخيا الى دول العالم الثالث، فتعهد رئيسه دومينيك ستراوس- كان، باستخدام كل موارد المؤسسة المالية الدولية لمساعدة الدول النامية على تقوية اقتصادياتها وتعزيز أنظمتها المالية وحماية المتضررين من تداعيات الأزمة المالية العالمية. ولكن يأتى العرض بعد أيام قليلة من تحذيرات رئيس البنك الدولى ريتشارد زوليك، من أن العالم الثالث والدول النامية هى أكثر المتضررين من الأزمة المالية وكأن الأخير قد مهد الطريق عن طريق بث الخوف فى النفوس، حتى لا تستطيع الدول النامية رفض العرض السخى.

ولكن لماذا ترفض الدول النامية هدية صندوق النقد الدولى؟ لماذا تدير ظهرها لكل تلك الأموال الغزيرة، التى سوف تساعدها بلا شك، فى مواجهة الأزمة؟ ولماذا التشكيك فى هذا الكرم الدولى؟ لأنه فى خارجه كرما، وفى جوهره يحمل الكثير من السموم. لأن الهدية هى فى الحقيقة فصل جديد من الفصول التى كتب عنها جون بيركينز، الخبير الاقتصادي، وصاحب كتاب "اعترافات قاتل اقتصادى مأجور"، تهدف الى إعداد الظروف لكى تضع المؤسسة الدولية يدها على ثروات تلك الدولة؛ فتبدأ الفصول بإغراق الدولة التى وقع عليها الاختيار بالقروض، وبالتالى بالديون، الى أن تصبح غير قادرة على السداد. ثم يبدأ الفصل الثانى بتوجيه إنذار شديد اللهجة الى تلك الدولة، بضرورة الدفع وإلا...، ويبدأ الفصل الأخير بالتهديد بالقتل أو إثارة إضطرابات شعبية تؤدى الى إسقاط النظام الحاكم، إلا إذا وافق النظام على التنازل عن سيادته على ثرواته. ولا ننسى أيضا أن القروض المعروضة لن تذهب الى شركات وطنية، بل الى شركات كبرى تعددية متعددة الجنسيات التى ستقوم بالاستثمار فى الدولة.
أن السيناريوهات المختلفة التى تم الإعلان عنها تتطابق مع نظرية نعومى كلاين التى كتبت عنها فى كتاب "عقيدة الصدمة" ووصفت كيف تقوم الشركات الكبرى باستغلال الأزمات والإضطرابات التى تحدث فى مكان ما، أو التى تثيرها فى أحيان أخرى، من اجل أن تتدخل لتحول المكان لصالحها، أى لصالح حفنة من الأشخاص، وغالبا ما يكون الفقراء هم دائما الضحية. وتعطى كلاين أمثلة عما حدث فى دول تعرضت لكوارث طبيعية مثل التسونامى الذى دمر وأغرق مدنا كاملة فى جنوب شرق أسيا، فتدخلت الشركات الكبرى بحجة الاستثمار لإعادة بناء المدن، فقامت بالفعل بإعادة البناء ولكن ليس منازل للصيادين بل منتجعات مرفهة، ومراكز تجارية ضخمة، أما الصيادون فقد وجدوا أنفسهم بلا مأوى فى المنطقة التى كانوا يعملون فيها ويحصلون منها على رزقهم. نفس الشئ حدث فى نيو اورليانز بالولايات المتحدة التى غرقت أيضا بعد إعصار كاترينا، فكانت فرصة لإلقاء السكان الأصليين الفقراء خارج المنطقة وأعيد بناء المدينة لصالح طبقة أخرى تماما.
من جهة أخرى يتم إثارة إضطرابات مقصودة، مثلما حدث فى بعض دول أمريكا اللاتينية مثل شيلى أو كما حدث فى العراق، وتستغل تلك الإضطرابات لإزالة كل ما كان فى السابق، وإعادة البناء حسب مصلحة الإدارة الأمريكية والشركات متعددة الجنسيات، حتى ولو كان ما أزالوه حضارات عريقة.
لذلك فان الأزمة المالية التى نشهدها الآن ليست بعيدة تماما عن السيناريوهات التى وصفها بيركينز وكلاين، ويمكن توقع ما سوف يحدث فى الأيام المقبلة، خاصة بعد تحذير رئيس البنك الدولى والعرض السخى الذى تلاه مقدما من رئيس صندوق النقد الدولى.

فما العمل؟ هل نستسلم الى إغراء الأموال المتدفقة؟ أم نستسلم لعواقب الأزمة الطاحنة؟ أننا لسنا بحاجة لا للحل الأول ولا للثانى، بل يمكن تأمل حلولا أخرى كثيرة سبقتنا إليها دول أخرى فى أمريكا اللاتينية والصين وغيرها، يمكن أن نختار منها ما يناسبنا. وبداية علينا وضع الأسس التى سوف نسير عليها، والتى يمكن تلخيصها فى نقطتين: أولا الاعتماد على أنفسنا وعلى قدراتنا الذاتية مهما كانت متواضعة للتخلص من قبضة المؤسستين الدوليتين؛ وثانيا، تأمل الفكرة التى يطرحها محمد يونس الحائز على جائزة نوبل فى السلام فى العام الماضى، وصاحب بنك الفقراء فى بنجلادش. فيعترض يونس على الرأسمالية التى تضع الربح والنمو السريع فى أولوياتها الأساسية، ويرى أن ذلك هو ما أفرز الأزمة الحالية؛ ودعا الى وضع الفائدة الإنسانية والبشرية لتكون هى الهدف والحافز الأساسى للرأسمالية، بجانب الربح المعقول؛ ودعا الى استثمار الأموال فى شئ ذات معنى من اجل تحسين نوعية الحياة للمجتمع كله وليس فئة واحدة منه.
يرى محمد يونس ان الرأسمالية الحالية تدهورت لتصبح مجرد ناديا للقمار، فساد الجشع الأسواق المالية، ووصلت المضاربات الى نسب كارثية، ودعا الى وقف كل ذلك، وربط الاستثمارات بالاقتصاد الحقيقي وبأصول واقعية، وليس بقصور فى الهواء. لان الأزمة الحقيقية تظهر عندما يعيش المواطن يحلم بقصور فى الهواء، ثم يدرك فى لحظة أن تلك القصور ليس لها وجود.

14 Oct 2008

بينما العالم مشغول بالازمة...


فى الوقت الذى ينشغل فيه العالم بالأزمة المالية التى ألمت بالأسواق، وفى الوقت الذى تركز فيه وسائل الإعلام الغربى على الخطر الذى يهددها، تتحرك إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية بلا رقيب أو حسيب، ترتكب المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان والمزيد من الجرائم ضد البشرية. نفس تلك الحقوق التى أعلنت الأمم المتحدة أن إسرائيل انتهكتها فى غاراتها ضد بيت حنون.
هذه المرة تقوم إسرائيل بوضع خطة من اجل إعادة فتح مقلب نفايات سامة بالقرب من منطقة تضم العديد من الآبار المهمة فى الضفة الغربية بالقرب من قرية دير شرف. وكانت إسرائيل قد اضطرت الى إغلاق المقلب فى عام 2005 حيث كانت تلقى بنفايات عدة مدن إسرائيلية ومستوطنات يهودية فى الضفة الغربية، بعد احتجاجات ضخمة من الفلسطينيين المقيمين فى المنطقة بسبب نتائج تلك النفايات على مياه الآبار، وبالتالى تلويث المياه التى تروى الأراضى الزراعية الفلسطينية.
وقال خبراء مياه واراضى فلسطينيون أن المنطقة تضم خمسة آبار تمد قرية دير شرف ومدينة نابلس أهم مدن شمالى الضفة الغربية وقرية بيت ايبا، بالمياه التى يعتمد عليها عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
ولكن مؤخرا بدأ العمال الإسرائيليون يظهرون مرة أخرى فى الموقع مما أُثار مخاوف الفلسطينيين من أن تحاول إسرائيل إعادة فتح المقلب مرة أخرى. وخرج الفلسطينيون مرة أخرى فى مظاهرات احتجاجية بعد صلاة الجمعة فى الأسبوع الماضى يحملون اللافتات التى تطالب بوقف فتح مقلب النفايات على الأراضى الفلسطينية، وتؤكد إنها تدمر البيئة الفلسطينية.
وكأن إسرائيل تحاول الاختباء وراء الأحداث العالمية وانشغال الإعلام بالأزمة المالية لكى تقوم بتمرير قرارات ضمن سلسلة القرارات التى تتخذها ضد الوجود الفلسطينى فى الأراضى، من اجل دفعهم بأى شكل من الأشكال، خارج المنطقة فى عملية "تطهير عرقى"، وذلك سواء من خلال القمع أو القتل أو تدمير البيئة والاراضى والزراعة التى يعيشون عليها ومن خيراتها.
والغريب أن تعمل إسرائيل على تلويث المياه الفلسطينية فى الوقت الذى أطلق فيه خبير مياه اسرائيلى صرخة إنذار فى شهر يولية الماضى، أعلن فيها أن إسرائيل تشهد أسوأ أزمة مياه فى تاريخها، مؤكدا إنها تتجه نحو الكارثة. وأكد الخبير أن على إسرائيل اتخاذ عدد من القرارات لمواجهة هذا الخطر، الذى يهدد الضفة الغربية أيضا بعد أن اعتبر عام 2008 عام الجفاف.
الغريب أن إسرائيل فى مواجهة هذا الخطر لا تحاول التفاوض ولا التعاون، ولكن تعمل من ناحية على حرمان الفلسطينيين من مياههم، وتشن من ناحية أخرى الحروب ضد الدول المجاورة مثل جنوب لبنان للوصول الى نهر الليطانى. وفى كل الحالات فان إسرائيل متهمة بانتهاك جرائم ضد البشرية. فهل تحقق الأمم المتحدة فى تلك الجرائم؟ وهل تدين المحكمة الدولية إسرائيل كما تدين زعماء الدول الأخرى؟ أم أن الرأى العام العالمى منشغل حاليا فى قضايا أكثر إلحاح؟

الانتماء قرار وليس هبة


أدهش عندما اسمع من بعض الشباب عبارات مثل: "لم يعد عندى شعرة انتماء للبلد"؛ أو "كيف اشعر بالانتماء لوطن بينما الفساد فى كل مكان؟" أو "لماذا اشعر بالانتماء إن كنت لا أجد العمل؟".. وأدهش أكثر عندما يذهب البعض الى حد القول انه غير مستعد لان يموت من اجل الأرض ولا الوطن، لأن الوطن لا يعطيه شيئا و"المواطن الذى لا يحصل فى الوطن على لقمة عيش، فسوف يكفر حتما به".
وكأن الوطنية سلعة قابلة للمقايضة والمساومة؛ والانتماء هبة تمنحها الحكومة للمواطن أو تسلبها منه؛ إن أعطتنا العمل والسكن ولقمة العيش، شعرنا بالانتماء الى الوطن ودافعنا عنه، أما وإن مر الوطن بمحنة، تنصلنا منه وبحثنا عن آخر.
ولكنى لا أدهش عندما أرى آخرين كثيرين، بالمئات، وربما بالآلاف أو الملايين، يشعرون بالانتماء الى وطنهم لمجرد ان أجدادهم عاشوا فيه فى الماضى، واليوم هم يعملون فيه من اجل أن يعيش فيه أحفادهم وأحفاد أحفادهم فى المستقبل؛ لا أدهش عندما أرى كل هؤلاء يفكرون فى وطنهم ويعملون من اجل أبناء بلدهم؛ فنجدهم سواء أفرادا أو جماعات، يعملون فى صمت ودأب وحماس ولا يساومون على وطنيتهم وانتمائهم.
وتتوالى النماذج، فنسمع عن جمعيات أنشأها الشباب مثل "بنك الطعام" الذى يتبرع فيه شباب بوقتهم وجهدهم، ويعملون بجد ومسئولية من اجل ألا ينام أحد بدون عشاء، ونسمع عن جمعيات أخرى أسستها مجموعة من النساء المصريات مثل "أولادنا.. مستقبلنا" لدعم المدارس الفقيرة ومساعدة التلاميذ إيجاد مناخ علمى إيجابى يكبرون فيه؛ أما الجمعيات الخيرية فهى عديدة تقدم القروض الصغيرة لمساعدة الآخرين إنشاء مشاريع الصغيرة وتعمل بنشاط فى جميع المجالات؛ وعلى مستوى الأفراد، هناك أمثلة لشباب منتمى قرر أن يساهم فى رفعة وطنه، فنسمع عن شابة تدعى ياسمينا قررت أن تذهب الى أفقر الفقراء فى أفقر الأحياء فى القاهرة تدعى إسطبل عنتر، حيث أسست مدرسة الفصل الواحد، يتعلم فيها كل هؤلاء الذين رفضتهم المدارس الأخرى لسبب أو لأخر، وبذلك أعطت المحرومين الفرصة لأن ينهضوا بأنفسهم مرة أخرى.
وهناك جمعيات إسلامية وأخرى قبطية، لا تفرق فى عطائها ما بين مسلم أو مسيحى، فان الخير لا يعرف دين أو طبقة اجتماعية، تلك الجمعيات مثل "الهيئة القبطية الإنجيلية" التى حولت التحديات الى فرص فى أنحاء القطر، من الصعيد الى الإسكندرية، تقيم الحوار وتقدم المشروعات فى كل المجالات التعليم والتنمية البشرية، وطرح البرامج وإنشاء الجمعيات والقرى مثل قرية الأمل للتعامل مع المعاقين والايتام.
ولا أدهش عندما اسمع عن أبناء قرية "كفانا الأشراف"، وهى قرية "كانت" فقيرة ترتفع فيها نسبة البطالة الى معدلات عالية، وتتداعى فيها البنية التحتية، وتتآكل أرضها الزراعية، قرروا ونجحوا أن يحولوها الى واحدة من أغنى القرى من ناحية الإنتاجية الزراعية، لا يوجد فيها فقير ولا عاطل، ونشأت فيها المدارس والمعاهد وتأسست جامعة.
ولا أدهش عندما أسمع عن قرية أخرى تدعى "النخيلة"، قرية معزولة فى أقاصى الصعيد، عاش أبناؤها، الذين لا يزيد عددهم عن 40 ألف نسمة، فى عبودية بسبب سيطرة قطاع الطرق عليها وسيادة قانون القوة، فتحولت الى قرية جرداء تعيش فى خوف دائم؛ قرر أبناؤها وضع حدا لتلك العبودية. ومن خلال تأسيس جمعية أطلقوا عليها اسم "معا"، استطاع أهل القرية "معا" القضاء على قطاع الطرق، والنهوض بقريتهم لتصبح قرية واعدة يتعلم فيها الأطفال والشباب وتتوالى فيها مشاريع التنمية التى يتشارك فيها الجميع كبارا وصغارا.
وتتوالى الأمثلة عن مواطنين شعروا بالانتماء لوطنهم، وعلى استعداد للموت من اجله، لأنهم ساهموا ولو بجزء صغير فى تنميته ونهضته ولن يفكروا أبدا فى تركه ليتمتعوا بخير بلاد أخرى لم يساهموا فيه.هؤلاء يعرفون أن الوطن إن مر بأزمة فستكون عابرة وسوف تنتهى بفضلهم لأنهم يتكاتفون لإنقاذه؛ هؤلاء يمثلون ومضات براقة تنير طريقنا، ونبت أخضر متناثر، مع رعايته سيكبر يوما ما ليحقق النهضة.
أما كل الذين قرروا ألا يشعرون بالانتماء، فقد فقدوا جزء كبيرا من كينونتهم، وأصبحوا مثل فرع الشجرة الذى انخلع من جذوره فتقاذفته الرياح والأمواج بلا هدف أو معنى. هؤلاء لن يشعرون أبدا بالانتماء الى أى شئ: لا وطن ولا عائلة ولا حتى فكرة أو مبدأ.

12 Aug 2008

لمصر تاريخ واحد

التاريخ هو ذاكرة الشعوب. أن ضاع ضاعت الذاكرة، فلا يستطيع الشعب أن يعرف من أين جاء؟ ولا أين كان؟ ويصبح ألعوبة فى أيدى الآخرين، يوهمونه انه كان ما لم يكن؛ تماما مثلما يفقد شخص ما ذاكرته فلا يستطيع أن يحدد أن كان يوما شخصا كريما أم كان مجرما، أن كان سيدا أم عبدا.
والحفاظ على التاريخ يبدأ بالمحافظة على التواريخ القومية التى تحتفل بها الدولة. فدولة مثل فرنسا تحتفل كل عام بعيدها القومى، عيد الثورة الفرنسية، فى 14 يولية. لم يحدث أبدا أن احتفلت فرنسا شعبا أو حكومة بعيد 14 يولية فى 7 أو 15 يولية. انه العيد التى تلتف فيه كل طبقات الشعب فى كل مدنه وقراه، يعزفون الموسيقى ويرقصون، ويغنون بعد أن تابعوا صباحا العرض العسكرى السنوى. وفى نفس اليوم، تقيم كل السفارات الفرنسية فى جميع أنحاء العالم حفلاتها لاستقبال زائريها، فلا تحيد سفارة فى أى مكان، عن التاريخ، 14 يولية، الذى حفر فى ذاكرة الجميع، وأصبح رمزا لنهاية عصر، سواء كان المرء يؤيد الثورة أم يعارضها.
كذلك تحتفل الولايات المتحدة بعيدها القومى يوم 4 يولية، ليس أول يولية ولا 10 من الشهر، بل فى 4 يولية الذى تحدد ليكون هو العيد الذى يتجمع فيه مواطنو كل الولايات العشرين، رغم استقلاليتهم النسبية، ليتحدوا معا فى هذا اليوم ويشعرون بانتمائهم الى وطن واحد.
ولكن فى مصر، ضاع تاريخ 23 يولية وسط اللامبالاة، ولم يعد أحد يذكره ولا يحتفل به فى نفس اليوم. فنرى كل سفارة مصرية فى الخارج تحتفل به فى يوم مختلف، وكل سفارة تقيمه كل عام فى يوم مختلف، الى حد أن المدعوين لم يعدوا يعرفون تماما ما هو الهدف من الدعوة. أما فى مصر فيمر العيد القومى المصرى بدون أى مظهر من مظاهر الاحتفال؛ وكأنه يوم عادى، فهو بالنسبة للبعض ثورة، وبالنسبة للبعض الأخر "حركة" وبالنسبة للبعض الثالث "انقلاب". وكأننا نحاول طمس تاريخنا.
أن اخطر شئ أن يكون لشعب واحد أكثر من تاريخ، وأكثر من مفهوم للتاريخ. بل والأخطر أن يصبح للجيل الواحد أكثر من نظرة لتاريخه، وهو ما يحدث اليوم مع أبنائنا الذين انقسموا ما بين من يدرس تاريخه من وجهة النظر الأمريكية، ومنهم من يتعلمه من وجهة النظر الفرنسية أو الألمانية أو الكندية، بعدد الشهادات التى انتشرت فى مدارسنا. وحتى فى مدارسنا ومنهجنا القومى هناك محاولة لتقديم نصف الحقيقة. وبذلك سيصبح لدينا جيلا من الأبناء منقسما ما بين من يرى الناصر صلاح الدين، محررا للقدس ومنهم من يراه إرهابيا، حسب المنهج الذى يدرسه؛ ومنهم من يرى أن مصر انتصرت فى عام 1973 ولكن بدون أن يعرف من كان العدو الذى تحاربه، ومنهم من يرى إنها انهزمت؛ ومنهم من يرى أن الولايات المتحدة هى أهم دولة تحافظ على البيئة ويفخر بها، دون أن يعلم إنها الدولة الوحيدة التى لم توقع على وثيقة كيوتو للحفاظ على البيئة.
سيجد كل شخص المبرر الوجيه لتعليم أولاده فى مدارس وشهادات أجنبية، وأول تلك المبررات هو سوء التعليم وتدهور المناهج المصرية، ولكن مهما كان السبب، فليس من حقنا ان نتعامل مع تلك المسألة ببساطة وبلا مبالاة؛
ان علينا دينا للأجيال القادمة يحتم علينا أن نعلمهم تاريخهم الحقيقي من وجهة نظرنا نحن، حتى لا يوهمهم أحد بأنهم كانوا عبيدا أو خدما، وحتى لا يتفتت الشعب الواحد الى مئات القطع ويضيع منهم وطنهم، ويصبح بعد ذلك سهلا تقسيم الوطن جغرافيا، بعد أن انقسم على نفسه اجتماعيا.

31 May 2008

الوحدة هى الحل


بدت مبادرة المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا بوساطة تركية غريبة فى هذا الوقت، خاصة وان إسرائيل أكدت على استعدادها للتنازل عن الجولان من اجل السلام؛ ولقد ذهب دان هالوتز قائد عسكرى اسرائيلى سابق، كان قد أدانه تقرير اسرائيلى بضرب المدنيين فى جنوب لبنان والبنية التحتية اللبنانية وترهيب المدنيين فى حرب إسرائيل ضد الجنوب اللبنانى عام 2006، بالتصريح فى الإذاعة العسكرية ما معناه أن إسرائيل ليست فى حاجة ماسة للجولان.
وذلك رغم أن الجولان بالنسبة لإسرائيل كانت دائما منطقة استراتيجية مهمة لأنها مرتفعة تستطيع منها السيطرة على الموقع وتضمن أمانها؛ كما أن خلال أربعين عام من الاحتلال الإسرائيلى للجولان شييدت المستوطنات التى بات يعيش عليها أكثر من 20 ألف مستوطن إسرائيلى، من الصعب أن يطلبوا منهم الانسحاب من الهضبة بهذه السهولة.
إذن فان الجولان لا تتعدى مجرد "جزرة" تلقى بها إسرائيل الى سوريا، بشرط أن تنفذ طلبات إسرائيل، وهى أساسا: التوقف عن دعم حماس وحزب الله وإيران، الثالوث الذى تركز إسرائيل وأمريكا الآن على القضاء عليه.
فى نفس هذا الوقت، عقد بنيامين نتانياهو، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، لقاءا مع الرئيس حسنى مبارك على هامش منتدى ديفوس فى شرم الشيخ، أكد فيه نتانياهو للرئيس مبارك أن لإسرائيل ومصر عدوا مشتركا وهو التطرف الاسلامى؛ وان أهداف مصر وإسرائيل واحدة فى المنطقة. فى محاولة أخرى لاستقطاب مصر فى معسكر إسرائيل ضد الإسلام والعرب وخاصة ضد حزب الله وحماس وإيران.
لا تمل إسرائيل من القيام بمناورات سياسية من اجل تقسيم الدول العربية، انها سياسة "فرق تسد"، التى تطبقها إسرائيل منذ أن نشأت قبل ستين عام وعلى مدى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلي؛ وهى السياسة التى تهدف منها القضاء على اكبر عائق أمامها فى المنطقة وهى الوحدة العربية. لذلك فان الكرم الإسرائيلى المفاجئ للتنازل عن الجولان بعد 40 عام من التمسك بها، وراءه هدفا أكبر وهو إغلاق كل سبل الدعم التى يحصل عليها الثالوث الذى أحال الحياة اليومية الإسرائيلية الى كابوس، حتى يسهل القضاء على أعضاءه كل على حدا. والسؤال هو الى أى مدى تنوى إسرائيل تنفيذ تعهداتها بخصوص الجولان؟ أم إنها مجرد تعهدات فى الهواء مثل كل ما سبق؟
أن تاريخ إسرائيل فى الوفاء بعهودها ليس حافلا. لذلك على الدول العربية أن تستشف الدروس من الاتحاد الأوروبى الذى يدعم ويوسع مساحة وحدته السياسية بعد الاقتصادية؛ ومن أمريكا اللاتينية التى قامت مؤخرا بتوقيع اتفاقية تضع أسس وحدة 12 دولة من دول أمريكا الجنوبية "اوناسور"، فى تحدى حقيقى لكل محاولات الولايات المتحدة للتفريق بينهم سواء عن طريق الانقلابات أو تأجيج الحروب الأهلية داخلهم.
ان "الوحدة" هى بالتأكيد"، كما قال الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز، "مستقبل شعوبنا" من اجل مواجهة الأزمات الدولية الحالية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

22 May 2008

تغيير النظم



لم يتوان الرئيس الأمريكى جورج بوش فى كلمته فى مؤتمر ديفوس بشرم الشيخ، أن يهاجم الثلاثة: حماس وحزب الله وإيران، ملمحا الى أن الدور جاء عليهم لتنفيذ عملية التغيير بعد العراق وأفغانستان، لتحقيق صورة "الشرق الأوسط الكبير" الذى طرحته الإدارة الأمريكية قبل نحو خمس سنوات.
لذلك فليس من المستبعد أن نفسر ما حدث فى لبنان مؤخرا، بأنه محاولة جديدة فى عملية تغيير النظم السياسية فى منطقة الشرق الأوسط بعد المحاولات الفاشلة العديدة التى قامت بها أمريكا وإسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية.
ففى الوقت الذى علت فيه الأصوات تندد بقرار حسن نصر الله رئيس حزب الله، دخول بيروت بقواته وسلاحه ردا على قرار وليد جنبلاط زعيم الدروز، بإيقاف مسئول حزب الله فى المطار وإغلاق وسائل الاتصالات التابعة لحزب الله؛ خرجت أصوات أخرى تشير الى أن ما حدث فى بيروت هو محاولة من البيت الأبيض لدفع حسن نصر الله الى ارتكاب الأخطاء، مثل المحاولة السابقة مع اغتيال قائده العسكرى عماد مغنية فى دمشق، ودفع نصر الله الى أن يتوعد إسرائيل بالحرب المفتوحة، وذلك من شأنه ان يعطى أمريكا المبرر لتأمر تدخل قوات حلف الاطلنطى فى لبنان للقضاء على حزب الله والانتقام لإسرائيل.
كانت الولايات المتحدة تأمل أن يقوم نصر الله بالاستيلاء على السلطة وقتل، بل ذبح، كبار قيادات الحكومة اللبنانية، وهى كلها أسبابا قوية لتدخل قوات الأطلنطى تحت زعم حماية الديمقراطية والحكومة اللبنانية.
ولكن خلال ثلاثة أيام انقلبت كل الموازين وبدلا من تنفيذ الدعاية التى بثها الإعلام الامريكى، والتى أكدت أن قوات حزب الله نظمت انقلابا عسكريا وأنها تسيطر على منطقة غرب بيروت، أتضح أن قوات حزب الله لم تقم إلا ببعض المعارك القصيرة ضد مصالح عائلة الحريرى فى غربى بيروت، ولكنها انسحبت بسرعة من المنطقة وسلمت مقاليد الأمور الى الجيش. وبذلك يتضح أن هدف حزب الله لم يكن الاستيلاء على السلطة. وهكذا سحب نصر الله السجاد من تحت أقدام أمريكا وإسرائيل.
نفس الشئ يحدث بشكل يومى فى غزة، حيث تعمل أمريكا وإسرائيل على تأجيج الصراعات والانقسامات بين فلسطينى غزة والضفة الغربية، أو بين فتح وحماس، لأول مرة فى تاريخ الصراع الفلسطينى، بسبب فوز حماس بالأغلبية الساحقة فى انتخابات عام 2006. وتستمر الضغوط على حماس يوما بعد يوم سواء عن طريق الحصار السياسى والاقتصادى، أو من خلال الهجمات العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين من اجل القضاء عليها تماما سواء داخليا أم خارجيا.
ليس هناك أى مفاجأة فى محاولات أمريكا تغيير النظم قسرا فى منطقة الشرق الأوسط، فقد قامت بالمثل فى مناطق أخرى وعصور أخرى، مثل إيران عام 1953 وجواتيمالا عام 1954، وغيرها مثل كوبا وتشيلى وبنما وصوماليا، وتطول القائمة. ولكن المفاجأة أن ينجح المستهدفون فى إفشال الخطة، والتمسك بالوحدة الداخلية. فان أهم صفات القائد الحقيقي هو توقع تحرك الخصم، ووأد خطته وأهدافه للمصلحة القومية.

5 May 2008

جريمة العصر

كل شخص يملأ خزان سيارته بالوقود، يجب أن يفكر انه بذلك يحرم شخص أخر من الطعام لمدة عام كامل. فمن المتوقع أن يتحول هذا العام مئة مليون طن من الطعام الى وقود للسيارات، فى محاولة للاستغناء عن البترول الذى وصل سعر البرميل منه الى أعلى معدلات له، واستخراج وقود حيوى لا يلوث البيئة.
وكانت النتيجة الطبيعية لمثل هذا القرار هو ارتفاع أسعار الطعام الأساسى مثل القمح والذرة والأرز، والتى تعرف بالمواد الاولوية الغذائية، الى معدلات فلكية عانى منها 37 دولة فى أنحاء العالم تمثل 89 مليون نسمة، وبالتالى توالت المظاهرات العنيفة فى كل مكان أسفرت عن وفاة العديد من المتظاهرين، مما أدى الى موجة من عدم الاستقرار كان أول ضحاياها رئيس وزراء هايتى.
ولقد تفاوت موقف المحلليين السياسيين من قرار استبدال البترول بالطعام كوقود، فيرى البعض أن تلك هى الوسيلة الوحيدة من اجل خفض التلوث المناخى مؤكدون أن الأزمة الغذائية ستستمر لفترة مؤقتة، الى أن يعود التوازن مرة أخرى بين الإنتاج والاستهلاك. وقال الرئيس البرازيلى لولا دا سيلفا أن أسعار الطعام لم ترتفع بسبب الوقود الحيوى، ولكن بسبب تزايد عدد المستهلكين للطعام فى الصين والهند وافريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولكن من ناحية ثانية، يرى البعض الأخر أن الولايات المتحدة والبرازيل، هما اكبر مسئولين عن تلك ألازمة، التى قاموا باصطناعها حتى تستطيع أمريكا مواجهة تزايد أسعار البترول بدون أن تخفض استهلاكها من الطاقة. ويرى هذا الفريق أن الولايات المتحدة تدعم استراتيجية من شأنها أن تقود جزء كبير من البشرية الى كارثة حقيقية وصفها جان زيجلر مفوض الأمم المتحدة الخاص من اجل الحق فى الغذاء بأنها "جريمة ضد البشرية". فقد أكدت منظمة الغذاء العالمية أن إنتاج الوقود الحيوى سوف يمنع الشعوب الفقيرة فى العالم الثالث من الحصول على ما يحتاجونه من الطعام. ويؤكد هذا الفريق من المحلليين السياسيين أن النتائج الاجتماعية لهذه السياسة ستكون كارثية، فى الوقت الذى يعانى فيه 854 مليون نسمة بالفعل من الأزمات الغذائية.
ورغم أن المنظمات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، اظهرا تعاطفا وحذرا العالم من مغبة تزايد أسعار الطعام الأساسى، مؤكدين أن الوضع قد يؤدى الى اندلاع حربا دامية، إلا أن فى حقيقة الأمر، تلك المنظمات هى نفسها التى ساعدت على تفاقم المشكلة. فان سياسة الاحتكار الزراعى التى يقودها الاتحاد الأوروبى فى أفريقيا، والمضاربات فى البورصة العالمية على المواد الاولوية، بالإضافة الى السياسة الاقتصادية التى تقودها الإدارة الأمريكية ومنظمة التجارة العالمية، هم السبب الرئيسى فى الأزمة؛ والحل الذى تسعى منظمة مثل الأمم المتحدة تطبيقه سيكون وسيلة أخرى لتزايد الضغوط على مئة مليون نسمة فى العالم الفقير، فقد أعلنت المنظمة الدولية أن برنامج الغذاء العالمى سوف يخفض نسبة ما يقدمه من طعام فى المدارس لأفقر الأطفال فى العالم. هؤلاء الفقراء الذين يعانون أولا من الأزمة، وثانيا من وسائل حل الأزمة التى خلقها الإنسان، والعالم الغنى. وتلك هى جريمة العصر.

4 Apr 2008

اسرائيل ضيف شرف



احتفت فرنسا بدولة إسرائيل على المستويين الثقافى والسياسى، بمناسبة مرور 60 عام على نشأة الدولة العبرية، فاستقبلت المثقفين الإسرائيليين كضيوف شرف فى معرض الكتاب، واستقبل الرئيس الفرنسى نظيره الإسرائيلى شيمون بيريز، فى أول زيارة دولة يقوم بها الى فرنسا، وكل ذلك بدون أن تأخذ فرنسا فى اعتبارها آلام الشعب الفلسطينى المحاصر فى غزة، والتهديدات بالمحرقة التى بثها نائب وزير الدفاع الإسرائيلى، والجرائم ضد البشرية والإنسانية التى يمارسها الجيش الإسرائيلى كل يوم ضد المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وعجائز.
ولقد جاء ذلك فى الوقت الذى اتخذت بريطانيا مواقف مختلفة، فقد صدر حكم ضد قضائى ضد الجنرال دورون الموج، احد كبار الضباط الإسرائيليين بالقبض عليه أن دخل بريطانيا لاتهامه بارتكاب جرائم ضد البشرية عندما أمر بتدمير 50 منزلا فى غزة عام 2002، وعندما جاء فى زيارة لبريطانيا حذره البعض من حتمية القبض عليه إذا خطت قدمه الأراضى البريطانية، فلم يغادر الطائرة التى أقلته الى لندن وعاد بها الى بلاده.
ولكن فى فرنسا ليس هناك إلا قوانين تدين كل من يعادى السامية. وليس غريبا أن يشعر بيريز كما قال فى الحديث الذى أجرته معه صحيفة لوفيجارو الفرنسية، بأن العلاقات اليوم مع فرنسا هى الأفضل منذ عام 1967. فان بيريز هو الذى كان يقوم بالمفاوضات السرية مع السلطات الفرنسية فى بداية الخمسينات من القرن الماضى للتعاون فى بناء المفاعلات النووية الإسرائيلية.
وليس غريبا أن يدين بيريز لفرنسا بالكثير بسبب دورها مع اليهود على منذ الثورة عام 1789، حينما منح نابليون الجنسية الفرنسية الى اليهود؛ وفى نهاية القرن التاسع عشر أدان المثقفون الفرنسيون وبريادة المفكر إميل زولا اتهامات بالتجسس التى وجهت الى الضابط اليهودى دريفوس؛ وفى الحرب العالمية الثانية منع الفرنسيون ترحيل اليهود الى معسكرات الاعتقال. وحتى بعد نشأة الجمهورية الخامسة، لم يخف ديجول إعجابه بالدولة اليهودية "الشجاعة" ووصفها بالصديق والحليف.
ولكن ديجول كشف السياسة الاستعمارية التى تنتهكها إسرائيل بعد 1967 وبدأ التحول فى العلاقات للمطالبة بالحق والعدالة للشعب الفلسطينى حتى مع الرئيس الاشتراكى فرانسوا ميتران ومن بعده الديجولى جاك شيراك. وخلال تلك السنوات كانت إسرائيل تدعو يهود فرنسا الى الهجرة الى إسرائيل، واتهم رئيس وزراء إسرائيل السابق آرييل شارون فرنسا بمعاداة السامية بسبب بعض الأحداث التى كانت ترتكب ضد اليهود والمنشآت اليهودية، رغم الكشف عن تلفيق تلك الأحداث.
وليس غريبا أيضا أن يعود بيريز الى فرنسا لكى يعبر عن إعجابه الكبير برئيسها الحالى ساركوزى الذى لم يتردد فى أن يؤكد دوما صداقته للدولة الإسرائيلية، ودعا الى ما أطلق عليه "الاتحاد المتوسطى" لكى يضم إليه إسرائيل، ودعا الى قيام كل تلميذ فى سن العاشرة بتبنى ذاكرة طفل يهودى قتل فى معسكرات الاعتقال النازى رغم ما أثاره الاقتراح من غضب واشمئزاز الجميع فى فرنسا.
بالنسبة لإسرائيل عادت فرنسا لتلعب دورها الكبير مع الدولة الإسرائيلية، ولكن أن كان اليهود فى الماضى هم الضحايا، فان الدولة العبرية اليوم هى الجلاد وهى المحتل، فهل تستحق نفس المعاملة؟


28 Feb 2008

الوحدة العربية مرة اخرى


مع الذكرى الخمسين لأول نواة لوحدة عربية حقيقية، والتى تأتى فى 22 فبراير الحالى، تزامن صدور كتاب "الثوار لا يموتون" للمناضل الفلسطينى جورج حبش، الذى توفى قبيل أيام قليلة من ظهور الكتاب فى الأسواق الفرنسية، كشف فيه حبش، عن رؤية مناضل وثورى فلسطينى رفض توقيع اتفاقيات السلام والعودة الى الأراضى الفلسطينية الى أن يتحقق الاستقلال الكامل.
فى الكتاب الحوار الذى يعتبر أول مذكرات تنشر لمناضل فلسطينى كبير، تحدث حبش عن الوحدة العربية وجمال عبد الناصر، الزعيم الذى حقق الحلم فى عام 1958، والذى رفض أن يفرضها بالقوة المسلحة.
يضع حبش فى رؤيته للوحدة العربية، ثلاث حقائق أساسية: الحقيقة الأولى هى أن الوحدة غيرت تغييرا جذريا صورة الساحة العربية فى ذلك الوقت، فقد كانت، كما قال حبش، حدثا غير مسبوق، أثار ردود فعل شعبية غير مسبوقة. وعندما توجه عبد الناصر لزيارة دمشق، جاء مئات الآلاف زحفا من كل مكان من سوريا ولبنان، أفترشوا الشوارع طوال الليل حتى يتمكنون من رؤية عبد الناصر لحظة إطلالته من شرفة القصر الجمهورى فى دمشق. فبالنسبة لهذه الشعوب كان عبد الناصر هو الذى جسد حلم الوحدة والصحوة العربية، مما يؤكد أن الوحدة العربية هى حلم الشعوب، وليس وسيلة يحقق من خلالها الزعماء مكاسب سياسية.
وثانى حقيقة، أكدها حبش فى الكتاب، هى أن من خلال الوحدة العربية فقط يمكن تحرير الأراضى العربية، بدءا بفلسطين. لأن فى رأيه إسرائيل تهدف الى احتلال كل المنطقة العربية؛ ولكى يتم وأد مشروعها يجب الحفاظ على الوحدة العربية.
وأخيرا يؤكد حبش على حقيقة ثالثة مهمة، وهى إنه لكى تتحقق تلك الوحدة يجب "ألا يرفع جندى عربى السلاح ضد جندى عربى أخر"، ذلك ما ألتزم به عبد الناصر حتى فى أحلك اللحظات عندما قرر بعض المسئولين السوريين الانفصال عن مصر، ورفض عبد الناصر فرض الوحدة فرضا على سوريا، واضطر الى قبول الأمر الواقع على أمل أن تقوم الشعوب يوما ما بالتحرك وتعبئة نفسها وراء الوحدة.
واليوم وبعد خمسين عام، تشهد الدول العربية انقساما غير مسبوق، فرفع جنود عرب السلاح ضد جنود عرب آخرين، وتلتهم دولة إسرائيل الأراضى الفلسطينية جزءا جزءا، وتحاول المرة تلو المرة احتلال جنوب لبنان، بينما تنظر الى سيناء من طرفى عيناها، أما الشعوب فقد دبت بينهم الفرقة والانقسامات ونجحت إسرائيل وأمريكا فى تقسيم الشعوب الى طوائف ومذاهب وأديان. فهل تعيد ذكرى الوحدة أملا شعبيا، تصور البعض انه مات؟

22 Feb 2008

عندما يتحول الاسف الى غضب



التاريخ لا يموت، بل يظل يطارد الشعوب الى أن تقوم بالتصالح معه، فتتمكن تلك الشعوب من تجاوز آلامها وتنظر الى المستقبل. ولكن بعض الشعوب لا تتصالح مع التاريخ وتظل معلقة به، تتذكره وتفرضه على الشعوب الأخرى، لكى تشعر دوما بالذنب. من أمثال هؤلاء، الشعب اليهودى الذى حذره آرون غاندى رئيس "معهد غاندى من أجل اللاعنف" بمدينة ممفيس بالولايات المتحدة، وحفيد الزعيم الهندى الكبير المهاتما غاندى، من أن تعلقه بالمحرقة النازية ورفضه لأن يسامح ويمضى قدما، سوف يحول الأسف لما حدث لليهود إبان النظام النازى الى غضب. وأشار غاندى الى أن أي قوم يرتبط بالماضى، لن يستطيع أن يتقدم الى الإمام، خاصة عندما يؤمن بأن استمراره يعتمد فقد على الأسلحة والقنابل. وقال غاندى فى المدونة أن ما يفعله اليهود هو أفضل مثل على قيام مجتمع ما على إعادة استخدام تجربة تاريخية الى حد أن تبدأ فى إثارة اشمئزاز الأصدقاء. وحذر غاندى من أن الأسف الذى تريد إسرائيل أن يشعر به العالم، قد يتحول يوما ما الى غضب.
جاء هذا التحذير من أكثر الشخصيات سلما، فى مدونة جريدة الواشنطن بوست بمناسبة الاحتفال هذا العام بمرور 60 عام على قيام دولة إسرائيل، وأيضا على مصرع زعيم اللاعنف فى العالم، المهاتما غاندى. ولكن دعوة غاندى الحفيد الى اللاعنف واجهتها حملة عنف وكراهية شديدة من قبل اللوبى الإسرائيلى فى الولايات المتحدة. واشتدت شراسة الحملة ضد رئيس معهد اللاعنف الى أن اضطر الأخير الى الاستقالة من منصبه، ثم نشر بيانا يعبر فيه عن أسفه أن أدت كلماته التى كان يهدف منها الدعوة الى التسامح، الى إثارة الألم، وقال أنه استخدم لغة تتناقض مع مبدأ اللاعنف. ولكن اللوبى الإسرائيلى الامريكى لم يقبل الاعتذار ولم يتوقف عن حملته ضد غاندى، ووجه إليه التهمة الكلاسيكية: وهى تهمة معاداة السامية.
هناك سببان لكراهية اللوبى الإسرائيلى لشخص آرون غاندى: السبب الأول هو انه وضع إصبعه على المشكلة الحقيقية لإسرائيل والمنظمات اليهودية العالمية، وهى سعيها المستمر فى التذكير بالماضي حتى يظل العالم يشعر بالذنب تجاه ما فعله النازيون ضد اليهود؛ وحتى تتمكن إسرائيل من فرض رغباتها وسياساتها فى التوسع واستمرار احتلال أراضى الشعب الفلسطينى، على العالم، على اعتبار إنها الضحية.
أما السبب الثانى، فهو يمتد الى أكثر من ستين عام، عندما حاولت المنظمات اليهودية العالمية، قبيل إعلان قيام الدولة اليهودية، الحصول من الزعيم الهندى المهاتما غاندى على تأييده للحملة التى كانوا يقومون بها والتى تدعو الى احتلال ارض العرب وتحويل فلسطين الى وطن قومى لليهود. ولكن غاندى رفض تأييد المشروع، واعتبره ظالم، وأصدر بيانات تؤكد تأييده لحركة المقاومة التى بدأها الشعب الفلسطينى والتى وصفها الإسرائيليون والأمريكيون على إنها "إرهاب".
إن التاريخ لا يموت، فقد عادت روح المهاتما غاندى تطارد إسرائيل من خلال غاندى الحفيد. ففى عام 2004 زار غاندى تل أبيب حيث التقى بالعديد من النواب البرلمانيين الذين برروا بناء الجدار العازل وتصعيد ترسانتهم العسكرية بأنهم يعملون على حماية أنفسهم. فرد غاندى عليهم قائلا: "أتعملون على بناء مستشفى للأمراض العقلية فيها العديد من المرضى، وتتصورون أنهم سوف تعيشون فيها فى أمان؟ أن بقيامكم ببناء ترسانة عسكرية ضخمة، واستخدام الأسلوب الذى تتعاملون به مع جيرانكم، سوف تخلقون مستشفى للأمراض العقلية". ونصحهم قائلا: "أليس من الأفضل أن تتصالحوا مع جيرانكم وهؤلاء الذين يكرهونكم؟ ألا تستطيعون بناء علاقات طيبة مع جيرانكم؟" ولكن سياسات إسرائيل لن تتغير، وسيظل اللوبى الإسرائيلى فى أمريكا يطارد كل من ينتقد الدولة الإسرائيلية. ولكن الخوف أن تتحقق تحذيرات غاندى ويتحول الأسف، يوما ما، الى غضب.


11 Feb 2008

عقيدة الصدمة



أصبحت "الديمقراطية" و"السوق الحرة" كلمتا السر فى أى محاولة للتدخل فى شئون دول العالم الثالث، وبهما يستطيع الحاكم الغربى إقناع الرأى العام لديه بأن حكوماته تتدخل فى العالم انطلاقا من قيم حضارية سامية. ولكن فى كتاب جديد صدر للكاتبة الصحفية الكندية ناومى كلاين، يتضح لنا أن السوق الحر لم يولد من الديمقراطية بل عبر صدمات كهربائية.
فقد اوضحت الكاتبة الصحفية ناومى كلاين فى كتابها "عقيدة الصدمة.. صعود رأس المال الكارثة" أن أفكار السوق الحر انتشرت خلال الـ 35 عاما الماضية، مع كل كارثة طبيعية أو مالية أو اقتصادية تشهدها منطقة ما فى العالم، خاصة الفقيرة منهم؛ مثلما حدث فى تايلاند غداة التسونامى الذى شهدته فى عام 2004 وفى ولاية نيو اورليانز الأمريكية غداة الإعصار الذى حول الولاية الى مستنقع، أو حتى غداة هجمات 11 سبتمبر فى نيويورك وواشنطن. وأحيانا ينتشر رأس المال بقوة السلاح كما حدث فى تشيلى فى عام 1973، وفى العراق الآن، فى محاولة لإرهاب الرأى العام.
نحن نعلم لماذا يحدث ذلك، ولكننا لا نعرف كيف؟ وتشرح كلاين أن التدخل يحدث عبر استغلال الفترة التى تعقب الكارثة مباشرة حين يكون المواطنون فى حالة صدمة وحزن وخوف، وحيث تنقلب كل القيم والظروف فيفقدون البوصلة والاتجاه، ويصبح الشعب فى وضع لا يستطيع أن يكون له رد فعل. فى تلك الحالة يصبح من السهل تغيير قواعد اللعبة، ويجد المسئولون انصياعا من المواطنين لتغيير الواقع.
واكبر مثال على حقيقة تلك الفكرة هو ما يحدث فى العراق اليوم. فمن وجهة نظر كلاين أن الفوضى العارمة التى تشهدها العراق، والدور الذى تلعبه شركات المقاولات المدنية خاصة شركة هاليبرتون، ثم بفضيحة سجن أبو غرايب، وزيادة القوات الأمريكية، والأنفاق الهائل الذى تشهده البلاد دون عائد أو تحقيق مشاريع حقيقية، كل ذلك يعمل فى اتجاه واحد: الربح السريع والكبير.
وتشرح الكاتبة قائلة: "يقوم المقاولون الكبار بفتح مكاتب لهم فى المنطقة الخضراء (التى يقيم فى داخلها السفارة الأمريكية وكل الأجانب الدبلوماسيين ومحاطة بقوات امنية قوية) أو حتى فى مدينة الكويت أو عمان، ثم تقوم الشركة بإعطاء توكيل لشركات كويتية التى من جانبها تقوم بتوكيل شركات سعودية التى تقوم أخيرا بتوكيل شركات عراقية من كردستان، للقيام بالمهام. ولكن الشركة العراقية لن تحصل إلا على الفتات من العقود، بينما الشركات الأخرى خاصة الشركة الاولى، شركة هاليبرتون، هى التى ستجنى كل الأرباح، والتى سوف يحصل على نصيبه منها ديك تشينى نائب الرئيس الامريكى بسبب صلته الوثيقة بالشركة. بينما تظل العراق دولة فقيرة تقع تحت طائلة الديون.
ولكن كيف يمكن للشعوب أن تتحصن ضد تلك الصدمات؟ تقول كلاين أن من المتوقع دائما أن تزول أثار الصدمة بعد فترة من الوقت، ولذلك فان على الأفراد أو الشعوب أن تدرك ما يحدث لها خلال فترة الصدمة، وان تبقى يقظة لمقاومة ما يحدث.
ولنتذكر على سبيل المثال كيف تعاملت الصين مع زلزال مدمر أصابها منذ سنوات، وادى الى خسائر بشرية ومادية هائلة، فى تلك الفترة تقدمت كل الدول الغربية تعرض مساعداتها المادية، ولكن السلطات الصينية أعلنت للشعب إنها لن تقبل أية مساعدات خارجية وان الشعب سوف يعتمد كليا على نفسه للخروج من الأزمة. ان موقف الصين فى ذلك الحين ليس فكرا منفصلا أو وقتيا، ولكنه منهجا سارت عليه عبر تاريخها المعاصر، ولذلك أصبحت الصين اليوم من بين الدول الفقيرة سابقا، التى من المتوقع أن تصبح ثالث اكبر قوة اقتصادية وسياسية فى العام الجديد.

التسونامى الفلسطينى


فى لحظات انفجر الوضع فى غزة، وكسر الفلسطينيون الحصار الذى فرضته إسرائيل على القطاع منذ أشهر، وتدفقوا بالآلاف عبر الحدود الى مصر، مثل التسونامى، يبحثون عن لقمة العيش وقطرة المياه، وذلك فى رسالة واضحة موجهة الى الحكومة الإسرائيلية، تشير الى أكثر من نقطة:
أولا: أن سياسة العقاب الجماعى وعزل الشعب الفلسطينى فى غزة لن يدفع الغزاويين الى الرضوخ لمتطلبات الحكومة الإسرائيلية، ولن يؤدى إلا الى الانفجار. فقد قامت إسرائيل ومنذ الصيف الماضى، عندما أعلنت القطاع "كيان عدائى"، بإغلاق الحدود مع غزة، ومنعت وصول الإمدادات الغذائية والأدوية، وفى 18 يناير الماضى ساد الظلام القطاع بعد انقطاع الكهرباء عنه، ورضت حصارا، وصفته كارين كونينج ابوزايد، المفوضة العامة لمنظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين فى غزة فى مقال نشرته صحيفة الجارديان البريطانية بـ "الحصار الشرس"، الذى أدى الى أن يصبح القطاع أول منطقة فى التاريخ تتحول عن قصد الى حالة من "الانهيار الخسيس".
وثانيا: أن الشعب الفلسطينى قادر على التحكم فى أقداره وكسر الحصار رغم كل الاستحكامات التى وضعتها إسرائيل بمساعدة أمريكا. كما أوضح الشعب الفلسطينى فى غزة للعالم أجمع أنه قادر على فتح الحدود فى أى وقت يريد.
وثالثا: برغم أن المجتمع الدولى لم يدين إسرائيل بسبب سياستها التعسفية ضد مليون ونصف مليون نسمة من الفلسطينيين المقيمين فى غزة، وبرغم أن الحصار تم بمعرفته وموافقته، بل وتشجيعه، إلا انه لم يدين أيضا التدفق الفلسطينى الى اراضى سيناء بحثا عن الطعام والشراب والدواء والاحتياجات الأساسية، وذلك لأن المجتمع الدولى أدرك فى قرارة نفسه أن إسرائيل قد حولت غزة الى أكبر معتقل مفتوح فى العالم، وأن سياستها هى فى النهاية تعتبر جريمة إنسانية غير مسبوقة، تستهدف الضغط على أبناء غزة لتغيير زعاماته واختيار حكومة تكون أكثر ليونة لمتطلبات إسرائيل.
قد يكون ما حدث فى رفح المصرية هو الذى دفع وزير الدفاع الإسرائيلى الى التصريح بان ذلك سوف يمهد الطريق أمام إسرائيل لتتخلى نهائيا عن مسئولية القطاع وتحويله الى مصر. ولكن يرى بعض المحللين فى الغرب أن تلك التصريحات ليست جادة، لان ما وصف بالـ "الجنى" الفلسطينى الذى خرج من القمقم، لن يعود مرة أخرى الى القنينة، كما أن إسرائيل ستظل هى السلطة المحتلة المسئولة بالكامل عن القطاع وعن كل مداخله البحرية والجوية والارضية، والوحيدة التى ستظل تقود عمليات عسكرية فى داخله فى الوقت الذى يحلو لها.
لذلك فان المحللين السياسيين الغربيين ينصحون إسرائيل والسلطة الفلسطينية بضرورة إقامة حوار مع حماس، وعقد اتفاق معها، لان الاستمرار فى رفض الحوار مع الحكومة المنتخبة لن يؤدى الى شئ، والحصار لم يضعف حماس أو يسقطها، كما كان الهدف.

8 Jan 2008

2008 عام الحصاد


يعتبر عام 2007 عاما محوريا، شهد نهايات وبدايات على مختلف المستويات من شخصيات الى مؤسسات، وبذر الحبوب التى سوف يحصد نتاجها العام الجديد سواء كانت جيدة أم عفنة.
فعلى المستوى الاقتصادى سيشهد العام الجديد نتاج التدهور السريع للدولار وارتفاع أسعار البترول، والذى لن يكون نتاج جيد سواء بالنسبة للولايات المتحدة التى سوف يعانى اقتصادها من تدهور قيمة الدولار أو فى أوروبا حيث سيعانى الاقتصاد من ارتفاع قيمة اليورو بالنسبة للدولار مما يجعل منتجاتها أغلى كثيرا فى السوق العالمى. فهل سيتمكن خبراء الاقتصاد استخدام التقنيات الحديثة والقدرات التكنولوجية العالية التى وصل إليها العالم لمنع الانهيار الكامل؟ أم أن الانهيار الاقتصادي سيتحول الى انهيار سياسى؟
على المستوى السياسى، سيحصد الحزب الجمهورى الامريكى نتاج أعمال رئيسه جورج بوش فى الخارج وفى الداخل، ومن المتوقع أن تنتهى فترة حكم المحافظين الجدد لصالح الحزب الديمقراطى. وفى نفس الوقت سوف يحصد الحزب الديمقراطى البذور التى وضعها الرئيس السابق بيل كلينتون، والذى يعتبر أفضل رئيس شهدته أمريكا. هذه الفترة التى أعطت أمريكا اقتصادا قويا سيجنيها الحزب الديمقراطى سواء من خلال اختيار زوجته هيلارى مرشحة الحزب فى الانتخابات الرئاسية، أو ناخب أخر.
كما سيجنى العالم نتاج الحرب ضد الإرهاب التى شنها بوش، والورطة التى وضع نفسه فيها فى العراق وأفغانستان، وسيستمر مسلسل الإرهاب والدماء ويشتد فى باكستان ولبنان وفلسطين، فهل ستكون إيران أيضا من الدول التى سيشهد عام 2008 بداية الحرب ضدها بعد أن ظلت واشنطن تصعد النبرة ضدها فى العام الماضى؟
على مستوى الدول، سيشهد عام 2008 صعود دولتين كبريتين فى ثوب جديد. الدولة الاولى هى الصين التى ستكون فى عين العالم مع استضافتها الألعاب الاولمبية، ومعها ستشهد ازدهارا اقتصاديا لم تشهده من قبل ولن تشهده أى من دول الغرب فى نفس الوقت، وبعد أن كانت الصين واحدة من أفقر دول العالم، أصبحت ثالث قوة اقتصادية. ومع الاقتصاد يتوقع الخبراء أن تنطلق الصين كقوة سياسية وعسكرية عظمى على الساحة الدولية، لتحصد بذلك سنوات من العمل الدءوب ومن الصبر، والذى بدأ يظهر بشائره فى العام الماضى عندما باتت المنتجات الصينية من أكثر المنتجات مبيعة فى العالم الغربى، وبدأ رجال الأعمال الصينيون يغزون الغرب.
أما الدولة الثانية فهى فرنسا، التى قطع رئيسها الجديد نيكولا ساركوزى كل الخيوط مع الماضى منذ انتخابه فى مايو الماضى، وقرر أن ينطلق بالبلاد فى صحوة مختلفة، ولكن التساؤل هو هل ساركوزى الذى بذر حبوب التغيير فى العام الماضى سيحصد نتائج ايجابية؟ هل لديه أفكارا حقيقية؟ أم إنها مجرد أفكارا قديمة قام بتغليفها بثوب جديد وأسلوب حديث؟ أن كان ساركوزى يحمل أفكارا حقيقية فسوف ينهض بلا شك بالبلاد، أم أن كان كل ما يملك خواء، فان الانهيار سيكون بحجم الفرقعات الإعلامية التى يعشقها.
أن عصر القوة العالمية الأحادية انتهى بكل تأكيد، فمع الصين وفرنسا اللتان سيكون لهما دورا أكيدا فى العام الجديد، فان روسيا لن تتخلف عن الركب رغم انتهاء فترة رئاسة بوتين، بل سوف تحصد كل جهود بوتين فى السنوات الماضية، والتى أدت الى أن تشتد قوتها فى محاولة لاستعادة مكانتها السابقة.
أننا لا نحصد إلا ما بذرناه من حبوب، وما زرعناه.


2 Dec 2007

كتاب قديم جديد: اسرائيل والقنبلة النووية

عاد الحديث مرة اخرى عن القنبلة النووية الاسرائيلية، ولماذا تصر اسرائيل على عدم التأكيد صراحة على امتلاكها اياها، ولماذا لا تنفى؟ ولقد كان الكاتب والباحث الاسرائيلى افنيرى كوهين قد نشر فى عام 1998 كتابا خطيرا عن حقيقة القنبلة النووية الاسرائيلية منذ ان كانت فكرة لدى ثلاثة من زعماء اسرائيل فى نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات، الى اليوم. وكيف ساعدت فرنسا اسرائيل فى بناء مفاعلها النووى ولماذا رفضت الولايات المتحدة فى البداية ان يكون لاسرائيل قنبلة نووية، ولماذا عادت واضطرت الى دعم اسرائيل.
ولقد نشر الاهرام عرضا من ثلاثة اجزاء للكتاب فى يناير عام 1999، وأردت ان اعيد نشره فى المدونة حتى يعرف الجيل الجديد حقيقة ما حدث وما يحدث ولماذا قررت اسرائيل ان تبقى على الغموض، فهى لا تؤكد ولا تنفى، من اجل تحقيق أغراضها. وحتى لا يفرض عليها احترام المواثيق الدولية التى يريد المجتمع الدولى فرضه على ايران والدول الاخرى. وفيما يلى العرض الذى نشر فى جريدة الاهرام فى ذلك الوقت


كتاب جديد‏:‏ اسرائيل والقنبله‏(1)‏للكاتب والباحث‏:‏ افنير كوهين
قصه البرنامج النووي الاسرائيلي‏...‏من السريه الي الانكار الي الغموض ثم اللاشفافيه

هل تملك اسرائيل القنبله النوويه؟ لا يشك احد في تلك الحقيقه‏,‏ رغم ان اسرائيل لم تعلن ابدا رسميا عن امتلاكها السلاح النووي‏,‏ ولكنها ايضا لم تنف ابدا تلك المعلومات‏,‏ بل ابقت عليها‏'‏ غامضه‏',‏ او بتعبير اخر‏'‏ لا شفافيه‏'.‏ فالغموض‏,‏ يعني الشك وعدم اليقين‏,‏ ولكن‏'‏ اللاشفافيه النوويه‏'‏ كما يقول الباحث الاسرائيلي افنير كوهين‏,‏ هي تلك الحاله عندما لا تعترف دوله بقدراتها النوويه ولكنها في نفس الوقت تظل مساله معروفه بشكل يجعلها توثر في رويه وسياسات الدول الاخري‏.‏ وبهذا المعني تصبح اسرائيل اقوي مثال علي هذا النوع من‏'‏ اللاشفافيه النوويه‏'.‏منذ نهايه الاربعينات وضعت اسرائيل والموسسه الامنيه العسكريه فيها جدارا من الرقابه علي كل المعلومات حول القدرات النوويه الاسرائيليه‏,‏ ومنعت الصحفيين او الباحثين المستقلين الاسرائيليين والاجانب من الوصول او نشر اي معلومات عنها‏.‏ الي ان سمح القانون بفتح الارشيف والملفات السريه الرسميه الخاصه بتاريخ اسرائيل حتي عام‏1966.‏ ومع فتح الارشيف التاريخي تكشف فجاه للمورخين‏'‏ الجدد‏'‏ عالم اخر لم يعرفوا عنه شيئا من قبل‏,‏ من ضمن تلك المعلومات‏,‏ مولد فكره امتلاك السلاح النووي الاسرائيلي‏,‏ والتي بدات منذ عام‏1947,‏ والاعداد لبناء المفاعل الشهير المعروف باسم ديمونه‏.‏من بين الباحثين الاسرائيليين الذين اهتموا دائما بهذا السر الكبير افنير كوهين‏,‏ الاستاذ في جامعات اسرائيل والولايات المتحده‏,‏ وصاحب العديد من الكتب حول القوه النوويه في الشرق الاوسط‏.‏ فكان فتح الارشيف بالنسبه له الفرصه الذهبيه لكي ينقب عن اصول هذا الموضوع‏,‏ ويجد الكثير من الحقائق التي ظلت سرا‏.‏ فقرر ان ينشرها في الولايات المتحده بعيدا عن الرقابه الاسرائيليه التي ارسلت له رسائل مباشره وغير مباشره تهدده بان الاستمرار في العمل في الكتاب الذي نشر بعنوان‏:'‏ اسرائيل والقنبله‏'‏ قد يعرضه لمشاكل كثيره‏,‏ وذلك رغم انه لا يفشي اسرارا‏,‏ بل يبحث في معلومات اصبحت متاحه بعد مرور الفتره القانونيه علي اخفائها‏.‏ولكن كوهين قرر ان ينفي نفسه في الولايات المتحده والا يعود الي اسرائيل حتي يستطيع ان يستكمل ابحاثه وينشر كتابه الذي يضم المعلومات التي حصل عليها من الارشيف الرسمي الاسرائيلي في القدس بعد ان فتحت كل ملفات السياسه الخارجيه الاسرائيليه حتي عام‏1966,‏ كما كشفت مفكره ورسائل بن جوريون الخاصه والسريه في مركز ابحاث بن جوريون في سديه بوكير‏,‏ والمعلومات الخاصه عن علماء الطبيعه الاسرائيليين في ارشيف معهد فايتسمان في ريهوفوت‏,‏ وارشيف ياد حاييم فايتسمان‏.‏ كما استخدم ارشيف مكتبه ليندون جونسون في اوستن‏,‏ بولايه تكساس الامريكيه‏,‏ ومكتبه دوايت ايزنهاور في ابيلين بولايه كانساس والارشيف القومي الامريكي في ميريلاند‏.‏ كما استخدم الارشيف القومي في النرويج‏.‏ وهي كلها معلومات تنشر لاول مره‏.‏ كما اضاف الي معلومات الارشيف‏,‏ المعلومات المتاحه من المذكرات الخاصه ومئات الحوارات التي اجراها مع المسئولين الذين كان لهم دورا في هذا الموضوع‏,‏ وقصاصات الصحف طوال تلك الفتره‏.‏يقول كوهين عن كتابه انه التاريخ السياسي لبرنامج اسرائيل النووي خلال سنوات تكوينه‏,‏ والاسباب التي من اجلها ابقت عليه‏'‏ لاشفاف‏'.‏ فقد اختار افنير كوهين التركيز علي البعد السياسي لهذا التاريخ‏,‏ واعاده بناء السياسات الداخليه والدوليه‏,‏ وفهم الثقافه التي جعلت من اسرائيل قوه نوويه لاشفافه‏.‏ رغم انه يوكد انه تاريخ غير كامل‏,‏ ولم يدل فيه باخر زاده‏.‏هذا التاريخ اخذ الكاتب علي مدي عشرين عاما‏,‏ من‏1950‏ الي‏1970,‏ حيث تحققت قطعه قطعه رويه ديفيد بن جوريون اول رئيس وزراء لدوله اسرائيل‏,‏ لجعلها قوه نوويه علي مدي اربع مراحل‏,‏ اذ انتقلت من السريه الي الانكار‏,‏ ومنه الي الغموض لتنتهي الي اللاشفافيه‏.‏ ومن خلال اربع مصادر‏:‏ داخليه ودوليه واقليميه وتكنيكيه‏.‏ وتاثير تلك السياسه علي الدول الاخري‏,‏ مثل فرنسا التي ساهمت في بناء هذه القدرات‏,‏ والولايات المتحده التي انتقلت من التخوف منه الي المجابهه مع اسرائيل الي قبول الامر الواقع‏,‏ واخيرا الدول العربيه التي كانت الهدف الاساسي الذي من اجله قامت اسرائيل ببناء قدراتها النوويه حسب رويه كوهين‏,‏ كما كانت السبب الاساسي في الابقاء عليها سرا‏.‏ثلاثه رجال ودولهولدت فكره اقامه قوه نوويه في اسرائيل قبل اقامه الدوله نفسها‏.‏ فقد بدات الفكره تراود ديفيد بن جوريون‏,‏ اول رئيس وزراء لاسرائيل‏,‏ منذ عام‏1947,‏ ولكنها لم تبدا في التحقق الا في منتصف الخمسينات عندما تجمعت العناصر التي حققت لها الفرصه لتظهر وفرض السريه التي احاطت بها‏.‏ وهي ثلاثه رجال‏:‏ ديفيد بن جوريون‏,‏ اول رئيس لوزراء اسرائيل‏,‏ الذي تصور ان القوه النوويه ستحل للدوله الجديده المشكله الامنيه‏,‏ وارنست ديفيد برجمان‏,‏ العالم الكيميائي الذي علم بن جوريون كل شئ عن المسائل النوويه‏,‏ وشيمون بيريز‏,‏ الذي استغل الفرصه الدوليه لتحقيق الحلم‏.‏ والدوله المتمثله في فرنسا التي اقامت علاقات خاصه مع اسرائيل في ذلك الوقت‏.‏منذ الاربعينات‏,‏ كان لبن جوريون‏,‏ رئيس الوكاله اليهوديه في ذلك الوقت‏,‏ اهتمام خاص بالطاقه النوويه‏,‏ فكان يقول ويكتب للناشئين من جنود القوات والدفاع الاسرائيليه‏:'‏ اننا نعيش في عصر الثورات العلميه‏,‏ حيث تتكشف الذره ومكوناتها المعجزه والقوه الهائله المختبئه بداخلها‏.'‏ من هنا كان اصرار بن جوريون من البدايه علي ان توسس اسرائيل امنها علي العلم والتكنولوجيا‏.‏ فكان من بن جوريون منذ منتصف عام‏1947,‏ ان وضع الابحاث العلميه الدفاعيه‏,‏ الاولويه لاسرائيل‏.‏ فاقام قسما علميا في مقر الهاجاناه‏,‏ المنظمه الدفاعيه اليهوديه شبه الرسميه‏,‏ وخصص لها ميزانيه سنويه تصل الي عشره الاف جنيه‏,‏ فكانت الميزانيه اكبر كثيرا من احتياجات القسم الي حد ان اعضاءه لم يعرفوا في البدايه كيف يتعاملون معها‏.‏ وبعد اعلان الدوله الاسرائيليه وتحول الهاجاناه الي قوات الدفاع الاسرائيليه‏,‏ اعترفت بالقسم العلمي كوحده اساسيه في قسم العمليات‏.‏ فكان مسئولا عن التنسيق وتكليف الكيان الجديد الذي يدعو هائيل مادا‏(‏ وهو كيان علمي عرف بالحروف الاولي‏HEMED).‏يقول افنير كوهين في كتابه‏'‏ اسرائيل والقنبله‏'‏ ان بن جوريون لم يشعر باي وخز للضمير ازاء احتياج اسرائيل لاسلحه الدمار الشامل‏.‏ ففي ابريل عام‏1948‏ كتب في رساله الي احد عملائه في اوروبا يطلب منه تجنيد علماء اوروبيين يهود يستطيعون‏'‏ اما زياده القدره علي القتل الجماعي‏,‏ او العلاج الجماعي‏,‏ فالاثنان مهمان‏'.‏ في ذلك الوقت كان هذا يعني اسلحه كيماويه وبيولوجيه‏.‏وفي عام‏1949,‏ وبعد الحرب العربيه الاسرائيليه الاولي‏,‏ وجد بن جوريون المبرر لتطوير تلك القدرات‏,‏ وهو الدفاع عن الدوله‏'‏ الصغيره‏'‏ التي يهددها تحالف جيوش الدول العربيه حولها‏.‏ اما الوسيله فتوصل اليها في منتصف الخمسينات‏,‏ عن طريق اقامه تحالف مع قوه او اكثر غربيه‏,‏ تستطيع ان تضمن وحده الاراضي الاسرائيليه‏.‏ كان الاختيار الاول لبن جوريون في ذلك الوقت هو عقد معاهده عسكريه مع الولايات المتحده‏,‏ ولكن منذ منتصف الخمسينات بدات الشكوك تراوده حول مصداقيه الفكره‏,‏ فقد كانت واشنطن في ذلك الحين برئاسه ايزنهاور تعمل علي وضع مشروع استخدام سلمي للطاقه النوويه في مشروع‏'‏ الذره من اجل السلام‏'‏ وادرك بن جوريون ان ذلك ليس في مصلحه اسرائيل‏.‏ كما عمل علي جمع العلماء اليهود في العالم‏,‏ اذ كتب بن جوريون قائلا‏:'‏ ما فعله اينشتاين واوبنهايمر وتيلر‏,‏ وهم ثلاثتهم من اليهود‏,‏ للولايات المتحده‏,‏ يمكن ان يفعله العلماء في اسرائيل لشعبهم‏'.‏فكان ذلك دور الشخصيه الثانيه التي ساهمت في بناء القوه النوويه الاسرائيليه ارنست ديفيد ببرجمان‏,‏ الالماني اليهودي‏,‏ الشخصيه العلميه التنظيميه التي من مهامها وضع اهداف‏,‏ وتكوين استراتيجيات‏,‏ وتكليف مهام‏,‏ وتخصيص ميزانيه‏,‏ وتعيين علماء ومديرين‏,‏ ومراقبه العمليات‏.‏ وهو الفرق ما بين رويه زعيم سياسي‏,‏ ووضع مشروع اسلحه نوويه ذي مصداقيه‏.‏في يونيه عام‏1952,‏ تم انشاء لجنه الطاقه النوويه الاسرائيليه في صمت‏,‏ وتولي رئاستها برجمان وظل في منصبه حتي استقالته في عام‏1966‏ بعد تولي ليفي اشكول رئاسه الوزاره خلفا لبن جوريون‏,‏ فلم يعد يتمتع بالثقه والسلطات كما كان في الماضي‏.‏اذا كان برجمان هو الذي اقنع بن جوريون ان اسرائيل تستطيع ان تمتلك اسلحه نوويه‏,‏ فان شيمون بيريز الذي كان في الخمسينات يشغل منصب مدير عام في وزاره الدفاع الاسرائيليه‏,‏ اعلي منصب مدني في الوزاره‏,‏ هو الذي اقنعه في عام‏1956‏ ان الوقت ازف لكي يبداوا في المشروع‏.‏ ومن البدايه كلف بن جوريون بيريز بالعمل علي تنفيذ مشروع انشاء القدره النوويه الاسرائيليه‏.‏ وكانت فكرته الاساسيه ان اسرائيل لن تستطيع بناء مفاعلها النووي وحدها‏,‏ واتجه الي بناء نوع من الشراكه مع فرنسا لامداد مفاعل اسرائيل والتسهيلات الاخري‏,‏ بما تحتاجه‏.‏ اذ قال في مذكراته‏:'‏ اصريت ان ما نحتاجه ليس اختراع شيئ اخترعه الاخرون‏,‏ التميز كان ضروريا‏,‏ ولكنه لم يكن هدفا في حد ذاته‏'.‏ فطالما ان الاخرين اخترعوا شيئا‏,‏ يمكننا شراوه منهم‏.‏في منتصف الخمسينات تجمعت كل العوامل التي جعلت من المفاعل النووي الاسرائيلي كيانا قابلا للتنفيذ‏,‏ ففي عام‏1955,‏ كان برنامج ايزنهاور الرئيس الامريكي‏,'‏ الذره من اجل السلام‏'‏ السبب في عقد موتمر جنيف حول الاستخدامات السلميه للطاقه الذريه والذي كان السبب في ان اصبحت التكنولوجيا النوويه الامريكيه التي ظلت سرا لنحو عشر سنوات‏,‏ متاحه للاطلاع عليها بعد ان كانت مقتصره علي الدول الكبري فقط‏,‏ خاصه الولايات المتحده وكندا وبريطانيا‏.‏ وفي نفس الوقت‏,‏ قامت مصر من ناحيه بصفقه اسلحه مع تشيكوسلوفاكيا في عام‏1955‏ وفي فرنسا كانت الاوضاع تتدهور في مستعمراتها في شمالي افريقيا وكانت فرنسا تري في جمال عبد الناصر القوه المحركه للثوره الجزائريه‏,‏ التي باتت خارج السيطره‏.‏ فكانت فرنسا تري ان اسرائيل قويه يمكن ان تهدد ناصر‏,‏ فكان ذلك ما دفعها الي قبول التعاون مع اسرائيل‏.‏ كل ذلك جعل المشروع النووي الاسرائيلي علي استعداد لان يولد‏.‏في ذلك الوقت كان الجدل في اسرائيل يدور حول حجم المشروع النووي الذي تنوي اسرائيل اقامته‏,‏ وبالاخص الي اي حد سيدفع الاهتمام باستخدام الطاقه النوويه في المجال العسكري الي توجيه الجهود‏.‏ هذا الجدل كان يدور وراء الابواب المغلقه‏,‏ بين صناع القرار السياسي والعلماء‏,‏ ووراء تلك الابواب كان يتم وضع نموذج للسريه واللاشفافيه التي ستميز البرنامج النووي الاسرائيلي لسنوات طويله‏.‏غداه صفقه الاسلحه المصريه مع تشيكوسولوفاكيا‏,‏ اصبحت فرنسا اهم ممول سلاح لاسرائيل وفي ربيع عام‏1956‏ توصل بيريز الي تفاهم شامل سري مع حكومه جي موليه‏,‏ تم توثيقه في موتمر سري في فيرمار يوم‏22‏ يونيه عام‏1956‏ بين كبار ممثلي العسكريه في الدولتين‏.‏ واستطاع بيريز بمساعده السفير الفرنسي في ذلك الحين بيير جيلبير‏,‏ تكوين ائتلاف موال لاسرائيل‏,‏ تختلط فيه مشاعر اشتراكيه مواليه لليهود‏,‏ ومصالح قوميه داخل الصناعات النوويه والفضائيه‏.‏ كما استغل بيريز الضعف في كيان الجمهوريه الرابعه الفرنسيه‏,‏ وتفتت موسسات فرنسا المسئوله عن اتخاذ القرارات‏,‏ واقام علاقات وثيقه مع وزراء فرنسا للدفاع والداخليه‏(‏ المخابرات‏)‏ ليتجاوز السياسات العربيه التي كانت وزاره الخارجيه تنتهجها‏.‏كما استغل بيريز فرصه انقسام السياسيين الفرنسيين بين حصول فرنسا ام لا علي طاقه نوويه‏.‏ كان المعسكر الموالي للاسلحه النوويه يعمل حثيثا وبقوه علي الموافقه علي بناء القوه النوويه الفرنسيه‏,‏ فكان سهلا علي بيريز تقديم مشروعه النووي واصبح التفاهم عميقا وسريا بين بيريز وموريس بورج مونوري وزير الدفاع الفرنسي في ذلك الحين‏.‏ ومنذ بدايه عام‏1956‏ كانت استراتيجيه بيريز تتركز في اقناع فرنسا بان تكون ممول اسرائيل النووي‏,‏ ومنح اسرائيل ما يسمح لها ببدء برنامج يهدف الي انتاج متفجرات نوويه‏.‏وامام تردد فرنسا‏,‏ التي كانت تعمل علي بناء برنامجها النووي المدني والعسكري في نفس الوقت‏,‏ قدم لهم بيريز شيئا ذا قيمه في المقابل‏,‏ اقترح بيريز علي فرنسا ان يمدهم بالمعلومات السريه حول العلاقات بين مصر والثوار الجزائريين‏.‏ لذلك قام بن جوريون بالسماح بتكوين علاقات خاصه بين اجهزه المخابرات في البلدين‏.‏ ولكن في‏26‏ يوليو عام‏1956‏ تغيرت الاوضاع‏.‏تحالف عسكري مقابل المساعده النوويهفي ذلك اليوم اعلن الرئيس عبد الناصر تاميم قناه السويس‏.‏ هذا التحدي لحكومه جي موليه سمح لبيريز بدفع التحالف الفرنسي الاسرائيلي خطوه اخري الي الامام‏.‏ في اليوم التالي جاءت الفرصه الي بيريز سريعا‏,‏ فقد طلب منه وزير الدفاع في اجتماع سري بينهما‏,‏ اذا كانت اسرائيل علي استعداد للدخول في عمليه عسكريه ثلاثيه حيث دور اسرائيل سيكون عبور سيناء والوصول الي القناه‏.‏ وقد وافق بيريز علي الفور‏.‏ وعندما انتقده مساعده علي اتخاذ قرار مثل ذلك وحده بدون الرجوع الي الحكومه الاسرائيليه‏,‏ اجاب بيريز‏:'‏ من الافضل ان اجازف براسي‏,‏ عن ان اجازف بان افقد فرصه لا تتكرر‏'.‏وقد جاءت النتيجه اسرع مما توقع‏,‏ ففي اغسطس من نفس العام وصل شالهيفيت فراير‏,‏ اول خبير اتصال علمي‏,‏ الي باريس‏,‏ وفي سبتمبر توصل الجانب الاسرائيلي والجانب الفرنسي الي اتفاق من حيث المبدا ببيع اسرائيل مفاعلا بحثيا صغيرا‏,‏ مثل المفاعل ايل‏-3‏ في ساكلي‏.‏وفي مذكراته اشار بيريز الي ان المفاعل النووي تمت التفاوض بشانه في الموتمر السري الذي عقد في سيفر بين فرنسا واسرائيل وبريطانيا‏,‏ في اكتوبر من عام‏1956,‏ في ذلك الاجتماع تم الموافقه علي التعاون معا‏.‏ وقبل التوقيع النهائي طلب بيريز ان يجتمع مع كل من موليه وبورج مونوري وحدهما‏,‏ ويقول بيريز في هذا الاجتماع تمت الموافقه علي بناء مفاعل نووي في ديمونه جنوبي اسرائيل‏,‏ وامداد اسرائيل باليورانيوم الطبيعي لتسييره‏.‏الطريق الي ديمونهالطريق الي ديمونه لم يكن ممهدا‏.‏ فقد كان كيانا ضخما ومشروعا هندسيا اكبر مما تتحمله اسرائيل في فتره نهايه الخمسينات‏.‏ كان لابد لها من امدادات ماديه وخبره فنيه‏,‏ وتمويل متاح‏.‏ كانت تلك الاحتياجات والقلق هما السبب في اللاشفافيه النوويه الاسرئيليه‏.‏في بدايه عام‏1957‏ قامت لجنه الطاقه النوويه الفرنسيه‏,‏ بتدعيم المفاعل الاسرائيلي الصغير من طراز ايل‏-102‏ ليصبح مفاعلا كبيرا ينتج البلوتونيوم من طراز مفاعل جي‏-1‏ في ماركول الذي يعمل‏(40‏ ميجاوات طاقه حراريه‏).‏ المفاعل الجديد يستطيع انتاج ما بين‏10‏ و‏15‏ كيلوجرام من البلوتونيوم سنويا‏.‏ كما طلبت اسرائيل من فرنسا التكنولوجيا الضروريه لاستخراج البلوتونيوم من الوقود المستعمل‏,‏ وطلبت ان تقوم شركه سان جوبان‏,‏ التي بنت مصنع ماركول‏,‏ ببناء مصنع كيماوي تحت الارض مرتبطا بالمفاعل‏.‏ علي ان يضم المصنع اربعه اجزاء‏:‏ مكان اعداد للوقود المستعمل‏,‏ ومعامل ساخنه لتحليل الوقود المستعمل المشع‏,‏ ومخزن للمخلفات من المفاعل‏,‏ واخيرا مصنع معالجه المواد الخام لاستخراج البلوتونيوم‏,‏ وهو ذلك البند الاخير الذي يعتبر المفتاح لبرنامج نووي ذي استخدام عسكري‏.‏ وقد تم التوصل الي اتفاق في العام التالي‏.‏تردد المسئولون الفرنسيون في ذلك الوقت‏:‏ جي موليه رئيس الوزراء وفرانسيس بيران‏,‏ الرئيس العلمي للجنه الطاقه النوويه‏,‏ وكريستيان بينو وزير الخارجيه في الموافقه علي الصفقه مع اسرائيل‏,‏ علي اساس انها مساله غير مسبوقه‏,‏ واعربوا عن مخاوفهم من ان تودي الي تدمير صوره فرنسا اذا انكشف السر‏.‏ ولكن بيريز تعهد للوزير بان المفاعل سيستخدم فقط في مجالات‏'‏ البحث العلمي‏'‏ فقام بينو بتوقيع الجانب السياسي من الاتفاقيه‏,‏ التي حملها بيريز بنفسه الي مكتب بورج مونوري الذي تولي رئاسه الوزاره الفرنسيه في سبتمبر عام‏1957‏ للتوقيع عليها‏.‏ وبناء علي طلب من بيريز حصل بورج مونوري من مكتبه علي قرار رسمي لتاكيد الاتفاقيه‏.‏ كان التاكيد مساله حيويه بالنسبه لاسرائيل‏,‏ ففي تلك الليله صوتت الجمعيه الوطنيه الفرنسيه بسحب الثقه من حكومه بورج‏-‏مونوري‏.‏السريه التامهوهكذا تم التوقيع علي اتفاقيه ديمونه في‏3‏ اكتوبر عام‏1957‏ علي اساس وثيقتين‏.‏ يقول افنير كوهين الكاتب‏,‏ انه تم الابقاء علي الوثيقتين سرا حتي الان‏,‏ ومن المنتظر ان تستمر لفتره قادمه‏.‏ ولكن عرف الكثير منها لنعرف انها تعتبر نقطه تحول اساسيه في طريق اسرائيل نحو مكانتها كقوه نوويه لاشفافه‏.‏ كما قال بيير جيوما رئيس لجنه الطاقه النوويه الفرنسيه ان‏'‏ عمليه ديمونه ابقي عليها سرا بدرجه ان‏.‏ لا احد يعرف الحقيقه كامله‏.‏ فمن الصعب تحديد ما حدث‏,‏ لانه وقع علي مستويات مختلفه‏:‏ علي مستوي الدوله‏(‏ رئاسه الحكومه والوزراء ولجنه الطاقه‏)‏ وعلي مستوي رجال الصناعه‏.‏يضم الاتفاق وثيقتين‏,‏ الاولي سياسيه والاخري فنيه‏.‏ اما الوثيقه السياسيه فكانت غير واضحه وتتناول الالتزامات القانونيه علي الاطراف المعنيه‏.‏ وتعهد بيريز فيها ان تكون اهداف اسرائيل سلميه‏,‏ وان تقوم اسرائيل باستشاره فرنسا في اي عمل دولي يتعلق بديمونه‏.‏ اما الوثيقه الفنيه التي وقعها روساء لجنه الطاقه النوويه الفرنسيه واللجنه الاسرائيليه لم تتناول مسائل عديده‏.‏ كما ان التفاهم الاساسي حول مشروع ديمونه لم يتم وضعه علي ورق‏,‏ ولكنه ظل تفاهما شفويا بين افراد‏.‏ وفي عدد من المسائل لم تعكس الوثائق المكتوبه الواقع‏.‏ فيقول المسئولون ان الوثائق تشير الي ان قوه المفاعل ايل‏-102‏ تصل الي‏24‏ ميجاوات‏,‏ بينما المصادر توكد انه اقوي من ذلك مرتين او ثلاث مرات‏.‏ولاسباب امنيه‏,‏ كانت عمليات ايل‏-102‏ التابعه لسوسييتيه الزاسيان‏,‏ الشركه الصناعيه المعماريه الاساسيه لمشروع ديمونه‏,‏ والتي كانت تتعامل مع‏'‏ العميل‏'(‏ الاسم السري للجنه الطاقه النوويه الاسرائيليه‏)‏ والمقاولين تجري عملياتها من خلال واجهه لكيان مالي تكونت لذلك الهدف‏.‏ وكان اكثر البنود سريه مساله مصنع معالجه المواد الخام الذي لم يذكر قط في الوثائق الرسميه‏.‏ فقد تم توقيع علي العقد الخاص بهذا المشروع مع المصنع مباشره‏,‏ سان جوبان‏,‏ الذي كانت معاملاته مع العميل الاسرائيلي تتم من خلال كيان اخر يدعي‏'‏ الشركه الصناعيه للدراسات والبناء الكيماوي‏'‏ والتي لا تذكر اسرائيل كعميل في الاوراق الرسميه‏.‏نظرا لحجم المشروع واهدافه‏,‏ والطريقه غير التقليديه التي تم تكوينه بها وادارته من خلالها‏,‏ كان المسئولون الاسرائيليون يعملون علي ابقاء حجم المشروع سرا حتي علي كل من يعمل في المشروع نفسه‏.‏ فقد تمت الصفقه الاسرائيليه الفرنسيه بينما فرنسا كانت متردده حول برنامجها هي العسكري النووي‏,‏ وبينما كان بعض من اصدقاء اسرائيل في فرنسا مترددين حول عواقب التعاون‏,‏ وبينما كان المسئولون السياسيون الفرنسيون في حاجه الي مساحه من الانكار اذا كشفت الصفقه‏,‏ وبينما حكومات الجمهوريه الرابعه كانت تتوالي‏,‏ والاداريون يشعرون بالقلق ازاء المستقبل‏,‏ وبينما كان الموالون للتحالف الاسرائيلي‏-‏الفرنسي علي الجانبين يشعرون ان التحالف غير طبيعي وهو قصير المدي نظرا لاهتمام فرنسا التاريخي بالعالم العربي‏.‏ لكل تلك الاسباب كان لابد من الابقاء علي المشروع النووي الاسرائيلي في حاله لاشفافيه‏.‏كان المسئولون الفرنسيون المتورطون في مشروع ديمونه يدركون ما هو‏,‏ رغم ذلك فقد اصر وزير الخارجيه الفرنسي الذي ادرك طبيعه المشروع الغير مسبوقه‏,‏ علي ان توقع اسرائيل اتفاقيه تنص علي ان التعاون بينهما محصور في مسائل البحث العلمي فقط‏.‏ واضطرت اسرائيل للتوقيع‏.‏ ويقول كوهين ان تلك لم تكن المره الاولي التي لا تجد اسرائيل اختيارا اخر امامها الا ان توافق علي شئ لا تستطيع ان تلتزم بتنفيذه‏.‏ظلت الصفقه سريه حتي عام‏1960,‏ عندما كشفت الولايات المتحده عن وجودها‏.‏ وذلك ما سنتناوله في الحلقه الثانيه‏.‏