21 Apr 2011

نحو الديمقراطية

لقد اجتزنا بنجاح اول اختبار للديمقراطية منذ سنوات طويلة؛ فقد توجهنا باعداد كبيرة الى صناديق الاقتراع للتصويت على الاستفتاء حول التعديلات الدستورية، وبداخلنا شعور عميق بأننا نعمل على تشكيل مستقبلنا بأنفسنا؛ ووقف بعضنا لساعات طويلة من اجل الادلاء بصوته بدون تذمر ولا صدام مع أحد، يداخلنا هذا الاحساس الجميل بالمسئولية، والأهم من هذا وذاك اننا كنا جميعا مدركين تماما ان صناعة الحاضر والمستقبل يتم فى صناديق الاقتراع وليس فى الشارع، فقط عندما تكون الصناديق حرة، لا تقع تحت سيطرة جانب ضد جانب اخر.

ولكن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ وتنتهى فى صناديق الاقتراع، ولكنها تمتد الى ما بعد ذلك، لتشمل قبول الجانب الذى فاز فى الاقتراع الشعبى على الاغلبية المطلقة، على اساس ان الاغلبية المطلقة هى الوحيدة التى تفرض نفسها على كل ما عداها. لأنها فى النهاية هى رأى الشعب.

سيقول البعض ان الغالبية العظمى من الشعب جاهل لا يعرف القراءة او الكتابة. واقول ان الغالبية العظمى يجب ان تفرض رأيها على سائر الشعب ان كنا نريد الاخذ بالديمقراطية. وان كنا نريد من الغالبية العظمى ان تأخذ قرارات قوية وحكيمة تأخذ البلاد الى التقدم والنمو والرقى فعلينا ان نعمل من اجل ان تكون الغالبية العظمى من الشعب قوية وحكيمة وراقية. لأن الحكم يعكس دائما الشعب الذى يحكمه.

مبادرة "سلام" اسرائيلية؟؟

اصدرت مجموعة من الصفوة الاسرائيليين مشروع لمبادرة للسلام مع الدول العربية، قالوا فيها انها رد مباشر على مبادرة السلام العربية التى صدرت فى عام 2002 واخرى فى عام 2007، وتتساوى مع الفكرة التى طرحها الرئيس الاسبق بيل كلينتون فى عام 2000 حول قيام الدولتين. وقال البيان الذى صدر لتقديم المبادرة ان الظروف فى الشرق الاوسط تتغير: "وقلنا لأنفسنا انه حان الوقت ان يرفع الاسرائيليون اصواتهم ايضا".

هذه الوثيقة تشير الى اقامة دولة فلسطينية على "معظم" اراضى الضفة الغربية، وتكون عاصمتها "جزء" من القدس الشرقية، ويعود اللاجئون الفلسطينيون الى الدولة الفلسطينية وليس الى ارضهم الاصلية فى اسرائيل. كما تعترف المبادرة بمعاناة اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 واللاجئين اليهود من الدول العربية؛ كما تؤكد الوثيقة على ان المجموعة تشارك المبادرة العربية للسلام فى ان "الحل العسكرى للصراع لن يحقق السلام او يمنح الأمن للأطراف المختلفة". كما تؤكد الوثيقة على ان حدود 1967 ستكون هى اساس الحدود الجديدة "مع بعض التعديلات المتفق عليها والتى تقوم على تبادل الاراضى على الا تتجاوز 7% من الضفة الغربية"، كما تؤكد انسحاب اسرائيل من مرتفعات الجولان "مع تعديلات يتم الاتفاق عليها حول تبادل الاراضى".

الهدف من اصدار تلك الوثيقة الأن كما يقول القائمين عليها: وضع نهاية للصراع العربى الاسرائيلى، وانهاء العزلة الدبلوماسية التى تعيش فيها اسرائيل الان؛ كما تستهدف المبادرة الى اسماع صوت اسرائيل لدى الدول المجاورة.

ولكن اصدرا مبادرة اليوم ردا على المبادرة العربية بعد تسع سنوات من صدورها، يلمح الى وجود أسباب غير معلنة، ومنها: خوف اسرائيل مما يجرى فى الشرق الاوسط، والذى، على غير العادة، فاجأ اسرائيل وامريكا، فكان عليهم اعادة حساباتهم.

وثانيا اكتشاف مدى العداء لاسرائيل داخل الرأى العام والشعوب العربية التى قامت بالثورات من تونس الى اليمن، مرورا بمصر والبحرين وليبيا. فكان لابد لاسرائيل ان تعيد تشكيل صورتها لدى الشعوب العربية لتبدو اكثر سلما.

وثالثا، اسفرت الثورات الى تأجيج المخاوف الاسرائيلية من تغيير الاتفاقيات التى ابرمتها مع الحكام العرب وخاصة اتفاقية السلام مع مصر والتى حسب قول الدبلوماسية المصرية الخطأ فى تلك الاتفاقية ليست البنود بقدر ما هى تفسيرها وتطبيقها المجحف ضد المصلحة المصرية.

لذلك فان اصدرا تلك المبادرة اليوم قد تعنى ان المفكرين فى اسرائيل يسعون بالفعل الى تغيير فى سياسات الدولة بعد انفجار الثورات فى الدول العربية وسيطرة الشعوب على مصائرها؛ او قد تعنى انها تنوى، كما تفعل دائما، اتخاذ موقفا عسكريا صارما من الدول العربية تسبقه باعلان نوايا حسنة حتى لا تتهم بانها داعية للحروب. ولقد فعلت نفس الشئ فى عام 2000 عندما قدم رئيس الوزراء الاسرائيلى انذاك، ايهود باراك، مبادرة سلام يتعهد فيها باقامة الدولة الفلسطينية على 90% من الاراضى الفلسطينية، وبعدها بايام دخل آرييل شارون ساحة المسجد الاقصى فى القدس القديمة بشكل استفزازى اسفر عن تفجر الانتفاضة الفلسشطينية الثانية. فبدا ان اسرائيل هى التى تمد يدها بالسلام بينما الفلسطينيون هم دعاة الحرب والعداء.

فى كلتى الحالتين يجب ان نأخذ بحرص شديد المبادرة التى طرحتها مجموعة الصفوة والمفكرين الاسرائيليين، لان التاريخ لا يشهد على أى سابقة تؤكد حسن النوايا الاسرائيلية.

محاكمة مشروعة

تتردد تساؤلات من المواطنين وبعضها تساؤلات يتخللها مسحة من الاستخفاف: هل قمنا بثورة من اجل حفنة من الأموال؟ وتساؤلات أخرى فيها مسحة من التنازلات: هل يصح ان نشمت فى الرئيس وكل من القى القبض عليهم؟

على التساؤل الاول يصح ان نقول ان المحاكمات يجب ان تتناول ليس فقط الكسب غير المشروع، ولكن كل الجرائم التى جرت فى حق البلاد والشعب المصرى طوال السنوات الماضية؛ منها ما تم من بيع أرض البلاد لأجانب منهم يهود اسرائيليين، خاصة بيع اراض فى سيناء التى استشهد الالاف من ابنائنا لاستردادها سواء قبل او بعد حرب 1973؛ فهل من الممكن ان نبيعها بالمال لشركات اجنبية او افراد اجانب؟ ومنها ما تم من بيع اصول الدولة لشركات خاصة منها شركات اجنبية، لا تسدد ضرائب الى البلاد ولا تعود ارباحها الى عجلة الاقتصاد المصرى، فيتم استنزاف دماء الاقتصاد المصرى وثرواته الى الخارج. ومنها إهدار ثروات البلاد من مياه وطاقة كهربائية لصالح حفنة من المواطنين، مثل ثروة المياه التى، حسب قول الخبراء، اننا وصلنا فيها الى كارثة حقيقية، فى الوقت الذى تهدر لصالح رى اراض رياضة الجولف فى الساحل الشمالى وفى القطامية وفى مدن سياحية اخرى، بينما لا تجد الاحياء الفقيرة المياه الصالحة للشرب وفى الوقت الذى نروى فيه الاراضى الزراعية بمياه الصرف الصحى !!!! ومنها اهدار الطاقة الكهربائية فى انارة الطرق السريعة والطرق "السياحية" والمغالاة فى انارة الشركات والمتاجر طوال الليل، بينما تنقطع الكهرباء عن المواطنين فى مختلف الاحياء ويطلب منهم ترشيد استهلاكهم!!! ومنها إهدار الاراضى الزراعية لتحويلها الى مراكز تجارية او منتجعات سياحية، واهدار التقاوى الزراعية وتحويلها من تقاوى تحمل جينات مصرية تستخدم اكثر من مرة، الى تقاوى اجنبية لا تستخدم الا مرة واحدة ويرتفع سعرها فى كل عام. ومنها القضاء على الصناعات المصرية من صناعات استراتيجية الى اخرى استهلاكية، مثل الحديد والصلب والنسيج واخرى، واستيرادها من الخارج بأضعاف الاسعار. وتتحول مصر من دولة منتجة زراعيا وصناعيا الى مجرد دولة خدمات خاصة فى مجال السياحة.

وان كنا نطالب بمعاقبة كل من اجرم فى حق الوطن، فذلك ليس معناه التشفى فى المجرمين، ولكن معناه ان يحصل كل مجرم على نصيبه من العقاب الذى يستحقه، اولا حتى يطبق القانون على كل شخص بدون استثناءات، وثانيا حتى يدرك كل مواطن اليوم وفى المستقبل ان من يخطئ ينال عقابه؛ فلا يكون هناك سابقة تعطى للسلطات فى المستقبل مبررا للفساد مرة اخرى.

وان كانت التحقيقات تتم من اجل اعادة الاموال المهربة والكسب غير المشروع فذلك اولا واخيرا هى أموال الشعب ودافعى الضرائب الذين يكدحون ويعملون من اجل اطعام اطفالهم؛ لان كل من اكتسب بشكل مغالى فيه، من عمله هو فى النهاية موظف حكومة يحصل على راتب شهرى محدد يحصل عليه من دافعى الضرائب، وهدفه تقديم خدمه للوطن، وليس رجل اعمال هدفه هو الربح. لذلك فان المحاكمات التى تجرى هى محاكمات مشروعة وشرعية

8 Feb 2011

ومضات من ثورة 25 يناير 2011

 

انها النبتة الصغيرة التى بدأت تكبر وتقوى وترسل فروعها الى السماء. انها النبتة التى ظهرت كالمويض، هنا وهناك، تضئ بعض المدارس الفقيرة عندما يحيط بها   اهتمام وحب الشابات؛ وتضئ بيوت المزارعين البسيطة بقروض يستطيعون تسديدها. انها النبتة الصغيرة التى تدفع الشباب الى العمل فى مصر ويرفضون مغادرتها لان لديهم مشاريع كثيرة لوطنهم. وابناء وطنهم. كل تلك النبت كبر وطال وتحول الى غضبة كبيرة ومنها الى حركة، ومنها الى ثورة بكل معانى تلك الكلمة.

فما الثورة الا حركة قوية تقلب رأسا على عقب الوضع القائم، وتزيل طبقة حاكمة، وتعيد تشكيل الطبقات الاجتماعية، وتضع علامة النهاية على اسلوب حكم وحياة مرفوض.

ان مصر بعد 25 يناير لن تكون مثل مصر قبلها، والمصريون بعدها سيكونوا مختلفين، لأنهم تحرروا أساسا من الخوف؛ الخوف من النظام والخوف من المجهول والخوف من التكفير؛ وذلك هو اهم انواع التحرر. 

20 Jan 2010

العدو الحقيقى


يجب أن نتذكر دائما انه فى مثل تلك الأيام قبل عام شهدنا على شاشات التليفزيون الحرب التى شنتها إسرائيل بكل قسوة ضد أبناء غزة العزل من أطفال ونساء وشيوخ، وراح ضحيتها 1400 فلسطينى بأسلحة مدمرة استخدمت لأول مرة من اجل اختبارها.
ويجب أن ندرك من تلك العمليات، والحروب التى شنتها إسرائيل ضد جنوب لبنان حيث دمرت كل البنية التحتية والجسور والمبانى وكانت تجعل الأطفال الإسرائيليين يكتبون رسائل قاسية على الصواريخ المتجهة الى أطفال لبنان، أن إسرائيل هى العدو الحقيقى فى تلك المنطقة؛ وإننا لن نستطيع أبدا أن نعمل على التطبيع بينما العالم بدأ ينظر الى الدولة الإسرائيلية كدولة عنصرية تنتهك كل القوانين الإنسانية. فمنذ عام 2005 صوت اتحاد أساتذة الجامعة فى بريطانيا على مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، والتى اتهمت بالمشاركة فى قمع الفلسطينيين؛ وبعد الحرب على غزة تشكلت حملة كبيرة فى الولايات المتحدة من اجل مقاطعة إسرائيل اكاديميا وفنيا شارك فيها المبشر الجنوب افريقى ديزمونت توتو؛ وفى عام 2009 قام مجلس اتحاد العمال فى بريطانيا بعقد مؤتمر لبحث مقاطعة المنتجات الإسرائيلية.
فى نفس الوقت قامت حملات مقاطعة فى أمريكا ضد منتجات تجميل لشركة "أهافا"، أطلقت عليها اسم "الجمال المسروق" لان تلك المنتجات تصنع فى المستوطنات غير القانونية التى أقيمت فى الضفة الغربية؛ بينما تعرضت متاجر سينسبورى وتيسكو الى ضغوط كبيرة من اجل التنويه عن المنتجات الإسرائيلية التى صنعت فى المستوطنات. وفى استراليا، فقد مجمع يضم شركة فيوليا الفرنسية حق بناء مصنعا لتحلية المياه، بعد أن كشف الإعلام عن دور الشركة الفرنسية فى بناء خط سكة حديد يربط القدس بالمستوطنات، بينما قامت حكومة النرويج بسحب دعمها لشركة ايلبيت الإسرائيلية بعد أن تكشف دورها فى بناء الجدار العازل عبر فلسطين، وقال وزير المالية النرويجى أن حكومته لا ترغب فى تمويل الشركات التى تساهم بشكل مباشر فى انتهاك القوانين الإنسانية الدولية.
وأخيرا فلن ننسى أن القاضى الدولى، ريتشارد جولدستون، اصدر تقريرا عن بشاعة الانتهاكات الإسرائيلية فى غزة خلال تلك الحرب الأخيرة، مما دفع محكمة بريطانية الى إصدار أمر اعتقال تسيبى ليفنى، وزيرة الخارجية الإسرائيلية فى تلك الفترة، إن هى خطت بقدمها الأراضى البريطانية، وتوجيه لها اتهامات بارتكاب جرائم ضد البشرية، بينما تعرض ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلى فى ذلك الوقت لنفس المصير الذى استطاع التهرب منه بسبب الحصانة الدبلوماسية.
إن العدو الحقيقى للعرب هى إسرائيل. هذه حقيقة لا شك فيها. وان كان هناك تجاوزات من بعض الغزاويين فالسبب الرئيسى هو الاحتلال الإسرائيلى، ومحاصرة أبناء غزة ليصبح القطاع "اكبر سجن مفتوح" حرم عليهم فيه الطعام والشراب والدواء والعلاج والعمل والحياة. وأيا كانت العلاقات السياسية بين مصر وإسرائيل، فانه من الصعب قبول تطبيع العلاقات الثقافية والفنية والاجتماعية والأكاديمية وغيرها مع دولة تنتهك يوميا القوانين الإنسانية، وترتكب يوميا كل أنواع الجرائم التى تحرمها القوانين الدولية.

4 Nov 2009

صحوة العنصرية فى الغرب

تصور العالم أن انتخاب رئيس أمريكى ملون، لأول مرة فى تاريخ الولايات المتحدة يعنى أن الشعب الأمريكي قد وصل الى مستوى عال من النضج السياسى والاجتماعى وحقق السلام الداخلى بعد عقود من الاضطهاد العنصرى، والصراع الدموى من اجل حصول السود على حقوقهم المدنية. ولكن ما حدث فى الواقع هو أن العالم الغربى يشهد حاليا ومنذ نحو عام على صحوة عنصرية جديدة سواء فى الولايات المتحدة أو فى أوروبا.
فيرى بعض الخبراء فى علم الاجتماع أن انتخاب باراك اوباما رئيسا لأمريكا أدى بالعكس الى تفجر العنصرية على مختلف الطبقات؛ فقد بات لون الرئيس الأمريكى مادة للتفكه والسخرية فى البرامج الساخرة على القنوات الأمريكية التى تغطى البلاد كلها؛ كما ظهرت رسوم كاريكاتيرية عديدة تظهر اوباما فى شكل "ساحر أسود" أو يرتدى جلد قردة ويأكل الموز؛ كما بدأت تظهر مظاهر عنصرية كان المجتمع قد تصور إنها انتهت تماما، مثل اتهام رجل اسود يحاول الدخول الى منزل فى حى راق، بسرقة المنزل، بدون تصور أن هذا الرجل قد يكون صاحب المنزل لمجرد أن لونه أسود. كما أظهرت الإحصاءات تزايد عدد الجمعيات اليمينية المناهضة للسود فى العام الأخير، وتزايد نشاطهم وممارسة عمليات تعذيب واغتيال لمواطنين سود بيد البيض لأسباب عنصرية.
فى نفس الوقت ظهرت أيضا ممارسات عنصرية متزايدة فى أوروبا ضد المسلمين والعرب، كان أخرها عملية اغتيال المصرية مروة الشربينى التى لقت حتفها بيد ألمانى لمجرد إنها ترتدى الحجاب. وفى نفس الوقت نشر صحفى فرنسى من أصل جزائرى، يدعى مصطفى كيسوس، مقالا فى صحيفة لوموند الفرنسية واسعة الانتشار، والموجهة الى الصفوة و الطبقة المثقفة من متحدثى الفرنسى، عن تجربته كعربى فى المجتمع الفرنسى، وكيف أن مجرد أن اسمه "مصطفى" تتغير النظرة إليه، فيتم رفض تأجير مسكن له، بعد أن كان السكن متاحا فى مكالمة هاتفية، أو يتهم فى جريمة كان يقوم بتغطيتها بصفته صحفيا، لمجرد أن سماته عربية، أو يتشكك المصدر الذى اتفق معه على لقاء صحفى، من عمله فى صحيفة لوموند ويصر على أن يرى تحقيق الشخصية.
وقد فجر مقال مصطفى كيسوس ردود فعل واسعة النطاق، خاصة بعد تصريحات قالها وزير الداخلية الفرنسى بريس اورتوفو اعتبرت عنصرية، وتكشف من خلال التعليقات التى نشرتها الصحيفة الفرنسية فى موقعها على الانترنت الى أى مدى يشعر الفرنسيون من أصول عربية بالاضطهاد، حتى أن البعض يحاول إخفاء اسمه العربى، ووصف كيسوس تلك العملية وكأنه "اضطر لأن يبتر جزء من هويته".
مع تلك الصحوة التى أعادت الى الأذهان عصور مظلمة لم يمض عليها إلا بضعة عقود من السنين، تتردد تساؤلات حول ما أن كانت مشاعر العنصرية هى جزء من الطبيعة البشرية ام هى مشاعر مكتسبة؟ وهل تحمل الشعوب ذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال؟ أم أن هناك إمكانية لتغيير الإدراك المجتمعى بالثقافة والعلم؟ أو فى النهاية هى عملية يمكن توجيهها سياسيا؟ أيا كانت أصول وطبيعة تلك المشاعر فإنها بالتأكيد مسألة تثير مخاوف دفينة من احتمال تكرار ماضى تصور البعض إنه انتهى بلا رجعة.

24 Mar 2009

اعمار غزة مسئولية اسرائيل


بعد حرب إسرائيل ضد جنوب لبنان نظمت فرنسا مؤتمرا عالميا من اجل إعمار لبنان، وبعد أن قامت الترسانة العسكرية الأمريكية بتدمير العراق، نظمت أسبانيا مؤتمرا عالميا من اجل إعادة إعمار ما هدمته أمريكا؛ ثم قامت الترسانة الإسرائيلية مرة أخرى بتدمير غزة وسحق شعبها لأجيال قادمة، فتم تنظيم فى شرم الشيخ مؤتمرا عالميا لإعادة إعمارها. وكأن دول العالم، خاصة الدول العربية النفطية، باتت هى التى تتحمل مسئولية إعادة بناء ما تدمره إسرائيل وأمريكا.
ولكن فى الواقع فإن عملية إعمار غزة يجب أن تتناول بشئ كبير من الحذر. أولا لان لأن إسرائيل التى قامت بالهجوم المكثف على القطاع الصغير بعد 19 شهرا من الحصار والحظر الاقتصادي عليه، قصدت التدمير الكامل ليس فقط للمساكن والبنية التحتية وكل ما له صلة بكيان الدولة، بل أيضا للإنسان الفلسطينى والذى سيظل يعانى لأجيال عديدة قادمة. كما قصدت إسرائيل استخدام أسلحة حارقة مثل القنابل الفسفورية، التى تعتبر فى الأعراف الدولية أسلحة دمار شامل لأنها تدمر البيئة والمناخ والتربة، كما تحرق الأجساد الصغيرة، وتظل تنشط كلما اقترب احد من مكانها أو تلامست مع الهواء. ولقد ألمح بعض الخبراء الى أن تلك الأسلحة، التى تلقتها إسرائيل من الولايات المتحدة، استخدمت فى غزة على سبيل اختبارها، وذلك جريمة أخرى تضاف الى كل جرائم إسرائيل ضد الإنسانية.
ثانيا إسرائيل، باعتبارها سلطة احتلال، تقع عليها مسئولية المحافظة على المنشآت فى الدولة التى تحتلها، حسب القوانين الدولية، كما تقع عليها مسئولية حماية المدنيين الذين يقعون تحت سلطتها. ولكن ما يحدث هو العكس فان إسرائيل هى التى تقوم بالإضرار بكل المنشآت والبشر، وهى جريمة أخرى تضاف الى جرائمها ضد السلام.
ثالثا، تحصل إسرائيل على كل المساعدات المادية والعسكرية من الولايات المتحدة، والتى تستخدمها فى هجماتها على المناطق العربية على حدودها، ثم يتم تنظيم مؤتمرا للدول المانحة لمنح مساعدات مادية يقال إنها ستوؤل الى الشعب الفلسطينى ولكن فى الحقيقة ستذهب الى الشركات الكبرى التى هى فى الأصل غربية، وهى التى ستقوم بمهام إعادة الإعمار؛ فان كانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت تقديم 900 مليون دولار مساعدات الى حكومة سلام فياض وغزة، فلا ننسى انها كانت قد تعهدت الى إسرائيل بتقديمها 30 مليار دولار كمساعدات دفاعية حتى نهاية عام 2017.
رابعا، تقول الصحفية الإسرائيلية عميرا هاس، أن المجتمع الدولى تعهد بتقديم مئات ملايين من اليورو معونات ومنح لغزة، وكأن الدمار حدث نتيجة كارثة طبيعية، وفى نفس الوقت تستمر أوروبا فى دعم علاقاتها التجارية مع إسرائيل التى تبيع لأوروبا المعلومات العسكرية والدفاعية التى حصلت عليها نتيجة لظروف الاحتلال وتحليلها لتأثير الأسلحة الجديدة التى تستخدمها ضد المدنيين الفلسطينيين، الذين تعتبرهم الصحفية الإسرائيلية بمثابة مختبر علمى. وذلك جريمة أخرى تضاف الى جرائم الحرب التى ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
أن محاولات إعادة إعمار غزة قبل إجراء تحقيقا دوليا حقيقيا فيما حدث بالفعل هناك خلال 32 يوما من الدك والقصف والتدمير بأسلحة محرمة دوليا، استخدمت لاختبارها، سوف يمحو كل أدلة على الجريمة البشعة التى ارتكبتها إسرائيل. كما أن التحول الى الدول العربية والمجتمع الدولى لإعادة بناء ما دمرته إسرائيل، ينفى عنها المسئولية؛ نفس تلك المسئولية التى تحملها الدولة العبرية على كل الدول الأوروبية التى كانت لها يد من قريب أو بعيد فى الجرائم التى ارتكبتها النازية ضد اليهود فى الحرب العالمية الثانية؛ ولازالت الى اليوم تفرض عليهم دفع التعويضات والاعتراف بجريمتهم والاعتذار عنها.
فان كانت إسرائيل تعمل على ألا ينسى العالم المحرقة والإبادة الجماعية ضد اليهود فى الأربعينات من القرن الماضى، فلا يجب أن ينسى العالم كل الجرائم التى يرتكبها أبناء وأحفاد ضحايا المحرقة اليهود ضد أطفال ونساء والمدنيين من الشعب الفلسطينى، ويجب أن يتحملوا مسئوليتها أمام التاريخ.

22 Jan 2009

لماذا غزت إسرائيل غزة؟


يقول جيمس بيتراس، الكاتب الامريكى، أن الخطة العسكرية الإسرائيلية استهدفت المراكز التى تضم اكبر عدد من المواطنين الفلسطينيين، فدمرت الجامعة الأساسية التى يدرس فيها أكثر من 18 ألف طالب فلسطينى، معظمهم من الفتيات، ودمرت المساجد والصيدليات وخطوط الكهرباء والمياه ومحطات الكهرباء وقرى الصيد وقوارب الصيد وميناء الصيد الصغير، الذى كان يمد أهل القطاع الجوعى بأقل القليل من الأسماك. كما دمروا كما يقول بيتراس الطرق ووسائل المواصلات ومخازن الطعام والمصانع الصغيرة والمتاجر والمنازل. ففى رأى بيتراس كان لابد لإسرائيل أن تدمر كل أوجه الحياة التى تسمح للمواطنين بالبقاء والعيش مع بعض الكرامة والاستقلال.
وكل ما سبق لن يتوقف حتى ولو تنحت حماس عن الحكم. فتقول جنيفر لوينشتاين مدير مساعد برنامج دراسات الشرق الأوسط فى جامعة ويسكونسون- ماديسون الأمريكية، أن ما يحدث فى قطاع غزة منذ أكثر من أسبوع ليس له أية علاقة بحماس، وليس له أية علاقة بالإرهاب، ولا بضرورة الأمن الإسرائيلى أو بحزب الله أو بسوريا أو إيران. إنها حرب تهدف الى استعباد شعب كامل جرؤ يوما ما على المطالبة بحقه فى البقاء وفى وطن ذى سيادة؛ شعب جرؤ يوما ما على المطالبة بان تكون ثرواته ملكا له، ويرفض أية قواعد عسكرية إمبريالية على أرضه.
كما أكدت جنيفر الى أن الحرب الحالية فى غزة ليس لها علاقة بالجماعات الإسلامية أو بالحرية أو الديمقراطية أو العدالة أو السلام، لان كل رموز المقاومة تتغير وتغيرت عبر السنين، من فتح والجبهة الفلسطينية لتحرير فلسطين التى رأسها حبش، الى حماس؛ لان، كما تقول الباحثة الأمريكية، إسرائيل لا تريد السماح بوجود دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للاستمرار عند حدودها. فلم يكن فى نيتها ذلك فى عام 1948 ولا فى الخمسينات ولا فى عام 1967 ولا فى عام 1974، ولا كان فى نيتها العمل على حل عادل فى عام 1978 أو 1982، عندما غزت بيروت وسحقت العاصمة اللبنانية؛ ولم يكن فى نيتها الموافقة على الدولة الفلسطينية فى مدريد ولا فى اوسلو؛ لذلك فسواء بقت حماس أو رحلت، فان إسرائيل لن تقبل أبدا بوجود دولة وسلطة فلسطينية عند حدودها تطالب بحقها فى السيادة والمساواة مع سائر دول المنطقة. ولكن إسرائيل لا تعرف إنها مع كل قنبلة تسقط انما تغذى ارض الانتقام والمرارة والكراهية، وذلك ليس فقط فى فلسطين ولكن فى سائر دول المنطقة.
وفى نفس الوقت كتب نورمان فينكلشتاين، الكاتب الامريكى اليهودى، صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست" يقول فى حوار مع برس تى فى، أن أهداف الحكومة الإسرائيلية هى إقامة ما تصفه "بقدرات الردع"، وهو ما يعنى فى نظر فينكلشتاين ترويع الدول العربية الأخرى فى المنطقة. فيرى فينكلشتاين أنه بعد هزيمة إسرائيل من حزب الله فى جنوب لبنان، وبعد صعوبة شن هجوما على إيران، أصبح من الضرورى أن تهاجم حماس التى تتحدى رغبة إسرائيل. ويؤكد فينكلشتاين أن الصحف الإسرائيلية تشير الى أن ايهود باراك وزير الدفاع كان يخطط للهجوم قبل وقف اطلاق النار الأخير، وكان ينتظر أى استفزاز من الفلسطينيين ليبدأ تنفيذ الخطة. وفى 4 نوفمبر كسرت إسرائيل اتفاقية وقف إطلاق النار مع حماس وهى تعلم تماما أنها أن قتلت ستة من النشطاء الفلسطينيين، فانهم سوف يحاولون الانتقام. فى تلك الحالة ستجد إسرائيل المبرر للغزو. وبالتالى تنشر الخوف من إسرائيل من خلال ما وصفه فينكلشتاين بحمام الدم فى غزة. وما يحدث فى غزة اليوم هو تصحيح أخطاء إسرائيل التى ارتكبتها فى جنوب لبنان عام 2006. فقد قررت فى غزة أن تقوم بعملية كاسحة تتسبب فى مذابح على اكبر نطاق ممكن، حتى تردع أى دولة عربية أخرى تحاول تحدى سلطة إسرائيل.

يؤكد الصحفى البريطانى جوهان هارى فى صحيفة الاندبندنت، أن إسرائيل حقيقة تريد السلام، ولكنها تريد السلام الذى تفرضه هى بشروطها هى، والذى يقوم على قبول الفلسطينيين بهزيمتهم. هذا السلام يعنى أن تبقى إسرائيل على كبرى مستوطناتها وتسيطر على الموارد المائية، ويعنى أن تبقى فلسطين منقسمة، حيث تتحول مسئولية غزة الى مصر، وتبقى الضفة الغربية المقسمة، وحدها. وتعرف إسرائيل تماما أن هذا النوع من السلام لن يتحقق من خلال المفاوضات؛ ولكن الواقع يؤكد، حسب الكاتب البريطانى، أن السلام المفروض لن يوقف إطلاق الصواريخ ولا الغضب الشعبى، وان فى النهاية سوف يكون عليها أن تتفاوض مع الشعب الذى تقوم بقصفه اليوم، ويجب عليها أن تجد حلول وسط معه.

الانتصار السهل

من المؤكد أن إسرائيل تشن حربا بلا بطولة؛ فمهما حدث فى تلك المنطقة، ومهما وصلت انتصارات إسرائيل، فان قواتها لن تستطيع أبدا أن تشعر بالفخر، تماما كما حدث فى حربها ضد أطفال الحجارة فى الانتفاضة الاولى، وتماما مثلما حدث مع أمريكا فى العراق، وكما فعلت إسرائيل فى جنوب لبنان.
نفس السيناريو الذى حدث مع العراق فى التسعينات وحتى الغزو فى 2003، حدث فى قطاع غزة مع اختلاف القوتين: فقد فرضت إسرائيل على القطاع عقابا اقتصاديا وحصارا منيعا استمر 19 شهرا، الى أن فقد الشعب الفلسطينى كل قدراته على الحياة ولم يعد يستطيع أبناءه وأطفاله الحصول على الطعام أو الشراب أو الدواء أو الكهرباء، وقضى على جيل كامل من الفلسطينيين؛ ذلك مهد الأرض لغزو سهل، فأرسلت إسرائيل طائراتها بلا طيار، تدك ما تبقى من أطلال فى القطاع وتحصد أرواح المئات وتدمر المنازل والمساجد والبنية التحتية للقطاع كله.. فهل تشعر إسرائيل بالفخر أمام هذا الانتصار السهل؟

31 Dec 2008

يد الغدر تضرب فى غزة

لم يكن غريبا أن تضرب إسرائيل بيد الغدر على سكان غزة بعد أن أعدت الأرضية فى البلاد العربية وفى الخارج لتبرر أعنف هجوم دموى تقوم به ضد أبناء غزة العزل منذ حرب 1967.
نفس السيناريو الذى وضعته الولايات المتحدة لضرب العراق فى عام 2003 قامت إسرائيل بتطبيقه فى غزة. فقد وضعت أولا القطاع الفلسطينى تحت الحصار المشدد لأكثر من 19 شهرا الى أن حولت الشعب الفلسطينى فى القطاع الى "شحاذين" كما قال احد الكتاب، فهم يأكلون الحشائش ويموتون فى المستشفيات بسبب غياب الدواء وانقطاع الكهرباء عن الأجهزة الطبية؛ ومنعت المعونات من الوصول إليهم سواء من البحر أو من البر. ويصف المراقبون الأطفال الجوعى والمرضى بأنهم "جيل من الجفاف".
ثم فرضت إسرائيل تعتيما إعلاميا على القطاع، فمنعت الصحافة الأجنبية من تغطية الأحداث داخل القطاع؛ كما منعت مسئولا من المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من دخول غزة، بل وقامت باعتقاله عند دخوله البلاد ومنعته من القيام بمهامه الرسمية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، ثم رحلته.
وتأتى الخطوة الثالثة عندما بدأت إسرائيل فى تخدير الرأى العام العالمى، عن طريق طرح أراء حول التهدئة والسلام، كما فعل ايهود اولمرت رئيس الوزراء المستقيل الذى أعلن فى شهر سبتمبر الماضى، "تراجعه عن فكرة تمسك إسرائيل بالضفة الغربية وقطاع غزة وقال أن تصور "إسرائيل الكبرى" قد انتهى، ليس هناك شيئا مماثلا. واى شخص يتحدث عن مثل تلك الرؤية فهو يعيش فى الوهم". وفى نفس الشهر قال اولمرت فى تصريحات صحفية أن على إسرائيل أن تغادر كل الأراضى التى احتلتها عام 1967 مقابل السلام مع الفلسطينيين، بما فيها الضفة الغربية وهضبة الجولان وأيضا القدس الشرقية. مؤكدا انه يطرح ما لم يطرحه أى مسئول إسرائيلى من قبل. تماما مثلما عرض ايهود باراك رئيس الوزراء الأسبق على الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات فى 2002 السلام وإعادة كافة الأراضى الفلسطينية.
ومثلما حدث فى 2002 حدث مرة أخرى فى 2008، بعد تلك الهدية المسمومة، انقلب فى المرة الاولى أرييل شارون على الوضع ودخل ساحة المسجد الاقصى بألف جندى، مما أدى الى تفجر الانتفاضة الثانية؛ واليوم، بعد اشهر قليلة دكت القوات الجوية الإسرائيلية قطاع غزة فيما وصف بأنها أسوأ عملية عسكرية دموية منذ حرب 67. وذلك حتى يلقى اللوم كله على الفلسطينيين.
ولكن كل شئ كان معدا لهذا اليوم خاصة بعد أن أعلن الرئيس الامريكى المنتخب، باراك اوباما أن إسرائيل هى أهم حليف لها فى المنطقة، وبعد أن أعلن الاتحاد الأوروبى تحت الرئاسة الفرنسية رفع مستوى التعامل مع إسرائيل.
واليوم عندما قامت إسرائيل بدك غزة فى منتصف النهار، بينما كان أطفال المدارس فى طريقهم من والى مدارسهم، وكانت الشوارع تعج بالمارة والمدنيين، ليسقط المئات قتلى وجرحى، لم ترفع أى حكومة مسئولة فى أوروبا أو الولايات المتحدة صوتها لكى تدين العدوان. فهم لازالوا تحت تأثير التخدير.

فى عام 2001، وضعت الولايات المتحدة تفسيرها للإرهاب، فى الأمر التنفيذى رقم 13224 ووصفته بأنه: نشاط يضم عملا عنيفا أو خطيرا يضر بحياة الإنسان أو الملكية أو البنية التحتية؛ وهو نشاطا مقصودا ذا نية مبيتة يهدف الى تخويف أو قمع السكان المدنيين، والتأثير على سياسة الحكومة من خلال التخويف أو القمع؛ أو التأثير على تصرف الحكومة من خلال التدمير على نطاق واسع، أو القتل أو الخطف أو احتجاز رهائن. هذا الأمر التنفيذى وقعه جورج بوش فى 23 سبتمبر عام 2001، ويستخدم للقضاء على أى منظمة أو شخص أو دولة لا تريده. ولكن نفس التفسير ينطبق على إسرائيل وتصرفاتها مع الفلسطينيين على مدى ستين عام، ولكن لم يتهمها احد أبدا بالإرهاب؛ برغم خطتها الواضحة فى عملية التطهير العرقى المستمر حتى اليوم.

10 Nov 2008

اختيارات اوباما

سعد الجميع بانتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة؛ سواء كانوا من الأمريكيين أو الأجانب، من اليسار أو اليمين، من العالم الأول أو العالم الثالث، من الأغنياء أو الفقراء، من الصهاينة أو العرب. الجميع شعر بسعادة كبيرة لخروج جورج بوش من البيت الأبيض، والجميع شعر بالأمل فى الإدارة الجديدة التى سيرأسها رجل امريكى اسود من أصول كينية وإسلامية، تربى فى عائلة بيضاء مسيحية؛ لأن كل فئة أو دولة أو مجموعة ترى فى اوباما التغيير للأفضل، ايا كان هذا الأفضل.
هذا الموقف يعيد الى الأذهان تلك اللحظة التاريخية التى أختير فيها الجنرال شارل ديجول ليتولى السلطة فى فرنسا الجمهورية الرابعة قبل أن يغير دستورها ويشكل الجمهورية الخامسة؛ فى تلك الفترة سعد الجميع بعودة ديجول الى السلطة، سواء من المدنيين أو العسكريين، من أنصار الجزائر فرنسية، أو من دعاة الاستقلال؛ هل كان هناك تناقضا فى الرؤية؟ أم سوء تقدير أو سوء فهم؟
ليس هناك سوء فهم على أى جانب. فمثلما حدث مع ديجول، يتوقع كل جانب أن ينتهج الرئيس الجديد السياسة التى يتوق إليها وتؤيده، لأن كل جانب يرى فى الرئيس الجديد نهاية عصر بث الكثير من الآلام، وبداية أخر يتمنى أن يكون أفضل. فيرى المجتمع الأسود الامريكى أن انتخاب شخص منهم يعنى أن كل شئ أصبح ممكنا، ويرى البيض أن انتخاب اوباما سيغير صورة أمريكا فى العالم بعد ان تشوهت بسبب سياسة بوش؛ ويرى اللوبى الإسرائيلى أن اختيار اوباما لرام إسرائيل امانويل رسالة الى الشرق الأوسط أن الرئيس الجديد سيسير على خطى السابقين من اجل إنهاء العملية التى بدأها شارون فى ترحيل الفلسطينيين واعلان القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل. بينما يرى العرب أن اوباما الذى يحمل دماء إسلامية افريقية، قد يكون أكثر تفهما لمأساة الشعب الفلسطينى التى تتفاقم كل يوم أكثر من اليوم السابق؛ تأمل أوروبا فى دور امريكى جديد تتعامل من خلاله كشريك، وليس كدولة عظمى، بينما تأمل الصين فى علاقات متغيرة مع الإدارة الجديدة.
ولكن اين اوباما من كل ذلك؟ فى أى جانب يقف؟ مثل ديجول فى عام 1958، قد يكون اوباما نفسه لا يعرف أى الطرق ينتهج، وأى الاتجاهات يختار؟ فان كانت خطبه تشير الى تمتع الرئيس الامريكى بالهدوء والثقة والتوازن الفكرى، فان اختياراته لمساعديه فى البيت الأبيض حتى الآن، تشير الى توجه أخر أكثر الى اليمين عنه الى اليسار الذى جاء منه. أن على اوباما أن يفكر كثيرا خلال الأسابيع المقبلة وقبل حلفه اليمين ليكون رسميا أول رئيس اسود فى البيت الأبيض، أن يفكر بشكل خاص فى كل هؤلاء الذين اختاروه ووضعوا أملهم فيه. لأن نجاحه كرئيس يعتمد أساسا على انتهاجه سياسته هو التى يضعها من وحى فكره وشخصيته وتوجهاته، بهدف تحقيق حلم البسطاء مثله، وليس على انتهاجه سياسة تفرضها عليه القوى الأخرى والمؤسسات الكبرى التى تعمل لصالح نفسها، وتتعهد له بفترة رئاسية ثانية.

6 Nov 2008

عصر جديد فى امريكا


لا تتوان الولايات المتحدة فى إدهاش العالم. وفى 4 نوفمبر صنعت مرة أخرى التاريخ عندما أعطت الفوز بالرئاسة لأول امريكى من أصول افريقية، ليصل عصر من العنصرية الى نهاية الطريق، ويحقق باراك اوباما "الحلم" الذى كان يحلم به مارتن لوثر كينج وجيل كامل من السود فى الستينات.
والتساؤلات تطرح بشدة: لماذا فاز اوباما الأسود؟ ما الذى يستطيع أن يغيره من سياسات أمريكا فى الخارج؟ هل الرسالة ستبقى والذى يتغير هو حامل الرسالة؟ إن فوز اوباما يعنى أن الناخب الامريكى رفض كل ما يمثله جون ماكين، وهو أساسا شيئين مهمين: فقد رفض الناخب الامريكى الفكر الجمهورى الذى يمثله ماكين والذى بالضرورة سيكون امتدادا لسياسات جورج بوش، الذى اعتبر فى كل الاستطلاعات أسوأ رئيس فى تاريخ الولايات المتحدة. وهو الفكر الذى يمتد من الهيمنة الإمبريالية فى العالم الى اقتصاد السوق الحر بالكامل؛ والذى يمتد من العنجهية وعقاب كل من يعارض سواء كانت دولة صغيرة أو كبيرة، الى خلق مناخا من الخوف فى الداخل وفى الخارج للحصول على تفويض لتطبيق سياسات غير شعبية؛ والذى يمتد من ممارسة الأكاذيب الدائمة والمستمرة على كل المستويات لإقناع الرأى العام بشرعية سياساته، الى إعطاء العالم صورة كريهة للولايات المتحدة فى أنحاء العالم.
كما رفض الناخب الامريكى بأغلبيته الساحقة ما يمثله جون ماكين من توجه عسكرى، رافضا بذلك سياسة الحرب التى انتهجها بوش على جميع الجبهات، بعد أن شن حربه الشهيرة ضد الإرهاب. فلم يتوان جون ماكين على امتداد حملته الانتخابية فى التركيز على تاريخه العسكرى فى فيتنام وعلى فترة أسره فى سجونها وعذابه وتعذيبه، فى محاولة لان يستمد شرعيته من العسكرية. ولكن فى 4 نوفمبر كانت رسالة الناخب الامريكى رفض تلك الشرعية التى ورطت جنوده وأبناءه فى حروب غير كريمة فى أفغانستان وفى العراق بكل ما تكشف عن خبايا تلك الحروب من ممارسات دونية شوهت صورة الشرف العسكرى، سواء من جنودها المرتزقة أو قواتها النظامية.
لذلك كان توجه الناخب الامريكى الى المرشح الديمقراطى الذى قرر أن يكون ما يمثله هو العكس تماما عما يمثله غريمه الجمهورى. فان اوباما هو امتداد لتاريخ من الصراع العرقى للحصول على الحقوق المدنية وانتزاع الاحترام لأمريكيين من أصول افريقية، وان كان اوباما من أب أفريقى فهو يتمتع بميزة كبيرة، وهو انه ليس من سلالة عبيد، فان والده كان كينيا حرا جاء الى الولايات المتحدة ليدرس، وتلك نقطة مهمة فى اختياره؛ ولكن اوباما ليس الماضى، بل هو يمثل أيضا المستقبل، سواء من خلال الجيل الذى ينتمى إليه حسب عمره، 47 عاما، أو مستقبل بلاد قال عنها اوباما: "إنها ليست ولايات بيضاء أو ولايات سوداء أو ولايات زرقاء، بل هى الولايات المتحدة" التى تضم كل أنواع الجنسيات والأعراق والمذاهب، والتى صنعت من قبل وتصنع دائما ما تتميز به.
هل ستتغير أمريكا فى ظل رئاسة اوباما؟ فى الداخل ستتغير أمريكا بكل تأكيد، فان السياسة الاجتماعية والاقتصادية والمالية التى سينتهجها باراك اوباما الديمقراطى هى مختلفة عن سياسة الجمهورى؛ فإن كان الأخير يهتم بالطبقات الرأسمالية على أساس أن الخير الذى يعم فى القمة سوف ينتقل بالضرورة الى أسفل، فإن الديمقراطيين يعملون مباشرة مع الطبقات الأقل حظا فى تطبيق سياسات الضرائب أو التأمين الاجتماعى، كما أن تدخل الإدارة الفيدرالية سيأخذ حيزا اكبر مما كان عليه الوضع فى عصر رئاسة الجمهوريين، خاصة بعد أن اعترف آلان جرينسبان، وزير الخزانة الأمريكي السابق والرجل الذى تبنى سياسة السوق الحر بكل حذافيرها، بفشل تلك السياسة.
أما خارجيا، فهناك الكثير من علامات الاستفهام. خاصة فيما يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين وفى سياساتها تجاه القوى الواعدة الأخرى مثل الصين وروسيا والهند، أو فى الشرق الأوسط، أكثر المناطق التهابا. أن السياسات الكبرى بالنسبة للدول، لا يمكن أن تتغير بسرعة مع تغيير القاطن فى مبنى الرئاسة، لأنها تحكمها بالضرورة التزامات دولية كبرى من الصعب تغييرها ما بين ليلة وضحاها. وذلك ينطبق أيضا على البيت الأبيض. ولكن أن كان هناك مؤسسة تضع السياسات الأمريكية وعلى الرئيس تطبيقها، فان من المتوقع أن يضع باراك اوباما بصمته وأسلوبه على تلك السياسة، من خلال اختياره لمستشاريه ومن خلال شخصيته الايجابية.
لذلك فمن المتوقع أن تبقى السياسات التى وضعها بوش من قبل، وبالذات الحرب ضد الإرهاب وملاحقة القاعدة، ولو الى حين؛ ولكن أمريكا ستحاول فى الفترة المقبلة أن تحسن من صورتها التى تشوهت تماما فى عصر بوش. لذلك فان اوباما سيغير الأسلوب الذى تتعامل به أمريكا مع الخارج، ويصبح الحوار والنقاش هو السمة الأساسية فمع حلفاءه الأوروبيين. من المتوقع أن يكون هناك حوارا أكبر ونقاشا بين الآراء مع الحق فى الاختلاف بدون الخوف من العقاب.
أما بالنسبة للشرق الأوسط والعلاقات مع إسرائيل، فان عوامل كثيرة تحكمها، وتربطها علاقات عضوية خارجية وداخلية، تزيد تعقيداتها. فلن ننسى أن أول خطاب ألقاها اوباما بعد إعلانه رسميا ترشيحه للرئاسة كان فى اكبر مركز للوبى الإسرائيلى فى الولايات المتحدة، الايباك، حيث أعلن انه سيعمل من اجل أن تكون القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل. هل كان ذلك محاولة لجذب الاهتمام والمساندة اليهودية؟ هل هى ذلة لسان؟ أم إنها سياسة حقيقية؟ ذلك ما يجب أن تعمل الدول والحكومات العربية والفلسطينية على اكتشافه.
أن على باراك اوباما مهمة صعبة لتغيير ثمانى سنوات من السياسة الخطأ، وحملا ثقيلا لأجيال وأجيال من الصراع العرقى، ومسئولية وضعت على عاتقه يجب أن ينجح فيها وإلا سيقال انه فشل لأنه أسود وليس لأى سبب أخر.

الهدية المسمومة

قدم صندوق النقد الدولى عرضا سخيا الى دول العالم الثالث، فتعهد رئيسه دومينيك ستراوس- كان، باستخدام كل موارد المؤسسة المالية الدولية لمساعدة الدول النامية على تقوية اقتصادياتها وتعزيز أنظمتها المالية وحماية المتضررين من تداعيات الأزمة المالية العالمية. ولكن يأتى العرض بعد أيام قليلة من تحذيرات رئيس البنك الدولى ريتشارد زوليك، من أن العالم الثالث والدول النامية هى أكثر المتضررين من الأزمة المالية وكأن الأخير قد مهد الطريق عن طريق بث الخوف فى النفوس، حتى لا تستطيع الدول النامية رفض العرض السخى.

ولكن لماذا ترفض الدول النامية هدية صندوق النقد الدولى؟ لماذا تدير ظهرها لكل تلك الأموال الغزيرة، التى سوف تساعدها بلا شك، فى مواجهة الأزمة؟ ولماذا التشكيك فى هذا الكرم الدولى؟ لأنه فى خارجه كرما، وفى جوهره يحمل الكثير من السموم. لأن الهدية هى فى الحقيقة فصل جديد من الفصول التى كتب عنها جون بيركينز، الخبير الاقتصادي، وصاحب كتاب "اعترافات قاتل اقتصادى مأجور"، تهدف الى إعداد الظروف لكى تضع المؤسسة الدولية يدها على ثروات تلك الدولة؛ فتبدأ الفصول بإغراق الدولة التى وقع عليها الاختيار بالقروض، وبالتالى بالديون، الى أن تصبح غير قادرة على السداد. ثم يبدأ الفصل الثانى بتوجيه إنذار شديد اللهجة الى تلك الدولة، بضرورة الدفع وإلا...، ويبدأ الفصل الأخير بالتهديد بالقتل أو إثارة إضطرابات شعبية تؤدى الى إسقاط النظام الحاكم، إلا إذا وافق النظام على التنازل عن سيادته على ثرواته. ولا ننسى أيضا أن القروض المعروضة لن تذهب الى شركات وطنية، بل الى شركات كبرى تعددية متعددة الجنسيات التى ستقوم بالاستثمار فى الدولة.
أن السيناريوهات المختلفة التى تم الإعلان عنها تتطابق مع نظرية نعومى كلاين التى كتبت عنها فى كتاب "عقيدة الصدمة" ووصفت كيف تقوم الشركات الكبرى باستغلال الأزمات والإضطرابات التى تحدث فى مكان ما، أو التى تثيرها فى أحيان أخرى، من اجل أن تتدخل لتحول المكان لصالحها، أى لصالح حفنة من الأشخاص، وغالبا ما يكون الفقراء هم دائما الضحية. وتعطى كلاين أمثلة عما حدث فى دول تعرضت لكوارث طبيعية مثل التسونامى الذى دمر وأغرق مدنا كاملة فى جنوب شرق أسيا، فتدخلت الشركات الكبرى بحجة الاستثمار لإعادة بناء المدن، فقامت بالفعل بإعادة البناء ولكن ليس منازل للصيادين بل منتجعات مرفهة، ومراكز تجارية ضخمة، أما الصيادون فقد وجدوا أنفسهم بلا مأوى فى المنطقة التى كانوا يعملون فيها ويحصلون منها على رزقهم. نفس الشئ حدث فى نيو اورليانز بالولايات المتحدة التى غرقت أيضا بعد إعصار كاترينا، فكانت فرصة لإلقاء السكان الأصليين الفقراء خارج المنطقة وأعيد بناء المدينة لصالح طبقة أخرى تماما.
من جهة أخرى يتم إثارة إضطرابات مقصودة، مثلما حدث فى بعض دول أمريكا اللاتينية مثل شيلى أو كما حدث فى العراق، وتستغل تلك الإضطرابات لإزالة كل ما كان فى السابق، وإعادة البناء حسب مصلحة الإدارة الأمريكية والشركات متعددة الجنسيات، حتى ولو كان ما أزالوه حضارات عريقة.
لذلك فان الأزمة المالية التى نشهدها الآن ليست بعيدة تماما عن السيناريوهات التى وصفها بيركينز وكلاين، ويمكن توقع ما سوف يحدث فى الأيام المقبلة، خاصة بعد تحذير رئيس البنك الدولى والعرض السخى الذى تلاه مقدما من رئيس صندوق النقد الدولى.

فما العمل؟ هل نستسلم الى إغراء الأموال المتدفقة؟ أم نستسلم لعواقب الأزمة الطاحنة؟ أننا لسنا بحاجة لا للحل الأول ولا للثانى، بل يمكن تأمل حلولا أخرى كثيرة سبقتنا إليها دول أخرى فى أمريكا اللاتينية والصين وغيرها، يمكن أن نختار منها ما يناسبنا. وبداية علينا وضع الأسس التى سوف نسير عليها، والتى يمكن تلخيصها فى نقطتين: أولا الاعتماد على أنفسنا وعلى قدراتنا الذاتية مهما كانت متواضعة للتخلص من قبضة المؤسستين الدوليتين؛ وثانيا، تأمل الفكرة التى يطرحها محمد يونس الحائز على جائزة نوبل فى السلام فى العام الماضى، وصاحب بنك الفقراء فى بنجلادش. فيعترض يونس على الرأسمالية التى تضع الربح والنمو السريع فى أولوياتها الأساسية، ويرى أن ذلك هو ما أفرز الأزمة الحالية؛ ودعا الى وضع الفائدة الإنسانية والبشرية لتكون هى الهدف والحافز الأساسى للرأسمالية، بجانب الربح المعقول؛ ودعا الى استثمار الأموال فى شئ ذات معنى من اجل تحسين نوعية الحياة للمجتمع كله وليس فئة واحدة منه.
يرى محمد يونس ان الرأسمالية الحالية تدهورت لتصبح مجرد ناديا للقمار، فساد الجشع الأسواق المالية، ووصلت المضاربات الى نسب كارثية، ودعا الى وقف كل ذلك، وربط الاستثمارات بالاقتصاد الحقيقي وبأصول واقعية، وليس بقصور فى الهواء. لان الأزمة الحقيقية تظهر عندما يعيش المواطن يحلم بقصور فى الهواء، ثم يدرك فى لحظة أن تلك القصور ليس لها وجود.

14 Oct 2008

بينما العالم مشغول بالازمة...


فى الوقت الذى ينشغل فيه العالم بالأزمة المالية التى ألمت بالأسواق، وفى الوقت الذى تركز فيه وسائل الإعلام الغربى على الخطر الذى يهددها، تتحرك إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية بلا رقيب أو حسيب، ترتكب المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان والمزيد من الجرائم ضد البشرية. نفس تلك الحقوق التى أعلنت الأمم المتحدة أن إسرائيل انتهكتها فى غاراتها ضد بيت حنون.
هذه المرة تقوم إسرائيل بوضع خطة من اجل إعادة فتح مقلب نفايات سامة بالقرب من منطقة تضم العديد من الآبار المهمة فى الضفة الغربية بالقرب من قرية دير شرف. وكانت إسرائيل قد اضطرت الى إغلاق المقلب فى عام 2005 حيث كانت تلقى بنفايات عدة مدن إسرائيلية ومستوطنات يهودية فى الضفة الغربية، بعد احتجاجات ضخمة من الفلسطينيين المقيمين فى المنطقة بسبب نتائج تلك النفايات على مياه الآبار، وبالتالى تلويث المياه التى تروى الأراضى الزراعية الفلسطينية.
وقال خبراء مياه واراضى فلسطينيون أن المنطقة تضم خمسة آبار تمد قرية دير شرف ومدينة نابلس أهم مدن شمالى الضفة الغربية وقرية بيت ايبا، بالمياه التى يعتمد عليها عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
ولكن مؤخرا بدأ العمال الإسرائيليون يظهرون مرة أخرى فى الموقع مما أُثار مخاوف الفلسطينيين من أن تحاول إسرائيل إعادة فتح المقلب مرة أخرى. وخرج الفلسطينيون مرة أخرى فى مظاهرات احتجاجية بعد صلاة الجمعة فى الأسبوع الماضى يحملون اللافتات التى تطالب بوقف فتح مقلب النفايات على الأراضى الفلسطينية، وتؤكد إنها تدمر البيئة الفلسطينية.
وكأن إسرائيل تحاول الاختباء وراء الأحداث العالمية وانشغال الإعلام بالأزمة المالية لكى تقوم بتمرير قرارات ضمن سلسلة القرارات التى تتخذها ضد الوجود الفلسطينى فى الأراضى، من اجل دفعهم بأى شكل من الأشكال، خارج المنطقة فى عملية "تطهير عرقى"، وذلك سواء من خلال القمع أو القتل أو تدمير البيئة والاراضى والزراعة التى يعيشون عليها ومن خيراتها.
والغريب أن تعمل إسرائيل على تلويث المياه الفلسطينية فى الوقت الذى أطلق فيه خبير مياه اسرائيلى صرخة إنذار فى شهر يولية الماضى، أعلن فيها أن إسرائيل تشهد أسوأ أزمة مياه فى تاريخها، مؤكدا إنها تتجه نحو الكارثة. وأكد الخبير أن على إسرائيل اتخاذ عدد من القرارات لمواجهة هذا الخطر، الذى يهدد الضفة الغربية أيضا بعد أن اعتبر عام 2008 عام الجفاف.
الغريب أن إسرائيل فى مواجهة هذا الخطر لا تحاول التفاوض ولا التعاون، ولكن تعمل من ناحية على حرمان الفلسطينيين من مياههم، وتشن من ناحية أخرى الحروب ضد الدول المجاورة مثل جنوب لبنان للوصول الى نهر الليطانى. وفى كل الحالات فان إسرائيل متهمة بانتهاك جرائم ضد البشرية. فهل تحقق الأمم المتحدة فى تلك الجرائم؟ وهل تدين المحكمة الدولية إسرائيل كما تدين زعماء الدول الأخرى؟ أم أن الرأى العام العالمى منشغل حاليا فى قضايا أكثر إلحاح؟

الانتماء قرار وليس هبة


أدهش عندما اسمع من بعض الشباب عبارات مثل: "لم يعد عندى شعرة انتماء للبلد"؛ أو "كيف اشعر بالانتماء لوطن بينما الفساد فى كل مكان؟" أو "لماذا اشعر بالانتماء إن كنت لا أجد العمل؟".. وأدهش أكثر عندما يذهب البعض الى حد القول انه غير مستعد لان يموت من اجل الأرض ولا الوطن، لأن الوطن لا يعطيه شيئا و"المواطن الذى لا يحصل فى الوطن على لقمة عيش، فسوف يكفر حتما به".
وكأن الوطنية سلعة قابلة للمقايضة والمساومة؛ والانتماء هبة تمنحها الحكومة للمواطن أو تسلبها منه؛ إن أعطتنا العمل والسكن ولقمة العيش، شعرنا بالانتماء الى الوطن ودافعنا عنه، أما وإن مر الوطن بمحنة، تنصلنا منه وبحثنا عن آخر.
ولكنى لا أدهش عندما أرى آخرين كثيرين، بالمئات، وربما بالآلاف أو الملايين، يشعرون بالانتماء الى وطنهم لمجرد ان أجدادهم عاشوا فيه فى الماضى، واليوم هم يعملون فيه من اجل أن يعيش فيه أحفادهم وأحفاد أحفادهم فى المستقبل؛ لا أدهش عندما أرى كل هؤلاء يفكرون فى وطنهم ويعملون من اجل أبناء بلدهم؛ فنجدهم سواء أفرادا أو جماعات، يعملون فى صمت ودأب وحماس ولا يساومون على وطنيتهم وانتمائهم.
وتتوالى النماذج، فنسمع عن جمعيات أنشأها الشباب مثل "بنك الطعام" الذى يتبرع فيه شباب بوقتهم وجهدهم، ويعملون بجد ومسئولية من اجل ألا ينام أحد بدون عشاء، ونسمع عن جمعيات أخرى أسستها مجموعة من النساء المصريات مثل "أولادنا.. مستقبلنا" لدعم المدارس الفقيرة ومساعدة التلاميذ إيجاد مناخ علمى إيجابى يكبرون فيه؛ أما الجمعيات الخيرية فهى عديدة تقدم القروض الصغيرة لمساعدة الآخرين إنشاء مشاريع الصغيرة وتعمل بنشاط فى جميع المجالات؛ وعلى مستوى الأفراد، هناك أمثلة لشباب منتمى قرر أن يساهم فى رفعة وطنه، فنسمع عن شابة تدعى ياسمينا قررت أن تذهب الى أفقر الفقراء فى أفقر الأحياء فى القاهرة تدعى إسطبل عنتر، حيث أسست مدرسة الفصل الواحد، يتعلم فيها كل هؤلاء الذين رفضتهم المدارس الأخرى لسبب أو لأخر، وبذلك أعطت المحرومين الفرصة لأن ينهضوا بأنفسهم مرة أخرى.
وهناك جمعيات إسلامية وأخرى قبطية، لا تفرق فى عطائها ما بين مسلم أو مسيحى، فان الخير لا يعرف دين أو طبقة اجتماعية، تلك الجمعيات مثل "الهيئة القبطية الإنجيلية" التى حولت التحديات الى فرص فى أنحاء القطر، من الصعيد الى الإسكندرية، تقيم الحوار وتقدم المشروعات فى كل المجالات التعليم والتنمية البشرية، وطرح البرامج وإنشاء الجمعيات والقرى مثل قرية الأمل للتعامل مع المعاقين والايتام.
ولا أدهش عندما اسمع عن أبناء قرية "كفانا الأشراف"، وهى قرية "كانت" فقيرة ترتفع فيها نسبة البطالة الى معدلات عالية، وتتداعى فيها البنية التحتية، وتتآكل أرضها الزراعية، قرروا ونجحوا أن يحولوها الى واحدة من أغنى القرى من ناحية الإنتاجية الزراعية، لا يوجد فيها فقير ولا عاطل، ونشأت فيها المدارس والمعاهد وتأسست جامعة.
ولا أدهش عندما أسمع عن قرية أخرى تدعى "النخيلة"، قرية معزولة فى أقاصى الصعيد، عاش أبناؤها، الذين لا يزيد عددهم عن 40 ألف نسمة، فى عبودية بسبب سيطرة قطاع الطرق عليها وسيادة قانون القوة، فتحولت الى قرية جرداء تعيش فى خوف دائم؛ قرر أبناؤها وضع حدا لتلك العبودية. ومن خلال تأسيس جمعية أطلقوا عليها اسم "معا"، استطاع أهل القرية "معا" القضاء على قطاع الطرق، والنهوض بقريتهم لتصبح قرية واعدة يتعلم فيها الأطفال والشباب وتتوالى فيها مشاريع التنمية التى يتشارك فيها الجميع كبارا وصغارا.
وتتوالى الأمثلة عن مواطنين شعروا بالانتماء لوطنهم، وعلى استعداد للموت من اجله، لأنهم ساهموا ولو بجزء صغير فى تنميته ونهضته ولن يفكروا أبدا فى تركه ليتمتعوا بخير بلاد أخرى لم يساهموا فيه.هؤلاء يعرفون أن الوطن إن مر بأزمة فستكون عابرة وسوف تنتهى بفضلهم لأنهم يتكاتفون لإنقاذه؛ هؤلاء يمثلون ومضات براقة تنير طريقنا، ونبت أخضر متناثر، مع رعايته سيكبر يوما ما ليحقق النهضة.
أما كل الذين قرروا ألا يشعرون بالانتماء، فقد فقدوا جزء كبيرا من كينونتهم، وأصبحوا مثل فرع الشجرة الذى انخلع من جذوره فتقاذفته الرياح والأمواج بلا هدف أو معنى. هؤلاء لن يشعرون أبدا بالانتماء الى أى شئ: لا وطن ولا عائلة ولا حتى فكرة أو مبدأ.

12 Aug 2008

لمصر تاريخ واحد

التاريخ هو ذاكرة الشعوب. أن ضاع ضاعت الذاكرة، فلا يستطيع الشعب أن يعرف من أين جاء؟ ولا أين كان؟ ويصبح ألعوبة فى أيدى الآخرين، يوهمونه انه كان ما لم يكن؛ تماما مثلما يفقد شخص ما ذاكرته فلا يستطيع أن يحدد أن كان يوما شخصا كريما أم كان مجرما، أن كان سيدا أم عبدا.
والحفاظ على التاريخ يبدأ بالمحافظة على التواريخ القومية التى تحتفل بها الدولة. فدولة مثل فرنسا تحتفل كل عام بعيدها القومى، عيد الثورة الفرنسية، فى 14 يولية. لم يحدث أبدا أن احتفلت فرنسا شعبا أو حكومة بعيد 14 يولية فى 7 أو 15 يولية. انه العيد التى تلتف فيه كل طبقات الشعب فى كل مدنه وقراه، يعزفون الموسيقى ويرقصون، ويغنون بعد أن تابعوا صباحا العرض العسكرى السنوى. وفى نفس اليوم، تقيم كل السفارات الفرنسية فى جميع أنحاء العالم حفلاتها لاستقبال زائريها، فلا تحيد سفارة فى أى مكان، عن التاريخ، 14 يولية، الذى حفر فى ذاكرة الجميع، وأصبح رمزا لنهاية عصر، سواء كان المرء يؤيد الثورة أم يعارضها.
كذلك تحتفل الولايات المتحدة بعيدها القومى يوم 4 يولية، ليس أول يولية ولا 10 من الشهر، بل فى 4 يولية الذى تحدد ليكون هو العيد الذى يتجمع فيه مواطنو كل الولايات العشرين، رغم استقلاليتهم النسبية، ليتحدوا معا فى هذا اليوم ويشعرون بانتمائهم الى وطن واحد.
ولكن فى مصر، ضاع تاريخ 23 يولية وسط اللامبالاة، ولم يعد أحد يذكره ولا يحتفل به فى نفس اليوم. فنرى كل سفارة مصرية فى الخارج تحتفل به فى يوم مختلف، وكل سفارة تقيمه كل عام فى يوم مختلف، الى حد أن المدعوين لم يعدوا يعرفون تماما ما هو الهدف من الدعوة. أما فى مصر فيمر العيد القومى المصرى بدون أى مظهر من مظاهر الاحتفال؛ وكأنه يوم عادى، فهو بالنسبة للبعض ثورة، وبالنسبة للبعض الأخر "حركة" وبالنسبة للبعض الثالث "انقلاب". وكأننا نحاول طمس تاريخنا.
أن اخطر شئ أن يكون لشعب واحد أكثر من تاريخ، وأكثر من مفهوم للتاريخ. بل والأخطر أن يصبح للجيل الواحد أكثر من نظرة لتاريخه، وهو ما يحدث اليوم مع أبنائنا الذين انقسموا ما بين من يدرس تاريخه من وجهة النظر الأمريكية، ومنهم من يتعلمه من وجهة النظر الفرنسية أو الألمانية أو الكندية، بعدد الشهادات التى انتشرت فى مدارسنا. وحتى فى مدارسنا ومنهجنا القومى هناك محاولة لتقديم نصف الحقيقة. وبذلك سيصبح لدينا جيلا من الأبناء منقسما ما بين من يرى الناصر صلاح الدين، محررا للقدس ومنهم من يراه إرهابيا، حسب المنهج الذى يدرسه؛ ومنهم من يرى أن مصر انتصرت فى عام 1973 ولكن بدون أن يعرف من كان العدو الذى تحاربه، ومنهم من يرى إنها انهزمت؛ ومنهم من يرى أن الولايات المتحدة هى أهم دولة تحافظ على البيئة ويفخر بها، دون أن يعلم إنها الدولة الوحيدة التى لم توقع على وثيقة كيوتو للحفاظ على البيئة.
سيجد كل شخص المبرر الوجيه لتعليم أولاده فى مدارس وشهادات أجنبية، وأول تلك المبررات هو سوء التعليم وتدهور المناهج المصرية، ولكن مهما كان السبب، فليس من حقنا ان نتعامل مع تلك المسألة ببساطة وبلا مبالاة؛
ان علينا دينا للأجيال القادمة يحتم علينا أن نعلمهم تاريخهم الحقيقي من وجهة نظرنا نحن، حتى لا يوهمهم أحد بأنهم كانوا عبيدا أو خدما، وحتى لا يتفتت الشعب الواحد الى مئات القطع ويضيع منهم وطنهم، ويصبح بعد ذلك سهلا تقسيم الوطن جغرافيا، بعد أن انقسم على نفسه اجتماعيا.

31 May 2008

الوحدة هى الحل


بدت مبادرة المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا بوساطة تركية غريبة فى هذا الوقت، خاصة وان إسرائيل أكدت على استعدادها للتنازل عن الجولان من اجل السلام؛ ولقد ذهب دان هالوتز قائد عسكرى اسرائيلى سابق، كان قد أدانه تقرير اسرائيلى بضرب المدنيين فى جنوب لبنان والبنية التحتية اللبنانية وترهيب المدنيين فى حرب إسرائيل ضد الجنوب اللبنانى عام 2006، بالتصريح فى الإذاعة العسكرية ما معناه أن إسرائيل ليست فى حاجة ماسة للجولان.
وذلك رغم أن الجولان بالنسبة لإسرائيل كانت دائما منطقة استراتيجية مهمة لأنها مرتفعة تستطيع منها السيطرة على الموقع وتضمن أمانها؛ كما أن خلال أربعين عام من الاحتلال الإسرائيلى للجولان شييدت المستوطنات التى بات يعيش عليها أكثر من 20 ألف مستوطن إسرائيلى، من الصعب أن يطلبوا منهم الانسحاب من الهضبة بهذه السهولة.
إذن فان الجولان لا تتعدى مجرد "جزرة" تلقى بها إسرائيل الى سوريا، بشرط أن تنفذ طلبات إسرائيل، وهى أساسا: التوقف عن دعم حماس وحزب الله وإيران، الثالوث الذى تركز إسرائيل وأمريكا الآن على القضاء عليه.
فى نفس هذا الوقت، عقد بنيامين نتانياهو، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، لقاءا مع الرئيس حسنى مبارك على هامش منتدى ديفوس فى شرم الشيخ، أكد فيه نتانياهو للرئيس مبارك أن لإسرائيل ومصر عدوا مشتركا وهو التطرف الاسلامى؛ وان أهداف مصر وإسرائيل واحدة فى المنطقة. فى محاولة أخرى لاستقطاب مصر فى معسكر إسرائيل ضد الإسلام والعرب وخاصة ضد حزب الله وحماس وإيران.
لا تمل إسرائيل من القيام بمناورات سياسية من اجل تقسيم الدول العربية، انها سياسة "فرق تسد"، التى تطبقها إسرائيل منذ أن نشأت قبل ستين عام وعلى مدى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلي؛ وهى السياسة التى تهدف منها القضاء على اكبر عائق أمامها فى المنطقة وهى الوحدة العربية. لذلك فان الكرم الإسرائيلى المفاجئ للتنازل عن الجولان بعد 40 عام من التمسك بها، وراءه هدفا أكبر وهو إغلاق كل سبل الدعم التى يحصل عليها الثالوث الذى أحال الحياة اليومية الإسرائيلية الى كابوس، حتى يسهل القضاء على أعضاءه كل على حدا. والسؤال هو الى أى مدى تنوى إسرائيل تنفيذ تعهداتها بخصوص الجولان؟ أم إنها مجرد تعهدات فى الهواء مثل كل ما سبق؟
أن تاريخ إسرائيل فى الوفاء بعهودها ليس حافلا. لذلك على الدول العربية أن تستشف الدروس من الاتحاد الأوروبى الذى يدعم ويوسع مساحة وحدته السياسية بعد الاقتصادية؛ ومن أمريكا اللاتينية التى قامت مؤخرا بتوقيع اتفاقية تضع أسس وحدة 12 دولة من دول أمريكا الجنوبية "اوناسور"، فى تحدى حقيقى لكل محاولات الولايات المتحدة للتفريق بينهم سواء عن طريق الانقلابات أو تأجيج الحروب الأهلية داخلهم.
ان "الوحدة" هى بالتأكيد"، كما قال الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز، "مستقبل شعوبنا" من اجل مواجهة الأزمات الدولية الحالية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

22 May 2008

تغيير النظم



لم يتوان الرئيس الأمريكى جورج بوش فى كلمته فى مؤتمر ديفوس بشرم الشيخ، أن يهاجم الثلاثة: حماس وحزب الله وإيران، ملمحا الى أن الدور جاء عليهم لتنفيذ عملية التغيير بعد العراق وأفغانستان، لتحقيق صورة "الشرق الأوسط الكبير" الذى طرحته الإدارة الأمريكية قبل نحو خمس سنوات.
لذلك فليس من المستبعد أن نفسر ما حدث فى لبنان مؤخرا، بأنه محاولة جديدة فى عملية تغيير النظم السياسية فى منطقة الشرق الأوسط بعد المحاولات الفاشلة العديدة التى قامت بها أمريكا وإسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية.
ففى الوقت الذى علت فيه الأصوات تندد بقرار حسن نصر الله رئيس حزب الله، دخول بيروت بقواته وسلاحه ردا على قرار وليد جنبلاط زعيم الدروز، بإيقاف مسئول حزب الله فى المطار وإغلاق وسائل الاتصالات التابعة لحزب الله؛ خرجت أصوات أخرى تشير الى أن ما حدث فى بيروت هو محاولة من البيت الأبيض لدفع حسن نصر الله الى ارتكاب الأخطاء، مثل المحاولة السابقة مع اغتيال قائده العسكرى عماد مغنية فى دمشق، ودفع نصر الله الى أن يتوعد إسرائيل بالحرب المفتوحة، وذلك من شأنه ان يعطى أمريكا المبرر لتأمر تدخل قوات حلف الاطلنطى فى لبنان للقضاء على حزب الله والانتقام لإسرائيل.
كانت الولايات المتحدة تأمل أن يقوم نصر الله بالاستيلاء على السلطة وقتل، بل ذبح، كبار قيادات الحكومة اللبنانية، وهى كلها أسبابا قوية لتدخل قوات الأطلنطى تحت زعم حماية الديمقراطية والحكومة اللبنانية.
ولكن خلال ثلاثة أيام انقلبت كل الموازين وبدلا من تنفيذ الدعاية التى بثها الإعلام الامريكى، والتى أكدت أن قوات حزب الله نظمت انقلابا عسكريا وأنها تسيطر على منطقة غرب بيروت، أتضح أن قوات حزب الله لم تقم إلا ببعض المعارك القصيرة ضد مصالح عائلة الحريرى فى غربى بيروت، ولكنها انسحبت بسرعة من المنطقة وسلمت مقاليد الأمور الى الجيش. وبذلك يتضح أن هدف حزب الله لم يكن الاستيلاء على السلطة. وهكذا سحب نصر الله السجاد من تحت أقدام أمريكا وإسرائيل.
نفس الشئ يحدث بشكل يومى فى غزة، حيث تعمل أمريكا وإسرائيل على تأجيج الصراعات والانقسامات بين فلسطينى غزة والضفة الغربية، أو بين فتح وحماس، لأول مرة فى تاريخ الصراع الفلسطينى، بسبب فوز حماس بالأغلبية الساحقة فى انتخابات عام 2006. وتستمر الضغوط على حماس يوما بعد يوم سواء عن طريق الحصار السياسى والاقتصادى، أو من خلال الهجمات العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين من اجل القضاء عليها تماما سواء داخليا أم خارجيا.
ليس هناك أى مفاجأة فى محاولات أمريكا تغيير النظم قسرا فى منطقة الشرق الأوسط، فقد قامت بالمثل فى مناطق أخرى وعصور أخرى، مثل إيران عام 1953 وجواتيمالا عام 1954، وغيرها مثل كوبا وتشيلى وبنما وصوماليا، وتطول القائمة. ولكن المفاجأة أن ينجح المستهدفون فى إفشال الخطة، والتمسك بالوحدة الداخلية. فان أهم صفات القائد الحقيقي هو توقع تحرك الخصم، ووأد خطته وأهدافه للمصلحة القومية.

5 May 2008

جريمة العصر

كل شخص يملأ خزان سيارته بالوقود، يجب أن يفكر انه بذلك يحرم شخص أخر من الطعام لمدة عام كامل. فمن المتوقع أن يتحول هذا العام مئة مليون طن من الطعام الى وقود للسيارات، فى محاولة للاستغناء عن البترول الذى وصل سعر البرميل منه الى أعلى معدلات له، واستخراج وقود حيوى لا يلوث البيئة.
وكانت النتيجة الطبيعية لمثل هذا القرار هو ارتفاع أسعار الطعام الأساسى مثل القمح والذرة والأرز، والتى تعرف بالمواد الاولوية الغذائية، الى معدلات فلكية عانى منها 37 دولة فى أنحاء العالم تمثل 89 مليون نسمة، وبالتالى توالت المظاهرات العنيفة فى كل مكان أسفرت عن وفاة العديد من المتظاهرين، مما أدى الى موجة من عدم الاستقرار كان أول ضحاياها رئيس وزراء هايتى.
ولقد تفاوت موقف المحلليين السياسيين من قرار استبدال البترول بالطعام كوقود، فيرى البعض أن تلك هى الوسيلة الوحيدة من اجل خفض التلوث المناخى مؤكدون أن الأزمة الغذائية ستستمر لفترة مؤقتة، الى أن يعود التوازن مرة أخرى بين الإنتاج والاستهلاك. وقال الرئيس البرازيلى لولا دا سيلفا أن أسعار الطعام لم ترتفع بسبب الوقود الحيوى، ولكن بسبب تزايد عدد المستهلكين للطعام فى الصين والهند وافريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولكن من ناحية ثانية، يرى البعض الأخر أن الولايات المتحدة والبرازيل، هما اكبر مسئولين عن تلك ألازمة، التى قاموا باصطناعها حتى تستطيع أمريكا مواجهة تزايد أسعار البترول بدون أن تخفض استهلاكها من الطاقة. ويرى هذا الفريق أن الولايات المتحدة تدعم استراتيجية من شأنها أن تقود جزء كبير من البشرية الى كارثة حقيقية وصفها جان زيجلر مفوض الأمم المتحدة الخاص من اجل الحق فى الغذاء بأنها "جريمة ضد البشرية". فقد أكدت منظمة الغذاء العالمية أن إنتاج الوقود الحيوى سوف يمنع الشعوب الفقيرة فى العالم الثالث من الحصول على ما يحتاجونه من الطعام. ويؤكد هذا الفريق من المحلليين السياسيين أن النتائج الاجتماعية لهذه السياسة ستكون كارثية، فى الوقت الذى يعانى فيه 854 مليون نسمة بالفعل من الأزمات الغذائية.
ورغم أن المنظمات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، اظهرا تعاطفا وحذرا العالم من مغبة تزايد أسعار الطعام الأساسى، مؤكدين أن الوضع قد يؤدى الى اندلاع حربا دامية، إلا أن فى حقيقة الأمر، تلك المنظمات هى نفسها التى ساعدت على تفاقم المشكلة. فان سياسة الاحتكار الزراعى التى يقودها الاتحاد الأوروبى فى أفريقيا، والمضاربات فى البورصة العالمية على المواد الاولوية، بالإضافة الى السياسة الاقتصادية التى تقودها الإدارة الأمريكية ومنظمة التجارة العالمية، هم السبب الرئيسى فى الأزمة؛ والحل الذى تسعى منظمة مثل الأمم المتحدة تطبيقه سيكون وسيلة أخرى لتزايد الضغوط على مئة مليون نسمة فى العالم الفقير، فقد أعلنت المنظمة الدولية أن برنامج الغذاء العالمى سوف يخفض نسبة ما يقدمه من طعام فى المدارس لأفقر الأطفال فى العالم. هؤلاء الفقراء الذين يعانون أولا من الأزمة، وثانيا من وسائل حل الأزمة التى خلقها الإنسان، والعالم الغنى. وتلك هى جريمة العصر.

4 Apr 2008

اسرائيل ضيف شرف



احتفت فرنسا بدولة إسرائيل على المستويين الثقافى والسياسى، بمناسبة مرور 60 عام على نشأة الدولة العبرية، فاستقبلت المثقفين الإسرائيليين كضيوف شرف فى معرض الكتاب، واستقبل الرئيس الفرنسى نظيره الإسرائيلى شيمون بيريز، فى أول زيارة دولة يقوم بها الى فرنسا، وكل ذلك بدون أن تأخذ فرنسا فى اعتبارها آلام الشعب الفلسطينى المحاصر فى غزة، والتهديدات بالمحرقة التى بثها نائب وزير الدفاع الإسرائيلى، والجرائم ضد البشرية والإنسانية التى يمارسها الجيش الإسرائيلى كل يوم ضد المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وعجائز.
ولقد جاء ذلك فى الوقت الذى اتخذت بريطانيا مواقف مختلفة، فقد صدر حكم ضد قضائى ضد الجنرال دورون الموج، احد كبار الضباط الإسرائيليين بالقبض عليه أن دخل بريطانيا لاتهامه بارتكاب جرائم ضد البشرية عندما أمر بتدمير 50 منزلا فى غزة عام 2002، وعندما جاء فى زيارة لبريطانيا حذره البعض من حتمية القبض عليه إذا خطت قدمه الأراضى البريطانية، فلم يغادر الطائرة التى أقلته الى لندن وعاد بها الى بلاده.
ولكن فى فرنسا ليس هناك إلا قوانين تدين كل من يعادى السامية. وليس غريبا أن يشعر بيريز كما قال فى الحديث الذى أجرته معه صحيفة لوفيجارو الفرنسية، بأن العلاقات اليوم مع فرنسا هى الأفضل منذ عام 1967. فان بيريز هو الذى كان يقوم بالمفاوضات السرية مع السلطات الفرنسية فى بداية الخمسينات من القرن الماضى للتعاون فى بناء المفاعلات النووية الإسرائيلية.
وليس غريبا أن يدين بيريز لفرنسا بالكثير بسبب دورها مع اليهود على منذ الثورة عام 1789، حينما منح نابليون الجنسية الفرنسية الى اليهود؛ وفى نهاية القرن التاسع عشر أدان المثقفون الفرنسيون وبريادة المفكر إميل زولا اتهامات بالتجسس التى وجهت الى الضابط اليهودى دريفوس؛ وفى الحرب العالمية الثانية منع الفرنسيون ترحيل اليهود الى معسكرات الاعتقال. وحتى بعد نشأة الجمهورية الخامسة، لم يخف ديجول إعجابه بالدولة اليهودية "الشجاعة" ووصفها بالصديق والحليف.
ولكن ديجول كشف السياسة الاستعمارية التى تنتهكها إسرائيل بعد 1967 وبدأ التحول فى العلاقات للمطالبة بالحق والعدالة للشعب الفلسطينى حتى مع الرئيس الاشتراكى فرانسوا ميتران ومن بعده الديجولى جاك شيراك. وخلال تلك السنوات كانت إسرائيل تدعو يهود فرنسا الى الهجرة الى إسرائيل، واتهم رئيس وزراء إسرائيل السابق آرييل شارون فرنسا بمعاداة السامية بسبب بعض الأحداث التى كانت ترتكب ضد اليهود والمنشآت اليهودية، رغم الكشف عن تلفيق تلك الأحداث.
وليس غريبا أيضا أن يعود بيريز الى فرنسا لكى يعبر عن إعجابه الكبير برئيسها الحالى ساركوزى الذى لم يتردد فى أن يؤكد دوما صداقته للدولة الإسرائيلية، ودعا الى ما أطلق عليه "الاتحاد المتوسطى" لكى يضم إليه إسرائيل، ودعا الى قيام كل تلميذ فى سن العاشرة بتبنى ذاكرة طفل يهودى قتل فى معسكرات الاعتقال النازى رغم ما أثاره الاقتراح من غضب واشمئزاز الجميع فى فرنسا.
بالنسبة لإسرائيل عادت فرنسا لتلعب دورها الكبير مع الدولة الإسرائيلية، ولكن أن كان اليهود فى الماضى هم الضحايا، فان الدولة العبرية اليوم هى الجلاد وهى المحتل، فهل تستحق نفس المعاملة؟