12 Sept 2007

كتاب جديد: تاريخ ضائع


مع دخولنا القرن الواحد والعشرين نسى العالم أو تناسى، أن الحضارة الأوروبية التى تتميز بالتكنولوجيا الحديثة، قامت فى الأصل على الحضارة الإسلامية التى سادت قبل ألف عام. ونسى العالم، أو تناسى، أن العلماء المسلمين فى ذلك العهد هم الذين اكتشفوا علوم الجبر، وان الأطباء المسلمين هم الذين توصلوا الى علاج أمراض عديدة مثل الربو أو أمراض العيون، وان المسلمين المخترعين هم الذين صمموا الأشكال الأولى للمظلات والطوربيد، وان علماء الفلك المسلمين هم الذين حسبوا حجم كوكب الأرض بدقة شديدة، وذلك فى الوقت الذى كان الأوروبيون يتصورون أن الأرض مسطحة!!
ولقد جاء الكتاب الجديد الذى صدر مؤخرا بعنوان "تاريخ ضائع" للدبلوماسى الامريكى السابق والصحفى الحالى مايكل هاميلتون مورجان، يندد بدور الغرب فى إساءة فهم تاريخ العرب وقمعه وأحيانا إعادة كتابته بشكل مغاير. ونشر الكتاب ليذكر الغرب مرة أخرى بفضل الحضارة الإسلامية على عالم اليوم، مؤكدا أن مساهمة العرب للمعرفة الحديثة لا يمكن عدها أو حصرها، ولكى يعيد الى الأذهان مساهمات العرب للتقدم التكنولوجى الحالى، من خلال اكتشافاتهم واختراعاتهم وإبداعاتهم على مدى مئات السنين، ابتداء من عام 570 ميلاديا، الذى وصفه بالعصر الذهبى للإسلام. وقدم مورجان فى كتابه العلماء والمفكرين الكبار أمثال ابن الهيثم وابن سينا والطوسى، والخوارزمى وعمر الخيام، وهو المفكرون الذين مهدوا الطريق لعلماء الغرب أمثال نيوتن وكوربرنيك واينيشتاين وآخرين كثيرين.
ولم يكتف الكتاب بذكر العلماء والمفكرين، بل ذهب مورجان الى قلب الدين نفسه ليثبت للغرب كيف كان النبى محمد، والحكام المسلمين من بعده، يدعون الى التسامح الدينى والى البحث عن العلم "ولو فى الصين"، وقال انه تاريخ اكتمل فكريا أكثر من تاريخ أوروبا المسيحى فى نفس الفترة، وفيه ازدهر وعمل معا المسيحيون واليهود والهندوس والبوذيون. ويقول مورجان عن الحضارة الإسلامية إنها وضعت بذرة النهضة الأوروبية وجعلت من الممكن انطلاق الشرارة لإرساء الحضارة العالمية.

وإن كان الكتاب موجه أساسا الى الغرب الذى يعمل جاهدا على تشويه صورة الإسلام والمسلم، وتصويره على انه إرهابى، فانه أيضا تذكرة للمسلمين أنفسهم، الذين فقدوا ذاكرتهم ونسوا جذورهم، وصدقوا مزاعم المتطرفين بان واجبهم المقدس الأوحد هو القضاء على الكافرين، أو مزاعم الغربيين، خاصة المحافظين الجدد، بأنهم متخلفين عن الركب، وان الإسلام دين غير متكافئ مع الحياة العصرية فى القرن الواحد والعشرين لأنه يضم عوامل تجعله مناهض لحرية التفكير والتقدم الاجتماعى والعلمى. وصدق المسلمون تلك المزاعم، فضلوا طريقهم وفقدوا الهدف.

قام مورجان بتقسيم الكتاب الى المجالات المختلفة من العلوم والفلسفة والفنون والروحانيات، فتحدث عن التسامح الدينى والتعايش مع الأديان الأخرى فى الدول التى فتحها الإسلام؛ كما كشف عن الفلسفة والمعرفة فى عصر الخليفة بن المأمون؛ ثم عن الحساب والرياضيات التى ازدهرت فى القرن التاسع ميلاديا مع الخوارزمى وآخرين؛ وتطور علوم الفلك فى بغداد فى عصر الخليفة المنصور ثم هارون الرشيد، وظهور اسم عمر الخيام الشاعر وعالم الفلك والرياضيات، وابن رشد الفيلسوف وعالم الفلك، والفيلسوف اليهودى ابن ميمون؛ وازدهار العلوم التكنولوجية والاختراعات فى قرطبة فى القرن التاسع والتى اشتهر بها عباس ابن فرناس "حكيم الأندلس" والكيميائى جابر بن حيان؛ والطب الذى عرفه الطبرى وابو بكر الرازى الذى يعرفه أطباء الغرب حتى اليوم، وابن سينا الذى يعتبر اشهر الفلاسفة الأطباء فى تلك الفترة وأكثرهم تأثيرا؛ وتحدث مورجان عن العمارة والشعر والموسيقى والفنون التى انتشرت من القدس الى قرطبة، ومن الأندلس الى سمرقند، ومن اوزبكستان الى أصفهان، ومن فارس الى أجرا بالهند؛ ويؤكد الكاتب انه لم يكن من الممكن أن تزدهر الحضارة الإسلامية العظيمة هذه، فى كل تلك المجالات بدون زعامات مستنيرة ساعدت على النهضة العلمية فى العصور الذهبية.

ويركز الكتاب، ليس فقط على المفكرين الإسلاميين فى الفترة التى وصفت بأنها العصر الذهبى للإسلام، والتى تتركز فى بلاد فارس وأسبانيا فى الفترة من عام 632 الى 1258 وانتهت بسقوط بغداد، ولكن على "العصور الذهبية العديدة" للفكر الإسلامي، التى تألقت أيضا فى وسط أسيا وتركيا العثمانية، والهند المنغولية، واستمرت حتى القرن الثامن عشر.
ويأمل مورجان أن مع استعادة "التاريخ الضائع" يمكن للجميع أن يفهم القضايا الحالية والتى كما يقول، لن تحل أبدا بالقوة والعنف. لأن الدرس الأساسى الذى يريد الكاتب أن نتعلمه من كتابه، هو أن القوة لا تحل بشكل ايجابى القضايا الخاصة بالروح والنفس، سواء كان ذلك يتعلق بالأفراد أو بالحضارات.

القرآن يوصى بالعلم والمعرفة
عبر ثمانى فصول ونحو 300 صفحة، ربط هاميلتون مورجان التاريخ بالحاضر، والقضايا المادية بالروحانيات، والعلوم الحديثة بالنصوص القرآنية. ويقول مورجان أن وصايا القرآن الكريم ساعدت على تفتح الفكر والعلم فى الحضارة الإسلامية التى كانت على وشك أن تبدأ، وفجرت رغبة فى البحث من اجل المعرفة والاكتشاف. ونقل الكاتب الآيات التى تتحدث عن العلم وأهميته، وقدم خطبة الوداع التى ألقاها الرسول الكريم، وركز فيها على رؤيته وأفكاره التقدمية التى تدعو الى المساواة بين الجنسيات وبين الاثنيات، وهى نفس تلك الوصايا التى سيعمل الإنسان على تطبيقها على مدى ألف عام.
وبعد وفاة الرسول، ورغم أن الخلافة كانت السبب فى الانقسام بين المسلمين، إلا أن الكاتب أشار الى أهمية الحوار والجدل الذى دار فى تلك الفترة حول خلافة المسلمين، والمشاورات السياسية التى كانت تجرى والتى، كما يقول، سوف تثير قضية "الدولة" و"السياسة". من بين تلك القضايا، أشار الكاتب الى أسلوب اختيار الزعيم ومن الذى يختاره؛ والصفات التى يجب أن يتحلى بها، ومدى أهمية اهتمامه بالعلم وبالمعرفة، وما هو الدور الاجتماعى والسياسى والروحانى الذى يجب عليه أن يلعبه فى المجتمع.

أما ماذا حدث؟ وكيف قام الإسلام بنشر تلك الأفكار فى العالم على مدى مئات السنين، رغم وجود حضارات ودور أكثر ثراءا وأكثر قوة فى تلك الفترة؟ فذلك هو التاريخ الذى ضاع مننا والذى يعيد مورجان اكتشافه للقارئ الغربى.

3 Jun 2007

الانسانية اسمها فلسطينى

وسط كل المآسى التى يشهدها مخيم "نهر البارد" شمالى لبنان، ينقل مراسل الإندبندنت من داخل المعسكر بعض الومضات المضيئة، فكتب يقول: "هناك بعض الأمثلة الرائعة على الإنسانية، فهناك علاقات قوية بين أبناء المخيمات، فيقوم الأطفال فى احد المخيمات بتوزيع المياه والخبز على أبناء المخيم الأخر. بينما تقوم الفتيات برعاية أطفال لا يعرفونهم، ومساعدة المسنين لإيجاد مأوى لهم"، ويقول المراسل البريطانى، أنه لم يشهد مشاعر تضامن قوية بين الأفراد، ولم يشهد شجاعة ونكران الذات، كما شهدها هنا فى تلك المنطقة بين الفلسطينيين. فهل يتعلم الإسرائيليون والامريكيون بعض من تلك الإنسانية.

24 May 2007

سياسة فرنسا العربية

تجاوز التشكيل الحكومى الجديد فى فرنسا كل التوقعات. فرغم أن الرئيس نيكولا ساركوزى كان متفقا مع ما تعهد به من العمل على الانفتاح على كل الأطراف الأخرى والتوجهات السياسية المختلفة، إلا أن أحدا لم يتوقع أبدا أن يعين وزراء من الحزب الاشتراكى ومن حزب الوسط، فى وزارات سيادية مثل الخارجية. فقد اختار ساركوزى وزيرا للخارجية، برنار كوشنير الإشتراكى، الذى اكتسب لقب "الطبيب الفرنسى" أو كما يطلق عليه العالم، وحتى فى فرنسا: "فرانش دوكتور"، وذاع صيته واكتسب شعبية كبيرة بسبب نشاطه الإنسانى والطبى فى المناطق المنكوبة، وهو نشاط عملى وليس نظرى فقط. ولكن، من جهة أخرى، أثار كوشنير دهشة البعض بسبب موقفه المؤيد للتدخل العسكرى الامريكى فى العراق فى عام 2003، وأعلن عن دعمه لسياسة "الحق فى التدخل" فى المناطق التى ينتهك فيها حقوق الإنسان. فكيف ستكون سياسته فى الشرق الأوسط؟
لقد عكس تشكيل الوزارة الفرنسية توجهات ساركوزى فى التغيير وما وصفه بالقطيعة الهادئة مع الماضى؛ لذلك أثار ساركوزى مخاوف وتساؤلات فى أنحاء العالم العربى حول سياسته المقبلة من قضايانا ومدى ارتباطه بسياسات إسرائيل والولايات المتحدة؛ خاصة وانه لم يخف أبدا، ومنذ بدء إعلانه عن تطلعاته الرئاسية فى عام 2003، توجهه الأطلسى وتأييده لموقف إسرائيل، كما لم تخف إسرائيل سعادتها بفوز ساركوزى، وتطلعت الى سياسة فرنسية جديدة إزاء إسرائيل.
فهل سنشهد تغييرا جذريا فى العلاقات العربية الفرنسية فى السنوات المقبلة؟ للإجابة على هذا التساؤل التقى الأهرام مع المفكر الفرنسى شارل سان برو، الخبير فى شئون العالم العربى، ومدير "مرصد الجيوسياسى الفرنسى" وصاحب العديد من الكتب حول العلاقات الفرنسية مع العالم العربى، كان أخرها كتابه: "سياسة فرنسا العربية"، لإلقاء الضوء حول العلاقات الفرنسية/العربية ومستقبلها على المدى القصير. وفيما يلى نص الحوار:

*ما معنى تعبير: "سياسة فرنسا العربية"؟
** القول بان هناك "سياسة عربية" يعنى أن لفرنسا علاقات متميزة مع العالم العربى بعكس السياسة الأمريكية التى تنتهج "سياسة فى الشرق الأوسط". كما يعنى أن فرنسا تعتبر أن هناك عالم عربى يمثل كيانا جغرافيا محددا، ويجب عليها أن تنشئ علاقات متميزة معه.
يجب التذكير بان سياسة فرنسا العربية ليست وليدة اليوم، أو عصر الرئيس الأسبق شارل ديجول، ولكنها تمتد عبر التاريخ القديم، حين عقدت أول اتفاقية صداقة بين فرنسا والعالم العربى فى عصر الملك الفرنسى شارل العظيم وهارون الرشيد فى القرن الثامن ميلاديا. كما كانت فرنسا هى أول دولة تفتح أبوب جامعاتها لتعليم العربية، وترجمة القرآن الكريم..

*إذن سياسة فرنسا العربية لا ترتبط باتجاهات يمينية أو يسارية؟
** من المؤكد إنها سياسة لا تتعلق بالبترول، فإن فرنسا لم تكتشف العالم العربى مع اكتشاف البترول. ولكنها سياسة جيوسياسية ثابتة ولذلك فهى راسخة فى التقاليد الدبلوماسية الفرنسية، وليست مرتبطة بحزب عن حزب أخر، إنها ليست سياسة يمينية أو يسارية، ولكنها السياسة القومية.
صحيح أن الحزب الاشتراكى، لأسباب تاريخية كان دائما مترددا إزاء سياسة فرنسا العربية، ولكن الرئيس الاشتراكى فرانسوا ميتران، الذى كان صديقا لإسرائيل وليس للعرب، انتهج نفس السياسة العربية.
يمكن القول أن البعض يعطى قوة دفع للسياسة العربية أكثر من آخرين مثلما فعل الرئيس شيراك، لذلك يجب أن نشير هنا الى خطابه الذى ألقاه فى جامعة القاهرة فى عام 1996، وهو خطاب عميق ومهم، لأنه يلخص بصدق سياسة فرنسا العربية فى كل المجالات. لقد دعا شيراك فى خطابه، العالم العربى الى توحيد صفوفه حتى يمكن أن يكون له ثقلا فى العالم.

أن السياسة العربية فى فرنسا، أكثر عمقا من مجرد إيجاد حلا للصراع العربى الإسرائيلى، إنها سياسة تهدف الى إقامة جسرا بين أوروبا والمتوسط، والى تنمية التعاون فى جميع المجالات، خاصة اليوم مع خطر الصدام بين الحضارات الذى أرساه المحافظون الجدد الأمريكيون، لذلك فان السياسة العربية هى مثلا جيدا للحوار بين الحضارات.

* فى الخطاب الذى ألقاه يوم فوزه بالرئاسة، تحدث الرئيس ساركوزى عن اتحاد متوسطى، فهل هناك تغيير فى سياسة فرنسا العربية فى الفترة المقبلة؟
**ساركوزى رجل من اليمين يميل الى الاطلنطى، وهو ليس اتهاما، فهناك أكثر من يمين وأكثر من يسار. ولقد تحدث ساركوزى عن سياسة متوسطية، وذلك شئ جيد وإيجابى، ولكنه لا يعنى شيئا. فما هو المتوسط؟ أين تقف حدوده؟ هل المتوسط يضم فقط الدول التى تقع على شاطئيه؟ أم انه تجمع ثقافى؟ أم دينى؟ أم حضارى؟ يجب علينا أن نحدد أولا ما هو "الاتحاد المتوسطى" بالضبط. اعتقد أن تعبير "سياسة متوسطية"، هو شعارا أكثر منه واقعا، خاصة بعد فشل اتفاقية برشلونة، ومن الناحية الجغرافية فان انتهاج سياسة متوسطية ستعمل على تقسيم العالم العربى الى قسمين وذلك فى رأى مسألة خطيرة.
اعتقد أنه علينا التعامل مع الاتحاد المتوسطى كمشروع طويل المدى. لأنه لا يمكن إقامة اتحاد متوسطى كما يراه ساركوزى، طالما لازالت هناك مشاكل فى المنطقة لم تحل بعد، خاصة القضية الفلسطينية، وطالما لازال خطر المواجهة بين إسرائيل والعالم العربى قائما. لذلك، يجب أولا بناء منطقة سلام وإيجاد حل للمشكلة الفلسطينية، بمعنى إقامة دولة فلسطينية مستديمة ومستقلة وذات سيادة. تلك هى الأولوية الأساسية. وذلك هو بالضبط دور سياسة فرنسا العربية.


* منذ حرب العراق، اتخذت فرنسا موقفا قويا، ولكن بعد ذلك بدأت تفقد دورها فى العالم العربى؟
** لا اعتقد أن فرنسا فقدت مكانتها القوية فى العالم بعد حرب العراق، لان النتائج أكدت صحة الرؤية الفرنسية، التى ترى أن الحرب ضد العراق هى حرب غير شرعية ولن تحل شيئا، بالإضافة الى خلق أزمات جديدة، وذلك ما حدث بالفعل. ولا اعتقد أن فرنسا فقدت مكانتها فى المنطقة، فقد أصبحت شريكا متميزا واستراتيجيا للسعودية ودول الخليج الآخرى، على سبيل المثال.
ما حدث هو أن فرنسا فقدت مكانتها فى العراق التى كانت دولة صديقة، ولكنها يمكن أن تعيد تلك العلاقات فى المستقبل عندما يستعيد الشعب العراقى وحدته وسيادته.
أما بالنسبة لسياسة شيراك فى لبنان، فأعتقد أن شيراك أخطأ فى خياراته هناك. قد تبدو سياسته موالية للموقف الامريكى، وأعتقد أن الأمريكيين والفرنسيين تعاونا ولكن لم يكن لهما نفس الهدف فى لبنان. واعتقد أن الدبلوماسية الفرنسية فى عهد شيراك ارتكبت خطأ فى لبنان، لأنها قررت أن تأخذ موقفا مع جانب ضد الجانب الأخر. أن لبنان دولة تضم العديد من التكتلات، ولا يمكن أن نختار الوقوف مع تكتل ضد الآخر. لذلك اعتقد أن على الرئيس الجديد أن يعيد التوازن مرة أخرى للسياسة الفرنسية فى لبنان.

* وفيما يخص القضية الفلسطينية، هل هناك فرصة لفرنسا لان تلعب دورا؟
** كانت فرنسا أول دولة تدرك أن عرفات هو الرئيس الشرعى للسلطة الفلسطينية، وانه الوحيد الذى يستطيع أن يحقق السلام. لقد قتل المتطرفون الإسرائيليون عرفات سياسيا واعتقد أيضا جسديا، بالتعاون مع الأمريكيين. ولكن الإسرائيليين أخطأوا فى حساباتهم، فلازال المأزق قائما اليوم بدون عرفات. ولذلك اعتقد انه حان الوقت لان نطلق عملية دبلوماسية جديدة، وهنا يكمن دور فرنسا التى أكدت دائما أن الطريق الوحيد لتحقيق السلام يمر بالضرورة عبر إقامة الدولة الفلسطينية.
ولذلك فان كون ساركوزى ليس عدوا لإسرائيل ولا للأمريكيين، قد يلعب دورا مهما، لأنه يستطيع أن يتحدث مع جميع الأطراف، مما يضعه فى وضع يستطيع معه أن يلعب دورا ايجابيا لصالح السلام.
اعتقد أن الأمريكيين الذين سوف يتخلصون يوما ما من بوش إدارة المحافظين الجدد، سيحاولون إيجاد حلا للوضع فى الشرق الأوسط، وهنا سوف تحتاج الولايات المتحدة لمساعدة الدول الأخرى، واعتقد أن فرنسا ستكون أفضل الدول التى يمكن أن تساعدهم فى تحقيق هذا الهدف.

* ما هى الأولويات السياسية لساركوزى؟
** من الطبيعى أن يكون لساركوزى اولويات داخلية لان عليه أن يعيد أصلاح الاقتصاد الفرنسى. ولكن بصفته رئيس واحدة من أقوى أربع أو خمس دول فى العالم، يجب أن تكون لديه اولويات متعددة، ومن أهم تلك الأولويات إيجاد حلول للقضايا الدولية التى تهمنا كلنا مثل أزمة الشرق الأوسط التى تقوم بتغذية الإرهاب وتؤثر على الأمن فى منطقة المتوسط، وهى مشاكل قد تؤثر فى فرنسا، لذلك اعتقد إنها مشكلة فرنسية أيضا، كما إنها مسئوليتها.
ويجب أن نأخذ فى الاعتبار أن ساركوزى تحدث فى خطابه الذى ألقاه عقب فوزه بالرئاسة، عن السياسة الخارجية الفرنسية بشكل خاص وليس السياسة الداخلية، وهى مسألة غير مسبوقة، ودليل على اهتمامه بدور فرنسا فى العالم. واعتقد انه رجل يتمتع بالديناميكية والرغبة فى ان يلعب دورا مهما على الساحة الدولية.

30 Jan 2007

لماذا نتقاتل وننسى العدو الحقيقى


يتقاتل الفلسطينيون فيما بينهم، فتح ضد حماس. ويتقاتل اللبنانيون: المسلمون ضد المسلمين والمسيحيون ضد المسيحيين، والحكومة ضد حزب الله. ويتقاتل العراقيون: الشيعة ضد السنة ضد الاكراد. ويتقاتل السودانيون الشمال ضد الجنوب. وهكذا تستمر المعارك ليس فقط بين العرب دولا، ولكن بين ابناء الشعب الواحد.

من الواضح ان الأمر هى خطة وضعتها كل من الولايات المتحدة واسرائيل، الدولتان اللتان تستفيدان مما يحدث داخل الدول العربية، من اجل تفتيت وحدة العرب من الداخل بعد ان نجحتا فى تفتيتها من الخارج. ولكن من الغريب ان قادة تلك الدول لم تدرك انها باتت وسيلة تستخدمها اسرائيل وامريكا من اجل تنفيذ خطتهما فى تقسيم المنطقة الى دويلات، بعد ان فشلتا هما فى تنفيذها.

فلم تنجح اسرائيل فى لبنان فى الصيف الماضى من احتلال الجنوب، ولم تنجح واشنطن فى العراق فى تقسيمها، وبعد اكثر من 60 عام من الصراع بين اسرائيل والعرب، لم تنجح اسرائيل فى كسر مقاومة الفلسطينيين. ولكن اليوم هى نجحت، لأننا نحن فشلنا فى الكشف عن الخدعة وعن المؤامرة. وقمنا بتنفيذ خطتهم بلا وعى.

14 Jan 2007

كتب: الجانب الاخر فى اسرائيل 1

رحلة فتاة يهودية عبر خط التقسيم الإثنى: العربى/اليهودى

قال الصحفى البريطانى جوناثان ديمبلبى عن كتاب "الجانب الأخر من إسرائيل": "انه يثير اضطرابا عميقا ويجب أن يقرأه كل شخص يريد أن يفهم حقيقة الحياة بالنسبة للعرب الإسرائيليين". فان الكتاب هو قصه كاتبة بريطانية يهودية، تعيش فى لندن، الى أن قررت فى عام 1999 أن تمارس حق "العودة" الى "الوطن" إسرائيل، وهو الحق الذى تمنحه الدولة الى كل يهودى فى جميع أنحاء العالم. ولكن بعد عدة أشهر من وصولها الى تل أبيب، قررت سوزان ناثان أن تأخذ خطوة جريئة، وتتخذ قرارا غير مسبوق، وهو عبور خط التقسيم الإثنى بين اليهود والعرب الإسرائيليين، والانتقال الى الجانب الأخر من إسرائيل والإقامة فى مدينة تامرا، وهى مدينة صغيرة تضم 25 ألف مواطن اسرائيلى، عربى مسلم. وبسرعة تقول سوزان إنها اكتشفت أن الخط الإثنى، رغم انه خط وهمى، إلا انه قائما وصلبا مثل الجدار الصلب والأسلاك الشائكة التى قامت الدولة الإسرائيلية ببنائها بينها وبين الضفة الغربية وغزة لتفصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين.
فى سرد أدبى، قصت سوزان ناثان قصة انتقالها الى تامرا لتدريس اللغة الإنجليزية فى مدارسها، ولتعيش مع عائلة ابى حجاز، مع الأم "الحاجة" وأولادها وأحفادها وأفراد عائلتها الكبيرة الآخرين، وجيرانها ومعارفها؛ وكيف استطاعت سوزان خلال تلك السنوات التى عاشتها فى "الجانب الأخر من إسرائيل" أن تحدد هويتها اليهودية والإسرائيلية، والإنسانية. وتضع أمام القارئ الغربى والاسرائيلى اليهودى الصورة الحقيقية لفكرة مغلوطة، شكلها الخيال اليهودى الإسرائيلى عن مواطنيهم العرب، وعاشوا بهذه الفكرة المغلوطة وبنوا عليها كل سياساتهم الاجتماعية اللاحقة.
تقول سوزان فى البداية كيف كان قراراها بمثابة الصدمة بين أصدقائها وعائلتها اليهودية الإسرائيلية. "لماذا تريدين الإقامة فى تامرا؟"، "ولكنهم مسلمين!!؟؟" كانت تلك هى الجملة التى ترددت كلما ذكرت سوزان إنها سوف تنتقل للإقامة فى تامرا، وحتى سائق السيارة الأجرة، رفض عبور الخط الوهمى، وسائق الشاحنة التى نقلت أثاثها الى منزلها الجديد، سارع بالخروج من المدينة ولم يعد مرة أخرى لجمع الصناديق التى كانت تضم أغراضها، خوفا من "العرب". كانت الكلمات التى تتردد بين أصدقائها عندما أخبرتهم بقرارها، كانت: "ولكنها منطقة عربية؟!" "لماذا تريدين الإقامة هناك؟"، "لأن ذلك هو ما أريده"، "ولكنها منطقة عربية!".. "!! "سوف يقتلونك!! سوف يعتدون عليك!!" ويهمس أحدهم قائلا: "هل معك سلاح؟"، ويهمس أخر: "لدى رقم تليفون احد الأصدقاء فى الجيش الإسرائيلى، إتصلى بى فى أى وقت وسيعمل على إنقاذك من هناك!!" أعتبر أصدقائها من اليساريين قراراها بأنه إما نتيجة لعدم فهمها للوضع فى الشرق الأوسط، أو انه مجرد محاولة من شخص غير ناضج، لجذب الانتباه.
وقصت سوزان كيف كانت رحلتها فى السيارة حتى تامرا. قال لها سائق السيارة الأجرة، شاهير، لقد درست المكان جيدا، وحددت الطرق التى يمكن أن نمر بها بدون أن نضطر الى المرور بالقرى العربية فى الطريق"، وردت عليه سوزان بدهشة: "ولكننا نتجه الى قرية عربية!! لماذا يجب علينا أن نحتاط فى الطريق اليها!؟"
تقول سوزان ناثان عن رحلتها: "أن الطريق الى الجانب الأخر من إسرائيل لا يحمل علامات، انه طريق لا نقرأ عنه كثيرا فى الصحف أو نسمع عنه فى أخبار التليفزيون، انه طريق غير مرئى لمعظم الإسرائيليين." فى هذا الطريق لاحظت سوزان أن العلامات الخضراء كانت واضحة على طول الطريق المؤدى الى المناطق الشمالية المتجهة الى حيفا وعكا وكارميت، المدن الإسرائيلية اليهودية، وحتى القرى اليهودية الصغيرة مثل شلومى وميسجاف. ولكن عندما بدأت السيارة تتجه الى تامرا، اختفت العلامات الى أن بدأت تخرج عن الطريق السريع وتعبر القرى الصغيرة، ورأت مرة أخرى علامة صغيرة تشير الى مدينة تامرا. وعندما اتجهت السيارة الى هذا الاتجاه امتد أمامها طريق نصف ممهد، وفى المدينة "العربية" كان هناك طريقا واحدا ممهدا يؤدى الى المسجد الرئيسى فى وسط المدينة، ومنه الى طريق صغير وضيق يعلو الى تل الى أن وصلت الى مقر إقامتها الجديدة.

مفاهيم يهودية مغلوطة
كان التناقض واضحا بين تصور اليهود الإسرائيليين للعائلات العربية الإسرائيلية، وبين الطريقة التى استقبلوها بها.
استأجرت سوزان شقة فى مبنى عائلة عربية تدعى "ابو حجاز"، وكان يعيش فى نفس المبنى الصغير الجدة التى يطلق عليها الجميع اسم "الحاجة"، وفى يوم وصول سوزان الى منزلها الجديد خرجت العائلة كلها لاستقبالها، بما فيهم "الحاجة" وحفيداتها. وبسرعة، قبلتها عائلتها الجديدة وكأنها أحد أفرادها، وجزءا من العائلة الكبيرة مثل أى زوجة إبن جديدة تدخل العائلة. وبسرعة أطلقت عليها العائلة العربية اسمها الجديد "أم دانيال"، مثلها مثل كل أم عربية ينادى عليها باسم إبنها البكر.
عاشت سوزان مع عائلة "الحاجة" المباشرة، وهى عائلة صغيرة بالمقاييس العربية، ولكنها تتسع بأفرادها الأخرين من أعمام وعمات، وأخوال وخالات وأولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، والذين يأتون جميعا لزيارة الحاجة وتناول معها الطعام والقهوة العربية. وتمتد العائلة لتشمل المجتمع العربى الصغير فى المدينة، حيث تتداخل العائلات ويعرف بعضهم بعضا. تلك العائلة التى كانت تحميها عندما كانت تتنقل فى أنحاء المدينة الصغيرة، ويطمئن إليها السكان عندما يعرفون إنها تعيش بينها.
وفى المقابل اعتبرت سوزان عائلة "ابو حجاز" وكأنها عائلتها المباشرة وربطت بينها وبين الحاجة، علاقة قوية رغم صعوبة التفاهم بينهما، فكانا يتحدثان ببعض الإنجليزية وبعض العربية والعبرية. وكانت أفضل فترات اليوم بالنسبة لها عندما تجلس معها أمام المنزل يحتسيان القهوة العربية التى تصنعها، وتقص عليها قصة حياتها الصعبة التى بدأت منذ زواجها فى السابعة عشر من عمرها ثم ترملها فى العشرين، وكيف قامت بتربية أبنائها وحدها فى ظروف اقتصادية غاية فى الصعوبة. وكانت تشهد سوزان أسلوب حياة تلك العائلة وتدرسها لتفهم طبيعتهم. فكانت تراقبهم فى استقبال الأصدقاء والأقارب فى جميع الأوقات، وفى طهى الطعام العربى من الخضروات والأعشاب الطازجة التى يزرعونها فى الحديقة الصغيرة خلف المنزل، مثل البابونج والنعناع والكوسة والطماطم الخ.. وحرصهم على الابقاء على الطعام ساخنا طوال اليوم حتى يستطيع كل من يزورهم أن يتناول منه ساخنا. وتعلمت من الحاجة أسلوب العلاج القديم بالطبيعة والأعشاب التى توجد فى كل مكان حولهم. وكانت تدهش عندما تقوم الحاجة بحياكة ملابس الصغار وشغل الإبرة بدون مرجع.

مفهوم الخصوصية
أدركت سوزان من اليوم الأول فى تامرا أن عليها أن تتخلى عن مفهومها الغربى للخصوصية. فان كانت الطرق الصغيرة الضيقة والمنازل المتقاربة تشجع على التداخل بين العائلات، إلا أن كل عائلة فى كل منزل تحتفظ بخصوصيتها وتحترم خصوصية الآخرين فى تناسق وتناغم جميل؛ وتحتفظ كل عائلة بمنزلها نظيفا براقا وجميلا رغم بساطته. ولكن سوزان أدركت من اليوم الأول أن عليها أن تتخلى عن جزء مهم من عادتها الغربية. كان عليها أن تتخلى عن فكرة أن تسير فى الطريق العام بدون أن يتعرف عليها أحد. ففى المدن العربية الصغيرة كل شخص يعرف الأخر، ويعرف عنه. وعندما تكون جزءا من العائلة فان ذلك يعنى أن تتقبل حمايتها لك وقلقها عليك، وأيضا تدخلها فى بعض شئونك.
تقول سوزان فى كتابها أن فقدانها لخصوصيتها ليست كلها مسألة ثقافية، فقد اكتشفت أن حياتها فى مجتمع عربى تماثل معيشتها فى حوض سمك شفاف. فان كانت دهشة أصدقائها فى تل أبيب كبيرة، عندما عرفوا إنها اختارت تامرا للإقامة والعمل، كانت دهشة سكان تامرا أكبر عندما رأوا سيدة شقراء يهودية تقيم فى مدينتهم وحدها. فتقول سوزان فى كتابها كيف انه كان يلازمها فى كل لحظة من لحظات النهار والليل الشعور بأنها تحت المجهر، بأنها مراقبة، تتبعها الأنظار فى كل مكان تدرسها وكأنها كائن غريب، لم يكن هناك عداء ولكن فقط دهشة وتساؤل: "ما الذى تفعله سيدة شقراء يهودية وحدها فى مكان مثل هذا؟"
هل تعمل فى الحكومة الإسرائيلية؟ هل تتجسس على المجتمع العربى لحساب الشين بيت؟ كانت بعض النظرات تعكس تلك التساؤلات، ولكن عائلتها العربية الجديدة حذرتها من التحدث بالعبرية فى المدينة حتى لا يتصور السكان إنها جاسوسة. كان السؤال الأساسى الذى يسأله المارة إذا حدث وحاولوا الحديث معها: اين كنت تقيمين قبل مجيئك الى هنا؟ وبسرعة تبدو عليهم الدهشة عندما يعرفون إنها كانت فى تل أبيب، ويتساءلون: لماذا أتيت الى هنا؟ وحتى أن كان الانتقال مرة أخرى الى تل أبيب مسألة سهلة بالنسبة لها، إلا أن عملية الانتقال تظل مسألة عبور حدود، قد لا تكون مرئية، إلا إنها تظل نفسية وحقيقية. فان العربى الإسرائيلى الذى يزور مجتمعا يهوديا يصبح فورا هدفا، كائنا غريبا يمكن اكتشافه من خلال ملابسه وشكله ولغته وثقافته، والعربى الإسرائيلى يدرك من الوهلة الأولى انه يدخل الى مكان هو غير مرحب به، فيه، ويعامل فيه كدخيل. والخطر فى ذهن كل يهودى هو أن "الدخيل" قد يقوم بعمليات عنف أو عداء. ويعرف العرب تماما من خلال الاستفتاءات التى تجرى، أن أغلبية اليهود يريدون طردهم من البلاد.
والعربى فى المناطق اليهودية يتعرض للضرب والإهانة من السكان اليهود ومن الشرطة الذين يتعاملون معه بعنصرية شديدة، ولذلك فان الكثير من العرب الإسرائيليين أعربوا لسوزان عن مخاوفهم من الذهاب الى المناطق اليهودية، ومن كان عليه أن يتوجه الى تل أبيب لشراء مستلزمات عمله مثل خليل المصور، فانه يغادر المدينة فور انتهاء مهمته.

المناخ العام فى تل أبيب وتامرا
تعقد سوزان ناثان مقارنة بين المناخ الاجتماعى العام فى تل أبيب وفى تامرا، فتقول كيف أن مقابل البرودة فى العلاقات فى تل أبيب، فى تامرا يشعر السكان بالفخر فى ترحابهم بالأصدقاء والغرباء على حد سواء. ولكن عندما يقيم المرء فى مجتمع عربى، فان الترحاب به يكون مثل السلاح ذو الحدين.
تشرح سوزان ناثان ذلك بقصة عندما أبلغت احد أفراد العائلة ويدعى حسن، إنها ستذهب الى الصيدلية التى تبعد بضعة كيلومترات من المنزل، وغابت هناك أكثر من ساعة ونصف الساعة، لأن كل شخص تقابله يقف ليتبادل معها أطراف الحديث أو يدعوها الى تناول القهوة، وعندما وصلت الى المنزل سألها حسن بقلق كبير أين كانت، فعندما أجابته، ضحك واقترح عليها أن ترتدى الحجاب فى المرة التالية حتى لا تلفت الأنظار إليها. وأدركت سوزان أن الأمور والمهام تنقضى فى وقت أطول فى مجتمع عربى، عنه فى المجتمعات الغربية، فرغم إنها كانت تجد متعة كبيرة فى ترحيب الجميع بها، إلا إنها كانت تشعر أن ذلك يتسبب فى ضياع وقت طويل، حيث إنها لا تستطيع فى نفس الوقت رفض دعوة من شخص أو الإسراع فى الطريق، لأن ذلك قد يفسر بأنها تتجاهلهم.
وعرفت سوزان قواعد الاستقبال، والمشروبات التى تقدم عندما يكون الضيف مرحب به، والمشروبات التى تقدم عندما يريد صاحب البيت إبلاغه انه حان وقت المغادرة.

مأساة الحدود السياسية
ومن خلال الأحاديث مع المسنين والشباب عرفت سوزان الكثير عن تاريخ المنطقة، وكيف كانت الخليل فى الماضى وقبل إقامة دولة إسرائيل، من المدن المحورية التى كان من السهل الوصول منها الى كل المدن العربية الكبيرة الأخرى مثل بيروت ودمشق وعمان والقدس. ولكن اليوم وبعد أن قسم الإنجليز الدول ووضع الحدود السياسية ونشأت دولة إسرائيل أصبحت القدس هى المدينة الوحيدة التى يمكن الوصول اليها بسهولة، فلم تعد المدن الأخرى تقع داخل الحدود الآمنة بالنسبة لهم. فأصبحت كل من بيروت ودمشق فى دول عدو، بينما باتت عمان تحيط بها قوات عسكرية وتقع تحت حماية مكثفة.
ولكن الحدود تشكل مأساة أخرى للعربى الإسرائيلى أو الفلسطينى. فمنذ حرب 1948 انقسمت العائلات والمجتمعات وأصبح يعيش البعض فى تامرا بينما يعيش العديد من أفراد عائلاتهم والأصدقاء والأحباء فى معسكرات اللاجئين فى لبنان وسوريا منذ أكثر من خمسين عام، بعد أن أجبروا على مغادرة أراضيهم خلال الحرب. وترفض إسرائيل اليوم عودة اللاجئين، كما لا تريد إسرائيل ولا لبنان ولا سوريا أن يعبر المواطنون الحدود من دولة الى أخرى. لذلك فان لقاء العائلات التى تقسمت سواء كانوا إخوة أو أزواج، تظل مسألة مستحيلة.
وتقول سوزان أن تامرا تبدو لها أحيانا وكأنها معسكر لاجئين، مثلها مثل غزة والضفة الغربية، المدن الفلسطينية تحت الاحتلال العسكرى الإسرائيلى، ولكن بدون دبابات أو قوات. وذلك رغم أن تامرا ليست فى حرب مع إسرائيل، بل بالعكس، المواطنون فيها مواطنو دولة ديمقراطية!! وفى حديث مع "الحاجة" فى احدى الأيام، أدركت سوزان أن تصورها كان اقرب مما تصورت للحقيقة. فان معظم مدينة تامرا كان فى حقيقة الأمر معسكرا للاجئين، وكأن هناك سرا غامضا كئيبا وقبيحا لا يريد أحد من أهل المدينة أن يتحدث عنه كثيرا. وتقول سوزان أن الصور التى التقطت فى عام 1948 تظهر، ليس فقط بضعة منازل فى قرية تامرا، ولكن صفوف من المخيمات التى أقامها الصليب الأحمر لإيواء اللاجئين من المعارك.
فى عام 1947، كان تعداد تامرا لا يزيد عن الفين نسمة، ولكن بعد عام ارتفع العدد الى أكثر من ثلاثة ألاف. واليوم نصف سكان تامرا مسجلين على أنهم لاجئين داخليين، رفضت طلباتهم للعودة الى مساكنهم الأصلية. هؤلاء، ونحو ربع مليون عربى اسرائيلى أخر، يعتبرون حسب التعبير الذى تستخدمه الحكومة الإسرائيلية، "حاضرون متغيبون": فهم "حاضرون" داخل إسرائيل فى عام 1948، ولكنهم "متغيبون" عن مساكنهم عندما قامت السلطات بتسجيل ممتلكاتهم فى الدولة اليهودية الجديدة. وتشرح سوزان أن هؤلاء المواطنين فقدوا كل ما كانوا يملكونه فى عام 1948، سواء كانت أرضا أم مسكنا أم حسابا مصرفيا، فقد قامت الدولة الإسرائيلية الجديدة بمصادرته فى عام 1948.
وتؤكد سوزان ما قيل من أن القوات الإسرائيلية دمرت أكثر من 400 قرية فلسطينية خلال وبعد حرب 1948، من اجل منع اللاجئين من العودة الى وطنهم. الى حد انه نشأ فى الحكومة قسما خاصا للتخطيط لتدمير تلك القرى. ولكن تساءلت سوزان: لماذا لم تدمر تامرا، ونحو مئة قرية أخرى؟ والإجابة التى تلقتها كانت: لم تدمر تامرا لسببين: الأول لأنها كانت تقع خلف الطرق الأساسية التى كان يمر منها الجيش الإسرائيلى، لذلك لم يكن يعتبر تدميرها ضرورة عسكرية. والسبب الثانى هو أن تامرا كانت مجتمعا صغيرا، وكان لها تاريخ من التعاون مع السلطات اليهودية التى كانت موجودة قبل إقامة الدولة ومع التجار اليهود المتواجدون فى تلك الفترة. لذلك فقد اعتبرت السلطات الإسرائيلية قرية تامرا مركزا مهما للعمالة الرخيصة فى المنطقة، وبعد فترة قصيرة تحول المزارعون فى تامرا الى العمل فى التعاونيات الزراعية اليهودية التى عرفت باسم كيبوتزيم، أو تحول المزارعون الى أيدى عاملة رخيصة فى مجال البناء لبناء المساكن الرخيصة للاجئين اليهود الذين كانوا يتدفقون الى اسرائيل من أوروبا.
وهكذا لم تدمر تامرا، وبسرعة بدأت تستقبل مئات اللاجئين الفلسطينيين الذين جاءوا هاربين من البطش العسكرى الإسرائيلى فى قراهم مثل دامون وعين هود وبلد الشيخ وهاديثا. فى البداية كان اللاجئون مسئولية الصليب الأحمر، ولكن بسرعة قرر المجتمع الدولى تحويل مسئوليتهم الى الدولة الإسرائيلية. ولكن الدولة الإسرائيلية لم تعمل على تخطيط المدينة لتناسب الاعداد الكبيرة القادمة اليها، بل أعادت تحديد المنطقة لتكون منطقة سكنية ويفقد السكان الاراضى الزراعية فيها. وبعد أن فقد معظم اللاجئين كل ممتلكاتهم بدأوا يعملون من اجل بناء مساكن تأويهم بدلا من المخيمات، وهكذا تحولت القرية الصغيرة الى مدينة ذات كثافة سكانية عالية، فقد زادت عدد السكان بدون أن تسمح لهم إسرائيل بتوسيع رقعة الأرض. وذلك ما يفسر البناء العشوائى لمدينة تامرا ومعظم المدن العربية الآخرى فى إسرائيل.

مدينة لها صفة قرية
وان كانت تامرا تعتبر مدينة بالمعايير الرسمية، فهى، بالمعايير الواقعية، تعمل كقرية صغيرة. فرغم أنها فقدت الاراضى الزراعية بقرارات إدارية من الحكومة، إلا أن المزارعين احتفظوا بحيواناتهم المنزلية مثل الجياد والطيور والمواشى الأخرى التى تقيم فى الحديقة الخلفية لكل منزل. وفى نفس الوقت لا يوجد فى تامرا طريقا تجاريا، به متاجر كبيرة أو مطاعم سريعة مثل ماكدونالد أو غيره. فكل المتاجر الموجودة هى محلية فقط وتختبئ بين المنازل لا يستطيع الزائر العثور عليها بسهولة. أما أن أراد السكان القيام بالتسوق الحقيقى فان عليهم التوجه الى المدن الكبيرة القريبة منهم.
أما بالنسبة للطرق، فهى غير ممهدة ولم يتم التخطيط لها؛ لذلك، فان المجالس المحلية لم تهتم بوضع أسماء للطرق أو أرقام للمنازل. وتقول سوزان، إنها فى البداية تصورت إنها لن تستطيع أبدا التوصل الى فهم الطرق أو معرفة الطريق الذى يؤدى من نقطة الى أخرى، وكانت تسير يوميا على أقدامها بالساعات حتى تستطيع أن تفهم كيف تتحرك بين تلك الطرق الملتوية أو تلك التى توقف العمل فيها فبقت نصف ممهدة، وفى بعض الأحيان تفاجأ سوزان أن الطريق الذى تصورت انه يؤدى الى نقطة معينة، قد تم بناء جدارا فى نهايته لان إحدى العائلات قررت بناء مسكنها فى المساحة الوحيدة التى تبقت لديها.

تقاليد عربية/يهودية
تقول سوزان أن إسرائيل والغرب يقضون معظم الوقت يحذرون اليهود من العرب ويثيرون فيهم الخوف من "الفكر العربى" ومن ثقافاتهم، ويثيرون فيهم الخوف من الثقافة العربية والإسلامية، من خلال التركيز على الاختلافات بينهم وبين الغرب وإسرائيل. وتقول سوزان انه رغم إنها كانت على علم من أن العرب واليهود جاءوا من أصول سامية واحدة، ومن نفس المنطقة، إلا إنها دهشت كثيرا لاكتشاف مدى التقارب بين التقاليد العربية واليهودية، خاصة فى احتفالاتهم بالزواج أو بالجنازات. فبالنسبة للموت، تقول سوزان أن المتوفى فى الدين الإسلامي واليهودى يجب أن يدفن فى نفس اليوم قبل غروب الشمس. ويقام المأتم فى الحالتين لمدة ثلاثة أيام بالنسبة للمسلمين، وسبعة أيام لليهود، حيث يبقى المنزل مفتوحا من الصباح الى المساء، يستقبل المعزين من الرجال والنساء، كل فى مكان منفصل. والسبب فى الحالتين واحد: لكى تستطيع عائلة المتوفى أن تعبر عن حزنها بين أفراد العائلة والأصدقاء، حتى تستطيع بعد ذلك العودة الى أعمالها المعتادة. فى تلك الأيام الثلاثة تقوم العائلات الأخرى بطهى طعام لعائلة المتوفى، ويتناول منه المعزون المتواجدون فى المنزل فى وقت الغذاء. وفى الحالتين تستمر العائلة فى حزنها تعبر عنه عن طريق الامتناع عن الاحتفالات وسماع الموسيقى.
وتتشابه التقاليد أيضا فى احتفالات الزواج. فى تامرا يقيم العرس لمدة ثلاثة أيام على الأقل، يوم للاحتفال بالعروسة، ويوم للاحتفال بالعريس، واليوم الثالث هو العرس نفسه. وفى تلك الأيام يغلق الشارع الذى يجرى فيه العرس، وتصدح الموسيقى العالية وكأنها دعوة مفتوحة لكل أهل البلدة لحضور الاحتفال.

الحجاب يحترم أنوثة المرآة
لقد انتقد الغرب بشدة الحجاب الذى ترتديه المرآة المسلمة، واعتبره تعبيرا عن قمعها. ولكن تقول سوزان أن الغرب فى انتقاده للحجاب لم يتعرض قط لمعنى الحجاب فى حياة الفتاة المسلمة. كان ذلك أيضا من الأمور التى أثارت تساؤلات كثيرة لدى سوزان. وكانت دهشتها كبيرة عندما سألت سعاد التى تبلغ السابعة عشر من عمرها، أى التقاليد الإسلامية التى تعنى الكثير لها؟ فأجابتها انه الحجاب؛ فقد كانت سعاد فتاة متحررة غير محجبة، ولكن بالنسبة لها الحجاب "يجعلها فخورة بأنوثتها"، فتقول: "الحجاب هو عكس القمع، لان المرآة التى تتحجب تشعر بأنها حرة وفخورة لكونها امرأة، فهو يعطى للمرآة كرامتها. وتقول سعاد أن مشكلة الغرب انه يركز فقط على الحجاب فى تقاليد ملابس المرآة المسلمة، لأنه أكثرها وضوحا. ولكن الملابس المحتشمة سواء للمرآة أو للرجل تحافظ على كرامة المسلم، وهى من الأمور المهمة فى حياة المجتمع، والملابس من الوسائل الظاهرة التى يعلن من خلالها المرء انه يستحق الاحترام.
وبعد أن عاشت سوزان بعض الوقت فى تامرا، أصبحت صورة الفتيات فى الغرب، والذين وصفتهم سوزان بقولها: "اشعر بالصدمة كلما توجهت الى أوروبا أو أمريكا، وشاهدت كل تلك الصور العارية للفتيات، فى كل مكان."
نعم، لقد غيرت حياة سوزان فى بلدة عربية تصورها لأشياء كثيرة فى الحياة.

13 Jan 2007

كتب: الجانب الاخر فى اسرائيل 2


يهودية بريطانية تقرر البحث عن "وجه" العربى الإسرائيلى
العلاقة بين إسرائيل والعرب تماثل الابرتايد فى جنوب أفريقيا العنصرية
الحكومات الإسرائيلية غذت الخوف ضد العرب ليبقوا فى مجتمعات منعزلة

أعلن فى الأسبوع الماضى أن حزب العمل الإسرائيلى سوف يعين لأول مرة وزيرا عربيا، يدعى غالب مجادلة، من الحزب فى الحكومة الإسرائيلية التى يرأسها إيهود أولمرت، وزيرا لشئون العلوم والرياضة. ولقد قوبل الخبر بالكثير من الانتقاد من قبل أعضاء الحزب وأعضاء الكنيست، كما أثير جدلا كثيرا وتساؤلات من قبل العرب الذين انتقدوا مجادلة منذ أن انضم الى الحكومة أطلق عليها حكومة حرب بعد أن ضمت من بين وزرائها افيجدور ليبرمان الذى يطالب بتهجير العرب من إسرائيل.
ولقد زعم البعض أن تعيين وزيرا عربيا هى محاولة من حزب العمل لكسب أصوات فى الانتخابات الداخلية القادمة. بينما أكد العرب الإسرائيليين أن غالب لا يمثل العرب فى إسرائيل لأنه أولا عضوا فى حزب صهيونى ويمثل الحزب، كما انه لا يمثل المصالح الحقيقية للعرب الإسرائيليين. وأخيرا قال البعض الأخر أن وجود غالب فى حكومة تضم الوزير العنصرى ليبرمان يكفى لكى لا يثق فيه العرب.
هذه الثقة المفقودة بين العرب الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية ليست بدون أساس. بل هى النتيجة الطبيعية لنحو ستين عام من السياسة الصهيونية التى استهدفت فى الأساس طرد الفلسطينيين من أرضهم سواء إجبارا أو طواعية، من اجل فتح الباب لليهود فى الخارج الى العودة الى إسرائيل. ومن بين هؤلاء اليهود كانت سوزان ناثان، البريطانية التى قررت فى عام 1999، وبعد أن تجاوزت الخمسين من عمرها أن تترك وطنها بريطانيا لكى تمارس حقها فى "العودة" الى إسرائيل.
تقول ناثان فى كتابها "الجانب الأخر من إسرائيل"، والذى عرضنا جزء أول منه فى الأسبوع الماضى، أن عودتها الى إسرائيل كانت نقطة تحول فى نظرتها الى إسرائيل التى كانت قد تشكلت خلال وجودها فى بريطانيا، وتكونت من صور الهاربين من الهولوكوست فى أوروبا وهم يغادرونها فى السفينة الشهيرة "إكزودوس" متوجهون الى إسرائيل، ثم رجوعها بهم بعد أن غيرت بريطانيا رأيها تحت ضغط من الحكومات العربية. كما تشكلت الصورة من مظاهر العداء للسامية التى قابلتها فى بريطانيا فى طفولتها فى الفترة بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك فعندما جاءت الى إسرائيل، تقول ناثان أن ذهنها كان ملئ بالأفكار الرومانسية حول العقيدة الصهيونية والدولة اليهودية، وكانت تؤمن أن الدولة اليهودية قامت على ارض خالية، عقيمة "أرض بلا شعب، من اجل شعب بلا أرض". وكانت تصدق ما يقال من أن الشعب اليهودى قام بزراعة الأرض وجعل الصحراء تزدهر، وملأ منطقة خالية فى الشرق الأوسط بالكيبوتز، أى المزارع الجماعية التى كانت تعتبر الأساس الذى قامت عليه الدولة اليهودية.
لم تتصور سوزان ناثان أن فى تلك البلاد التى رسمت لها صورة مثالية، هناك يعيش شعب أخر، ولكنه معزول تماما عنهم. وان هناك أكثر من مليون عربى يشاركون اليهود الدولة، الفلسطينيون الذين بقوا فى الأرض بعد حرب 1948، وأصبحوا مواطنين إسرائيليين بالصدفة، وليس عن قصد. هؤلاء العرب الإسرائيليين ظلوا بالنسبة لناثان "غير مرئيين" كما هم لكل الإسرائيليين اليهود الآخرين. وظلت ثقافاتهم ومجتمعهم وقصتهم فى غموض.
كانت الصدمة الأولى، بالنسبة لناثان، التى اكتشفت وجود عرب فى الدولة الإسرائيلية عندما اضطرت الى التوجه الى المستشفى لعلاج عينها. وهناك، "رأت" مجموعات أخرى من الإسرائيليين لم تكن تراهم من قبل: عرب مسيحيين، دروز، مسلمين. معظمهم من هؤلاء الذين كان يطلق عليهم "العرب الإسرائيليين".
أما الصدمة الثانية فقد تلقتها فى نفس المستشفى حينما رأت سيدة من اليهود المتشددين تحمل طفلها الذى يبلغ شهرا من عمره، ولقد أجرى لتوه عملية فى عينه، وفى المساء جاء زوجها يزورهما. كان زوجها يرتدى الطاقية اليهودية، وتتدلى على جانبى وجهه خصلتا الشعر، وعلى كتفه يحمل بندقية وفى جانبه مسدسا، وهو زىَ المتعصبين من اليمين المتشدد الإسرائيلى. كانت صدمة ناثان كبيرة عندما رأت رجلا مسلحا يدخل مستشفى يرقد فيها نساء وأطفال، وما أثار دهشتها مرة ثانية، إنها هى الوحيدة فى العنبر التى اعتبرت المسألة كلها غريبة.
وفى حديث معه، تكشف لناثان مدى التعصب الذى يسيطر على فكره، وكيف انه لا يتحرك بدون سلاح، وعندما اقترحت عليه أن يعيش فى الحى اليهودى فى القدس، أجابها قائلا: "القدس كلها ملكا لليهود".
فى تلك اللحظة أدركت ناثان أن هناك من "يسرق" مساكن العرب فى الجانب الفلسطينى من القدس، الجزء الذى احتلته إسرائيل بعد حرب 1967، رغم أن هناك مناطق شاسعة من البلاد يستطيع أن يسكن فيها. كما أدركت ناثان أن فى إسرائيل مجتمعات أخرى كثيرة تعانى من المشاكل والمصاعب فى العيش، مثل المزراحى، وهم اليهود العرب، الذين جاءوا من دول شمال أفريقيا والعراق وسوريا ومصر، ويعاملون كدرجة أدنى عن يهود أوروبا الاشكينازى، الذين يحكمون البلاد. ولكن ما أثار اهتمام سوزان ناثان هم العرب الإسرائيليين السكان الأصليين. وانطلقت التساؤلات: اين يعيشون؟ ولماذا ظلوا فى الخفاء طوال عامين كاملين منذ أن أقامت سوزان ناثان فى إسرائيل؟ لماذا ظلوا بلا وجه، بلا كيان، بلا أى وصل معها رغم عملها فى الشأن العام؟ لذلك رحبت ناثان بأول زيارة من خلال عملها لقرية عربية، قرية تامرا التى قررت أن تقيم فيها فيما بعد، وعندما دخلت تامرا للمرة الاولى شعرت إنها انتقلت الى إسرائيل أخرى، إسرائيل لم تراها من قبل، تقع فى الجانب الأخر منها.

قرية خارج الزمان والحدود
لم تنته الصدمات التى كانت تتلقاها سوزان ناثان فى بحثها عن العرب الإسرائيليين. فكانت أول تجربة لها فى زيارة قرية عربية إسرائيلية من أكثر التجارب قسوة. تقول سوزان انه لم يكن من الممكن أن تصدق إنها، حال خروجها من الطريق السريع الرئيسى، وبالقرب من مدينة الخليل التى يعيش فيها اليهود الأغنياء، سوف تجد نفسها فى مكان داخل إسرائيل، ولكنه مختلفا تماما عن أى مكان أخر. ستجد نفسها فى قرية عربية تعيش خارج الزمن وخارج الحدود الوهمية الإسرائيلية.
فى قرية تامرا تجسدت أمام عينا ناثان كل الاختلافات الذى فرضتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على المجتمعات العربية. فقد كان من الواضح أن القرية تعانى من كثافة سكانية عالية، كما كان من الواضح الاختلاف فى المصادر المحلية والاستثمارات، وفى المناخ العام الذى يسود القرية من الإحباط واليأس، بسبب الإهمال الذى تعانيه من الحكومة والمسئولين. لقد كانت زيارة ناثان لقرية تامرا من الأمور التى أثارت اضطرابا كبيرا لديها، فقد أعادت لها صورة أخرى من الماضى، صورة التفرقة العنصرية، الابرتايد، التى شاهدتها فى جنوب أفريقيا فى أثناء أقامتها هناك فى طفولتها، نفس رائحة القمع فى تامرا وفى قرى السود فى جنوب أفريقيا.
وفى لقاء مع أستاذ جامعى عربى، الدكتور أسد غانم، احد كبار الأساتذة العرب الإسرائيليين، تحدث عن التمييز الذى يعانى منه العرب الإسرائيليون على جميع المستويات وفى جميع المجالات: العمل والتعليم وتخصيص الاراضى والميزانية المحلية. ولكن أكثر القضايا صعوبة كانت مسألة الاف المساكن التى تعتبرها الدولة غير قانونية، والمهددة دوما بالهدم. ففى تامرا وحدها هناك 150 مسكنا يواجه قرار الهدم. فتقوم الشرطة باستهداف منزلا من مساكن العرب، وتأتى البولدوزرات فى الفجر لتهدم المنازل غير القانونية. وتقول ناثان أن هدم المنازل التى أحيانا تعلو أربع طبقات، يعنى تشريد عشرات العائلات الكبيرة، ومئات الأفراد، فى لحظة.
ومن حديثها مع الدكتور غانم اكتشفت ناثان كذب السلطات الإسرائيلية التى كان تؤكد أن العرب بنوا منازلهم بشكل غير قانونى لأنهم لا يريدون تسديد ثمن التسجيل أو لأنهم يبنون منازلهم على أراضى حكومية. ولكن الدكتور غانم شرح لناثان أن لا احد من العرب يريد أن يستثمر أمواله كلها فى بناء منزل يعرف انه سوف يهدم فى أى وقت، بل أن الواقع الذى لا تعرفه سوزان هو أن العائلات العربية اضطرت الى بناء منازلها بدون ترخيص لان فى معظم الاحيان الدولة ترفض اعطائهم التصاريح، وان منزله هو شخصيا بنى بدون تصريح بناء وانه مهدد بالزوال فى أى لحظة، رغم أن الارض ملكا لعائلته لعدة أجيال من قبل. وعندما قرر البناء رفضت الدولة إعطاءه التصريح، واضطر منذ ذلك الوقت دفع غرامة تصل الى 15 ألف جنيه استرلينى فى كل مرة لكى يوقف قرار الهدم. وتحولت حياتهم الى عملية روتينية من دفع الغرامة لمنع الهدم، وكأنها أتاوة تطالب بها الدولة الإسرائيلية حتى لا تنفذ قرار الهدم. ورغم الغرامة إلا أن أهل المنزل يعيشون فى خوف وعدم أمان دائم من أن يستيقظوا يوما على صوت البولدوزر، أو أن يعودوا بعد العمل الى المنزل فلا يجدون إلا أطلال.
وأدركت سوزان ناثان أن هذه السياسة التى تتبعها الدولة الإسرائيلية ضد العرب الإسرائيليين ما هى إلا محاولة أخرى لدفعهم الى مغادرة البلاد. إنها سياسة التطهير العرقى مرة أخرى!! فان الدولة تفرض على عائلة غانم والاف العائلات العربية الأخرى أن تعيش فى خوف مستمر من الهدم والتشريد، وفرضت على أبنائهم أن يكبروا فى مناخ من الخوف المستمر من ان يعودوا الى المنزل يوما ما ويجدوا بدلا منه أطلال.

الهجرة الى ومن إسرائيل
من الأمور التى كانت تؤرق سوزان ناثان فى علاقاتها مع العرب الإسرائيليين هو التساؤل الدائم عن الأسباب التى دفعتها لأن تمارس حقها فى العودة الى إسرائيل؟ وقالت ناثان إنها أدركت فجأة، وبقسوة، أن قرارها ذلك، مثل قرار الآلاف الآخرين، كان على حساب ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون حتى الآن فى معسكرات لاجئين فى أنحاء منطقة الشرق الأوسط. وقررت ناثان أن تبحث وتعرف ما الذى حدث بالفعل. وبدأت تقرأ كل ما يأتى فى طريقها حول وضع العرب الإسرائيليين، وتسأل كل من تعرفه من اليساريين ومن الحكومة. ولكن كل الإجابات التى كانت تأتيها من أصدقائها الذين من المفترض أنهم على علاقة طيبة مع العرب الإسرائيليين، أنهم على علاقة طيبة مع صاحب المطعم العربى الفلانى لان مطعمه جيد، أو مع صاحب ورشة أصلاح سيارات فى قرية عربية لان أسعارها رخيصة. ولكن عندما كانت تسألهم ناثان عما يتحدثون مع أصدقائهم العرب، وأى قضايا يتباحثون فيها معا؟ كانوا ينظرون اليها بدهشة وكأنها كائن غريب، ويقولون لها أن علاقاتهم مع العرب الإسرائيليين لا تصل الى هذا المستوى.
وبسرعة شعرت سوزان أن العلاقة بين اليهود والعرب فى إسرائيل هى نفسها علاقة السيد والخادم التى كانت سائدة فى جنوب أفريقيا العنصرية. ولمدة أسبوع عاشت سوزان ناثان فى معاناة كبيرة وكأنها كانت "فى حالة تنقية نفسها من الأكاذيب التى عاشت عمرها تسمعها وتصدقها". وشعرت أن الدولة الإسرائيلية تدفعها الى تغيير أسلوب حياتها، والى اختيار أى جانب من إسرائيل تعيش فيه؟ كان عليها أن تختار إما أن تعود لتعيش فى تل ابيب وتتجاهل مثل سائر اليهود، المأساة التى يعيش فيها العرب، أو أن تجعل من حياتها معنى، وتعمل على توضيح الواقع والعمل على تغييره؟
لم يكن الاختيار صعبا. فلم يكن من الممكن لسوزان ناثان أن تستمر فى المعيشة مع الإسرائيليين فى تل ابيب، كانت علاقاتها معهم تخنقها، حسب تعبيرها. ولذلك عندما جاءتها الفرصة لتخرج من تل أبيب وتعمل فى تامرا كمدرسة فى مؤسسة ابن خلدون، لتعليم اللغة الإنجليزية لأصحاب المهن، لم تتردد فى أخذها. كما لم تتردد فى السكن مع عائلة ابو حجاز فى منزلهم الذى يقع على التل وسط المدينة.
لم تدرك ناثان مدى تأثير قراراها على أصدقائها اليهود، فتقول إنها فقدت أصدقائها اليهود ما بين ليلة وضحاها، فقد اعتبر اليهود ان ناثان خرجت من الفريق، من الجماعة، وبذلك أصبحت ضدهم، طبقا للقاعدة التى تقول: "من ليس معنا فهو ضدنا". ولكن بالنسبة لناثان كان المهم هو الإنسان، وليس المؤسسات أو الشعارات، وكانت تريد من خلال عملها وإقامتها كيهودية فى قرية عربية أن تثبت أن الخوف الذى يفصل بين الجانبين ليس حقيقيا ولا واقعيا. ولكنه خوف قام على الجهل، هذا الجهل بالأخر الذى تعمل الحكومة الإسرائيلية على تشجيعه بين مواطنيها اليهود، حتى يظلوا يعيشون منفصلين عن جيرانهم العرب.

وحدهم الضحايا
بعد تفكير طويل حول الأسباب التى تدفع اليهود الإسرائيليين الى التمسك بسياسات وعقيدة دولتهم مهما كانت، ويظلوا سجناء تلك المعتقدات مهما حدث، سواء كانت على حق أو على خطأ، وجدت ناثان أن ذلك يعود الى شعور اليهود العميق بفكرة التضحية التى شكلت تاريخهم سواء من القمع أو الاضطهاد أو الهولوكوست. هذا التاريخ جعل اليهود يرون أنهم وحدهم الضحايا فى هذا العالم، سواء كأفراد أو كمجتمع إثنى، وتفشى هذا المعتقد بين اليهود فى إسرائيل وفى أنحاء العالم، بين الفقراء والضحايا وحتى بين اكثرهم نجاحا فى الغرب. ومن خلال تلك العقيدة قام اليهود ببناء عالم "أليس فى بلاد العجائب"، ورغم أنهم بنوا دولة قوية تملك رابع اقوى جيش فى العالم، وترسانة نووية كبيرة ولكن غير معلن عنها حتى اليوم، إلا أنهم لازالوا يعيشون فى شعور جارف بانهم مهددون بالقضاء عليهم سواء من جيرانهم العرب أو من تبقى من الفلسطينيين الذين يعيشون فى الأراضى المحتلة.
ولقد استغلت الحكومات الإسرائيلية المقاومة العربية والعمليات الانتحارية التى يقوم بها الفلسطينيون لكى يغذوا دائما هذا الشعور بانهم "وحدهم الضحايا"، وهو ما منعهم من رؤية الصورة الكاملة الكبيرة لما يحدث بالفعل.
ولكن استطاعت سوزان ناثان أن تنتشل نفسها من هذا الشعور، لأنها عاشت ترفض فكرة الخوف من الأخر. وقررت أن تعيش مع العرب فى قراهم وبأسلوب حياتهم، وان كان اصدقائها اليهود قاطعوها لهذا القرار، فانها لم تجد ترحاب كبير فى البداية من جانب العرب، أو بالاصح قوبل قراراها بالشك فى نواياها من البداية. إلا إنها استطاعت بسرعة أن تزيل الشكوك وتكسب صداقة زملاءها و"عائلاتها" العربية كما يحلو أن تصفها كلما تحدثت عن العائلة التى تسكن فى منزلهم.

التمييز العنصرى ضد العرب
أدركت سوزان ناثان بعد أقامتها وسط العرب أن هناك سياسة إسرائيلية منهجية تستهدف دفع العرب الى الهروب من وطنهم الى الخارج. من بين تلك السياسات "التمييز فى التعليم". فمن خلال صديقة عربية تدعى زينب، عرفت ناثان أن الدولة تعطى المجتمعات العربية ميزانية ضئيلة للمدارس العربية، وتتكدس المدارس والفصول الدراسية بالتلاميذ، وتختصر ساعات التعليم، وتفرض المواد التى يجب تدريسها فى المدارس العربية، وتمنع بعض المواد، لا تمنع من المدارس اليهودية، ومراقبة المدرسين المعينين ومديرى المدارس مراقبة شديدة، ورفد أى مدرس أو مدير مدرسة معروف عنه اهتمامه بالقضايا العربية والتاريخ الفلسطينى.
وان كانت القوانين تفرض على كل مدرسة فى إسرائيل أن يكون لها جهاز تبريد فى الصيف، فان المدارس العربية تستثنى من هذا القانون لان الميزانية لا تسمح، كما لا تسمح الميزانية لشراء أجهزة الكمبيوتر، مثلما يحدث فى المدارس اليهودية، ويصبح على عائلة التلميذ شراء تلك الأجهزة والكتب أيضا.
لماذا يجهل اليهود كل تلك المشاكل؟ أو لماذا يتجاهلونها؟ حتى فى المنظمات الأهلية حيث تجرى لقاءات ومناقشات، تمنع الدولة مناقشة بعض الموضوعات مثل الموضوعات السياسية، لذلك فشلت تلك المؤسسات والجمعيات والمنظمات أن تستمر بعد الانتفاضة الثانية لان كل الموضوعات التى تفصل بين المجتمعين غير مسموح مناقشتها.
كما لاحظت ناثان أن اليهود المشاركين فى تلك الجمعيات غير مؤهلين لكى يقوموا بالتضحية من اجل التوصل الى حلول وسط. فقد كانوا يعيشون فى خوف من أن يؤدى دعم المساواة مع العرب الى القضاء على هوية الدولة اليهودية التى يريدونها. لذلك فان كل محاولات اليساريين من اليهود وأصحاب المنظمات التى تدعو الى السلام، لم يصلوا الى حد المطالبة بالمساواة مع العرب، وخذلوا أصدقائهم من العرب الذين تصوروا أنهم مختلفون.

سفينتا العودة والخروج
من بين أكثر الصور التى ظلت تؤرق سوزان ناثان فى حياتها الجديدة وسط العرب الإسرائيليين، تلك التى قصها عليها احد أصدقائها العرب من التاريخ، لتكشف لها إنها عاشت حياتها تسمع عن التاريخ اليهودى فى فلسطين بدون أن تعرف شيئا عن الشعب الفلسطينى ولا ثقافته، كما لو كانت بلا أهمية.
تلك الصورة تجسدت أمام ناثان عندما قرأت السيرة الذاتية للدكتور مفيد عبد الهادى الذى عاش فى القدس مع أسرته لمدة أجيال عديدة. فى السيرة جزء يصف هروب عائلة الدكتور عبد الهادى، مع عدد كبير من اللاجئين من فلسطين فى عام 1948، بعد أن أعلن عن قيام دولة إسرائيل. وفى نهاية الفصل يصف عبد الهادى السفينة "الملك فؤاد" التى حملت اللاجئين الفلسطينيين الى السويد، بعضهم خرج نهائيا تاركا وراءه أرضه وأصدقائه وأسرته. وعندما بدأت "الملك فؤاد" تبحر فى البحار الى السويد، تصادف إنها التقت مع سفينة أخرى متجهة الى الاتجاه المعارض، الى ارض فلسطين، تحمل على متنها المئات من اليهود يغنون ويرقصون فرحا بالتوجه الى "أرض الميعاد". وكتب عبد الهادى يقول: "عند مرورنا بالسفينة الأخرى، رفع الركاب فى سعادة بالغة، علم إسرائيل". إنها سفينة "اكزودوس" التى ألهمت سوزان ناثان فى طفولتها، وشجعتها على أن تتجه الى إسرائيل يوما ما لممارسة حقها فى العودة كيهودية.
وأدركت سوزان أن اليهود الإسرائيليين غير قادرين على مواجهة أو التعامل مع الجذور الحقيقية للمشاكل فى الشرق الأوسط، أو قبول دورهم فى المعاناة التى يشعر بها الفلسطينيون. ويظل اليهود يعتبرون ضحية معاداة السامية سواء فى أوروبا أو فى الدول العربية. ويعتبرون أى شخص يتهم اليهود أو الإسرائيليين باضطهاد العرب، بأنه معادى للسامية.





21 Dec 2006

الفلسطينيون أمام الحرب الأهلية والمصيدة الاسرائيلية



ينزلق العالم العربى الى آتون الحروب الأهلية فى كل مكان من السودان الى العراق ومن لبنان الى الاراضى الفلسطينية، ينفذون، دون وعى منهم، الخطة التى فشلت فى تحقيقها كل من إسرائيل والولايات المتحدة فى تفتيت الدول العربية الى دويلات مذهبية.
لقد أصبح الفلسطينيون قاب قوسين من الحرب الأهلية. الشعب الفلسطينى الذى حارب دائما من اجل قضية واحدة، يجد نفسه اليوم ممزقا منذ أن مارس حقه الدستورى فى اختيار حكامه فى انتخابات ديمقراطية حرة، فأختار حماس، التى يعتبرها الغرب من المنظمات الإرهابية. وكانت النتيجة أن قام العالم الغربى وإسرائيل بمعاقبة الشعب الفلسطينى على اختياره ذلك، وقرر وقف المساعدات عنه من أجل إحراج الحكومة التى اختارها والضغط عليها من خلال تجويع شعبا كاملا، وتحويل غزة الى سجنا كبيرا. ولقد كتب عنها مراسل صحيفة الإندبندنت فى سبتمبر الماضى يصف الوضع بقوله: أن "غزة تحتضر".
لقد قام الإسرائيليون بمحاصرة القطاع الى حد أن بات سكانه على شفا المجاعة، وحذر المراقبون من أن "على سواحل البحر المتوسط مأساة حقيقية تتبلور ولكن العالم يتجاهلها، فى الوقت الذى يهتم فيه بالأحداث فى لبنان والعراق". وذكرت التقارير أن مجتمعا كاملا يدمر، ويعيش مليون ونصف فلسطينيا سجينا فى أكثر المناطق كثافة فى العالم، فقد أوقفت إسرائيل كل تجارة معها ومنعت الصيادين من التوغل بعيدا عن الشواطئ بحثا عن الصيد. فى نفس الوقت يقتل الإسرائيليون المدنيين كل يوم من خلال عمليات قصف مستمر للمدينة سواء من السماء أو من الأرض. فامتلأت المستشفيات بالمصابين والمقابر بالقتلى، اغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ. ومنعت إسرائيل إسماعيل هنية من الدخول بالأموال التى تلقاها كمساعدات والتى اضطر أن يجمعها أموالا سائلة بعد أن منعت البنوك التداول والتعامل مع حكومة حماس.
وعندما وصل الشعب المقاوم الى أخر زاده، وقفت عجوز أمام مخيمها تواجه القوات الإسرائيلية الغازية، وقد حملت حول جسمها الذى أصابه الوهن، حزاما من المتفجرات لتفجير نفسها مع الإسرائيليين، انتقاما لحفيدها الذى قتلته القوات المغيرة، وحفيدها الأخر الذى سيعيش حياته على كرسى متحرك بعد أن فقد ساقه وهدم منزلها.
أخيرا عندما قرر الشعب الفلسطينى حماية زعماءه بأجسادهم تراجعت إسرائيل، وبدأت تدرك إن حربها تلك قد تثير ضدها العالم أجمع. فانسحبت، ولكنها لم تستسلم. بل غيرت تكتيكاتها، فبدلا من أن تقوم قواتها بمهمة إبادة الشعب الفلسطينى، وهى مهمة قد تثير ضدها عداء العالم أجمع، قررت أن توكل تلك المهمة الى آخرين. فبدأت تغذى مشاعر الكراهية بين أبناء الشعب الفلسطينى نفسه ضد حكامه، وتنمى الصراع بين الرئاسة التى تمثل فتح، والحكومة التى تمثل حماس.
وفى نفس الوقت، بدأت الولايات المتحدة تدرب قوات الرئاسة للدفاع عن الرئيس عباس، ثم قررت إسرائيل السماح بدخول قوات بدر التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية المرابطة فى الأردن الى الأراضى الفلسطينية، وذكرت التقارير أن ذلك يعتبر خطوة لتعزيز وضع أبا مازن العسكرى فى حال وقوع أى مواجهة عسكرية مع حماس.
وكان أولمرت قد سمح بدخول بعض الأسلحة من الأردن لحرس الرئاسة الفلسطينية قبل شهور قليلة قيل وقتها بأنها نحو 950 قطعة سلاح. وزيادة فى الإغراءات أعرب أولمرت عن استعداده للتنازل عن أراضى من اجل دعم أبا مازن، إذ قال فى حديث للإذاعة البى بى سى أن إسرائيل مستعدة للانسحاب من العديد من المناطق، دون أن يحدد تلك المناطق أو مساحتها أو موعد الانسحاب.
فى نفس الوقت دعم الاتحاد الأوروبى موقف إسرائيل من خلال رفضه الخطة التى قدمتها فرنسا وأسبانيا وايطاليا، والتى تدعو الى عقد مؤتمر دولى للشرق الأوسط وهو المؤتمر الذى ترفضه إسرائيل دائما. ورفض الاتحاد الأوروبى الخطة على أساس إنها، كما قالت الدول الأعضاء: "موالية للعرب".

لقد نصبت إسرائيل فخا للشعوب العربية، تسقط فيه الواحدة بعد الآخرى. ولكن الشعب الفلسطينى الذى عاش ما يقرب من ستين عام يقاوم الاحتلال بجسده قبل سلاحه، هل يسقط فى المصيدة هو الأخر؟

تأكيد السلاح النووى الاسرائيلى.. غضب فى الداخل وإحراج فى الخارج


أثارت تصريحات أيهود اولمرت رئيس وزراء إسرائيل غير المقصودة، حول امتلاك إسرائيل للسلاح النووى موجة من الانتقادات فى الداخل، ودهشة وإحراج فى الخارج.
ففى حديث للتليفزيون الألمانى، "أخطأ" إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقال ردا على سؤال من الصحفى حول السلاح النووى الإيرانى: "أن إيران تهدد علنا وبوضوح وبلا مواربة، إزالة إسرائيل من على الخريطة. هل تقول أنهم عندما يأملون فى الحصول على السلاح النووى، يقع ذلك على نفس مستوى الدول الأخرى، مثل أمريكا وفرنسا وإسرائيل وروسيا؟" فعندما ذكر إسرائيل مع الدول النووية الكبرى الأخرى أكد أولمرت ضمنيا ولأول مرة منذ أكثر من خمسين عام، عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووى. وفى نفس الوقت، ذكر روبرت جيتس، المرشح لتولى منصب وزير الدفاع خلفا لدونالد رامسفيلد، قبل أسبوع أن إسرائيل احدى القوى النووية فى المنطقة، مما أثار موجة من الغضب فى إسرائيل ضده.
قال البعض أن تلك العبارة هى زلة لسان من رئيس الوزراء، واعتبرها البعض الأخر تغييرا فى استراتيجية إسرائيل تجاه سلاحها النووى. ورأى البعض الثالث، أن على أولمرت الاستقالة من منصبه لأنه يضع أمن إسرائيل فى خطر، بينما يجد آخرون تصريحات المسئول الاسرائيلى هى من الأمور الطبيعية فى العصر الحالى..
فما هو تاريخ السلاح النووى الإسرائيلى؟ ولماذا لا تؤكد إسرائيل ولا تنفى امتلاكها للقنبلة النووية منذ أكثر من نصف قرن؟ ولماذا تهدد "زلة لسان" أولمرت اليوم أمن البلاد؟ ولماذا تغضب السياسيين فى الداخل؟ ولماذا تحرج بعض الدول فى الخارج؟
لقد أثارت تصريحات أولمرت غضب فى الداخل لأن امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية، رغم انه لم يكن سرا لأحد، إلا أنه ظل منذ الخمسينات من القرن الماضى يتأرجح من السرية الى الإنكار الى الغموض ثم اللاشفافية. فمن خلال سياسة "لا إنكار ولا اعتراف" بملكيتها للسلاح النووى أرادت إسرائيل ان تؤثر فى سياسات الدول الأخرى، وخاصة الدول العربية، وفى نفس الوقت لا تتحمل المسئولية التى تقع على عاتق الدولة النووية التى تعلن عن نفسها، ومطالبة الدول لها بالانضمام الى اتفاقية حظر الانتشار النووى.
ولقد ظلت إسرائيل على تلك السياسة منذ أن بدأت الفكرة تراود ديفيد بن جوريون، الذى أصبح فيما بعد أول رئيس وزراء لإسرائيل، منذ عام 1947 حتى قبل إقامة الدولة الإسرائيلية. ولم تتحقق إلا فى الخمسينات عندما تجمعت العناصر الأساسية التى سمحت بتحقيقها، وهى: تحالف ثلاثة رجال هم بن جوريون، رئيس الوزراء الذى تصور ان القوة النووية هى التى ستحل للدولة الجديدة المشكلة الأمنية ووجد مبرر بناءها فى العداء الذى واجهه من الدول العربية، وارنست ديفيد برجمان العالم الكيميائى، الذى قام بوضع التفاصيل العملية للمشروع، ورأس لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية التى نشأت فى عام 1952، وشيمون بيريز، الذى كان يتولى منصب مدير عام فى وزارة الدفاع الإسرائيلية، اكبر منصب مدنى فى الوزارة، والذى سعى الى إيجاد الدولة الأوروبية التى يمكن أن تساعدهم فى بناء السلاح النووى. وفى نهاية الخمسينات أصبحت إسرائيل سرا، القوة النووية الوحيدة فى الشرق الأوسط.
من جهة أخرى، أثارت تصريحات أولمرت، التى وصفها البعض بأنها "غير مسئولة" من رجل مسئول، الدهشة والحرج فى الخارج. ومن بين أكثر الدول التى قد تشعر بالحرج هى فرنسا التى أختارها شيمون بيريز فى الخمسينات لتكون الدولة التى تمدهم بالمفاعل والتسهيلات الآخرى التى تحتاجها الدولة العبرية، وذلك رغم ان فرنسا فى ذلك الوقت لم تكن تملك السلاح النووى بعد. وظل الأمر سرا فقد كانت المسألة غير مسبوقة، وتركزت مخاوف فرنسا من أن يؤدى انكشاف السر الى تدمير صورة فرنسا فى العالم، خاصة العالم العربى. ويقول الكاتب الاسرائيلى افنير كوهين فى كتابه "إسرائيل والقنبلة" الذى صدر قبل عدة سنوات، أن الجانب الفرنسى أصر على أن يوقع الجانب الاسرائيلى على وثيقة تنص على أن التعاون ينحصر فى مجال البحث العلمى، وعلى بقاء الوثائق بين البلدين سرا وهو ما حدث حتى الآن.
ولكن رغم أن الأحداث تغيرت، وأوقف الرئيس الأسبق شارل ديجول التعاون النووى مع إسرائيل فى الستينات، إلا ان الإحراج الفرنسى مستمر وهو ما يمنعها من الضغط على إسرائيل من اجل الإعلان صراحة بامتلاكها السلاح النووى، كما إنها لا تستطيع أن تزعم عدم المعرفة حيث إنها الدولة الوحيدة فى الغرب التى تعرف كل تفاصيل بناء المفاعلات. وذلك رغم تصريحات المتحدث الفرنسى باسم الخارجية فى الأسبوع الماضى، الذى أكد أن فرنسا تؤيد ابرام اتفاقية بين كل الدول تمنع تماما كل اختبارات نووية وتؤيد عدم الانتشار النووى، وأكد المتحدث أن ذلك يعنى كل الدول بما فيهم إسرائيل. واعلن المتحدث فى نفس الوقت أن فرنسا تؤيد الاقتراح المصرى بإعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووى، وهو بالنسبة لفرنسا البديل المناسب لانضمام إسرائيل الى اتفاقية حظر الانتشار النووى.
أما الدولة الثانية التى تشعر بالحرج فهى الولايات المتحدة التى لم تشركها إسرائيل فى سرها فى ذلك الوقت، ولم تكشفه الا فى عام 1960 بالصدفة، عندما قام رجل مخابرات امريكى بالتقاط صور من الفضاء لموقع بير شيبا وهو الاسم الذى اعطى لمفاعل ديمونة، عندما كانت الولايات المتحدة تقوم بعملية مراقبة دورية لتدريب اسرائيلى فى صحراء النقب. ولم تفهم الولايات المتحدة فى البداية حسب قول الباحث افنير كوهين فى كتابه، حقيقة ديمونة، إلا بعد عامين. ويقول الباحث الاسرائيلى فى كتابه "إسرائيل والقنبلة" أن رغم علم إدارة ايزنهاور بالمشروع منذ نهاية الخمسينات إلا إنها صمتت ولم تواجهه بأى تصرف، مما يشير الى أن الولايات المتحدة أرادت أن يتم معاملة مفاعل إسرائيل كقضية خاصة وبالكثير من الحذر.
أما الرئيس الامريكى السابق جون كنيدى فكان قلقا من مخاطر الانتشار النووى التى قد تهدد الأمن الامريكى ومصالحه، كما أعرب عن مخاوفه من انتشار عدم الاستقرار فى المنطقة. وكان مصمما على أن تتخلى إسرائيل عن برنامجها النووى. وتوترت العلاقة بين كنيدى واسرائيل.
ويقول الكاتب الاسرائيلى فى كتابه: "في نوفمبر عام‏1963,‏ قتل جون كنيدي‏,‏ واستكمل بناء مفاعل ديمونه في عام‏1966‏ ليكون عاملا غير مباشر لشن الحرب ضد مصر في عام‏1967,‏ ولن يعرف احد أبدا كيف كان سيتغير التاريخ النووي الاسرائيلي ان كان قد عاش الرئيس كنيدي لفتره رئاسيه ثانيه"‏.‏
وأخيرا أدى الإعلان غير المقصود، إن كان بالفعل غير مقصود، الى إحراج العالم العربى الذى ظل يعرف عن يقين أن إسرائيل تملك السلاح النووى، ولكنه لم يواجه المسألة كواقع، ولكن اليوم يجب عليه أن يضع استراتيجية أخرى ويحدد أن كان يريد الضغط لفرض اتفاقية حظر الانتشار واخلاء المنطقة من السلاح النووى؟ أن أن نظل نتعامل مع الموضوع مثل إسرائيل بنوع من "اللا شفافية"؟

3 Dec 2006

اغتيال الجميل.. حلقة فى سلسلة من الاغتيالات

جاءت عملية اغتيال بيير الجميل حلقة فى سلسلة لن تنتهى الآن، من الاغتيالات السياسية فى الشرق الأوسط، سواء فى الاراضى الفلسطينية او فى لبنان التى شهدت على مدى السنوات الماضية خمس عمليات اغتيال لشخصيات سياسية وفكرية وصحفية، ومحاولات لم تنجح استهدفت البعض الأخر. وتوالت بسرعة الاتهامات ضد سوريا وحزب الله، كما حدث فى وقت اغتيال رفيق الحريرى رئيس الوزراء الأسبق، عندما وجهت إسرائيل والغرب المتمثل فى فرنسا والولايات المتحدة، إتهامات وإدانات الى سوريا بعد الاغتيال بساعات قليلة، وقبل أى تحقيق أو محاكمة.
ولكن المهم الآن وقبل التحقيق، ليس معرفة من الفاعل، ولكن من المستفيد؟ من المستفيد الأكبر فى إشعال الفتنة مرة أخرى فى دولة مثل لبنان، التى عرفت على مدى تاريخها بالتوازن والتعايش الثقافى والدينى، والتى طالما كانت نموذجا فى الشرق الأوسط للحوار بين الحضارات؟ ومن المستفيد فى هذا التوقيت بالذات أن تعود سوريا لتكون فى عين العاصفة بعد أن ألمحت واشنطن الى إمكانية إجراء حوار مع سوريا وإيران لحل أزمة العراق؟

تتراوح التحاليل السياسية فى الخارج ما بين إدانة سوريا وحزب الله، وبين إدانة إسرائيل وواشنطن. فيرى بعض المحللين السياسيين، أن سوريا هى أكثر الأطراف استفادة من عودة الإضطراب الى لبنان، لأنها تسعى للانتقام من إجبارها على الانسحاب منها بعد أكثر من 30 عام من الوجود العسكرى فيها. ورغم خروجها العسكرى من لبنان، إلا أن المصادر تؤكد أنه لازال لها وجود مخابراتى قوى فى لبنان، يقوم بمثل تلك المهام.
ولكن من ناحية أخرى يرى البعض الأخر أن عملية الاغتيال هى امتداد للحرب التى شنتها إسرائيل ضد الجنوب اللبنانى فى الصيف الماضى، والتى راح ضحيتها 1300 مواطن لبنانى، وهى محاولة جديدة للانتقام من حزب الله الذى أعلن انتصاره على الجيش الاسرائيلى الذى اعتبر نفسه لا يقهر؛ كما يرى المحللون أن الاغتيال هو محاولة أخرى لإضعاف البلد الذى يمثل الجناح الغربى لإيران.
يرى البعض الأخر من المحللين السياسيين، عملية الاغتيال كمحاولة تستهدف سوريا أيضا، حيث انه من المؤكد أن الأنظار ستتجه اليها وسوف تتهم فى تلك العملية، كما اتهمت فى عملية اغتيال الحريرى، كأمر مسلم به.
أن من الواضح أن اغتيال بيير الجميل جاء فى وقت بالغ الحساسية، فقد جاءت العملية وقت الاحتفال باستقلال لبنان، وقبل يوم من قرار تحويل جريمة مقتل الحريرى الى محكمة دولية، للتغطية على القرار ولفت الانتباه الى جريمة أخرى.
كما جاء فى وقت كانت العلاقات بين إسرائيل وفرنسا قد بدأت تشهد اضطرابا عنيفا بسبب استمرار قيام إسرائيل بعمليات تحليق جوى فوق لبنان وفوق القوات الفرنسية التابعة للقوات الدولية على الحدود، فى انتهاك واضح لقرارات وقف إطلاق النار، ورغم تحذير القوات الفرنسية التى أعلنت انه كادت أن تقع اشتباكات بين القوتين. فجاء الاغتيال ليعيد فرنسا الى مربع إسرائيل والولايات المتحدة الحلفاء الطبيعيين لديها ضد سوريا وحزب الله.
وأخيرا، جاءت العملية بعد يوم من عودة العلاقات بين العراق وسوريا، غداة زيارة وزير الخارجية السورى للعراق فى محاولة لرأب صدع العلاقات بعد 25 عاما من الاضطرابات المستمرة. وفى نفس الوقت دعت إيران كل من سوريا والعراق الى لقاء ثلاثى فى طهران، وهو تحالف جديد من شأنه أن يثير مخاوف عميقة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
فى تلك الظروف، لن تحاول سوريا إفشال خططها فى المنطقة بالقيام بعملية اغتيال يكون لها صدى "إعلامى" دولى، مثل اغتيال شخصية سياسية لبنانية مثل بيير الجميل الذى ارتبط اسمه بتاريخ البلاد، بدأ من جده بيير الجميل الذى اسس حزب الكتائب وعقد اتفاقا مع إسرائيل رغم انه تحالف "فرض عليه"، ثم عمه بشير الذى اغتيل بعد انتخابه رئيسا للبنان واتهامه بالتحالف مع إسرائيل، ثم والده أمين الذى تولى الرئاسة خلفا لشقيقه. كما لن يحاول حزب الله، الذى ارتبط اسمه بسوريا، والذى تحول الى بطل عسكرى وقوة سياسية بعد حربه ضد إسرائيل ومنعها من تنفيذ خطتها لاحتلال الجنوب اللبنانى والاستيلاء على مياه نهر الليطانى، أن يضيع انتصاره هذا فى عملية من شأنها أن تثير حربا أهلية جديدة يكون هو أول الخاسرين فيها.
أما بالنسبة للعراق، فان اتهام سوريا بالاغتيال سوف يفشل أية محاولة للتقارب بين الدولتين، والذى تم بهدف وقف حمامات الدم التى تشهدها العراق منذ انتهاء "المعارك" كما تطلق عليها امريكا. واستمرار الحرب فى العراق، وتحولها الى حرب أهلية دموية، هى أفضل سيناريو بالنسبة لإسرائيل التى قال رئيس وزراءها ايهود اولمرت فى زيارته الاخيرة للولايات المتحدة، غداة هزيمة الحزب الجمهورى فى انتخابات الكونجرس، انه يساند الرئيس بوش لأنه "يعلم أن العراق بدون صدام حسين أفضل كثيرا لأمن إسرائيل.." ويعمل أيضا على إفشال مبادرة جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق، الذى يسعى لإعطاء واشنطن فرصة لخروج كريم من العراق.
فى نفس الوقت، يعلم أولمرت أن استمرار عمليات الاغتيال فى لبنان سيبقى على خريطة الشرق الأوسط الجديد حية، وهى الخريطة الى تستهدف تفتيت الدول الكبرى فى المنطقة وتحويلها الى مناطق مذهبية ودينية، مثل قيام دولة شيعية واخرى سنية وثالثة كردية ورابعة قبطية وخامسة مسيحية وسادسة درزية وسادسة...، ووسط تلك الخريطة المذهبية سيكون من الطبيعى أن توجد دولة يهودية، ولكن هى التى سيكون لها اليد العليا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا فى الشرق الأوسط الكبير. فترى من المستفيد الأكبر، وربما الوحيد، فى عملية اغتيال بيير الجميل؟

كتب: "60 عام من الصراع العربى الاسرائيلى"

الحوار اللبناني المتعدد الثقافات يجب أن يظل نموذجا يحتذى به العالم
لبنان يضم 18 طائفة مختلفة وشهد على 12 حضارة
بيريز: إسرائيل تصورت أن المسيحيين هم حلفاءها فى لبنان
ولكن بشير الجميل رفض هذا التحالف بعد انتخابه رئيسا فى عام 1982
شعار المجتمع اللبنانى: الوحدة فى الاختلاف، والاختلاف يؤدى الى التكامل

أغتيل بيير الجميل وزير الصناعة اللبنانى، يوم الثلاثاء الماضى، 21 نوفمبر، فى الساعة الثانية والربع ظهرا. وقبل اقل من ساعة كانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبنى ليفنى، تتهم سوريا وتقول فى تصريحات لها: "أن الدور السلبى لسوريا فى لبنان، ليست مسألة جديدة أو غير متوقعة"، تماما مثلما حدث فى فبراير عام 2005 يوم مقتل رفيق الحريرى رئيس الوزراء اللبنانى السابق، فى عملية إغتيال بشعة، فى ذلك اليوم كان وزير الخارجية الاسرائيلى فى زيارة لفرنسا، وبعد ساعة من العملية وفى مؤتمر صحفى عقده مع نظيره الفرنسى فى مبنى الخارجية الفرنسية، فى ختام مباحثاتهما، أتهم مباشرة سوريا، وكأن إسرائيل كانت مستعدة للحدث، مثلما كانت مستعدة لحادث بيير الجميل.
هل لبنان باتت اليوم على شفا حربا أهلية، مثل تلك التى تتفجر فى العراق؟ ومثل تلك التى تفجرت فى منتصف السبعينات من القرن الماضى فى لبنان؟ هل التعدد الثقافى اللبنانى عامل من العوامل التى تعد دولة الى حرب أهلية؟ أم عامل يعدها للحوار الثقافى؟ وهل هناك علاقة بين إغتيال بيير الجميل واغتيال عمه بشير الجميل قبل 23 عاما، عقب انتخابه رئيسا للبنان، ورفضه التعاون مع إسرائيل، رغم اعتباره "مرشح إسرائيل"؟ وبين اغتياله وبين دور جده بيير الجميل وتحالفه مع الإسرائيليين فى السبعينات من القرن الماضى؟
كل تلك الأسئلة تدافعت بعد إغتيال بيير الجميل، وهو الاغتيال، مثل قبله، أدانته جميع الطوائف اللبنانية، من حزب الله الى المارونيين الى الحكومة التى انسحب منها وزراء حزب الله، كما أدانتها كل الدول المجاورة من سوريا الى إسرائيل، وكذلك الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. الجميع أدانها، بينما أتهم كل جانب الجانب الأخر، فى عملية الإغتيال، كما حدث فى مقتل بشير الجميل. لتعود لبنان مرة أخرى ساحة للمعارك الخارجية.
ولكن، فى عام 1982، وبعد مقتل بشير الجميل قرر جيش لبنان المسيحى، جيش الجنوب الموالى لإسرائيل بقيادة حبيقة الانتقام، فقام بارتكاب مذبحة صابرا وشاتيلا ضد الفلسطينيين، حيث تم ذبح أكثر من 1200 فلسطينى تحت سمع وبصر الجيش الاسرائيلى الذى وقف خارج المعسكرين يحمى جيش الميليشيات اللبنانى. فهل مقتل بيير الجميل سيفجر مذبحة جديدة، هذه المرة بين المسيحيين وحزب الله؟

شرح شيمون بيريز، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، واحد الشخصيات الإسرائيلية المؤثرة فى تاريخ الدولة العبرية، هذا الدور وهذه العلاقة بين إسرائيل وعائلة الجميل، فى كتاب "ستون عام من الصراع العربى الاسرائيلى" الذى قام فيه بحوارات متبادلة مع الدكتور بطرس بطرس-غالى حول تاريخ المنطقة خلال الستين عام الماضية من الصراع العربى الاسرائيلى، وصدر فى باريس فى الصيف الماضى.
بالنسبة لشيمون بيريز، كما كان الأمر بالنسبة لإسرائيل منذ نشأتها، لم تكن لبنان جزءا من الأمة العربية والإسلامية، لان غالبيتها كانت من المسيحيين الذين حسب قوله، يركزون على التجارة والاقتصاد، أكثر من تركيزهم على الخطاب العقائدى الراديكالى السائد حولهم. وأرجع بيريز هذا التقارب بين مسيحيى لبنان واسرائيل أنهم كانوا "أقلية فى عالم إسلامى، وانهم كانوا يشعرون بالخوف من المناطق الشيعية، ومن جارهم الكبير السورى الذى، حسب قول بيريز، كان يعتبر لبنان جزءا لا يتجزأ منه.
ولكن الدكتور بطرس غالى نفى تلك الفكرة وقال أن كل السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان قامت على سلسلة من الأخطاء فى الرؤية وفى التحليل. لأن حسب رأيه، كان المسيحيون اللبنانيون معادين لإسرائيل أكثر من العرب المسلمين، ويشعرون بالخوف من وجود دولة إسرائيلية على حدودهم، تعمل على ضم جنوب لبنان اليها. وذكر الدكتور بطرس غالى أن خريطة دولة إسرائيل التى قدمتها منظمة الصهيونية العالمية الى مؤتمر السلام الذى انعقد فى فيرساى عام 1919، كانت تضم جنوب لبنان حتى نهر الليطانى. وأكد الدكتور بطرس كيف أن المسيحيين فى لبنان، مثل هؤلاء فى سوريا، هم لاعبون أساسيون فى العروبة الشاملة، وان الأقلية سواء كانوا مارونيين أو أقباط أو دروز، أدركوا تماما أن التحالف مع محتل الساعة، سواء كانوا فرنسيين أو إنجليز أو إسرائيليين، لا يدوم، وان من مصلحتهم التعايش بأفضل ما يكون مع الأغلبية المسلمة. وفى رأى الدكتور بطرس أن تحالف البعض مع إسرائيل ليس معناه أنهم قبلوا الواقع الاسرائيلى، بل كانوا يبحثون فقط عن وسيلة لتقوية وضعهم فى الصراع الدائر داخل لبنان.


"نحتاج الى ضابط مارونى"
فى عام 1955 قال موشيه شاريت، رئيس الوزراء إسرائيل فى ذلك الحين، أن موشيه دايان صرح له قائلا: ""كل ما نحتاجه، هو أن نجد ضابطا، قد يكون مجرد برتبة كابتن، لنكسبه فى صفنا، أو أن نستأجره لكى يقدم نفسه على انه منقذ الشعب المارونى. فى هذه الحالة يمكن أن يدخل الجيش الاسرائيلى لبنان، ويصبح سيد الاراضى الضرورية ويقيم حكومة مسيحية تكون حليفا لإسرائيل. أما المنطقة التى تقع جنوبى نهر الليطانى فنضمها بالكامل إلى إسرائيل."
لم ينف بيريز تلك القصة، بل وأشار الى زيارة سرية من كل من بشير الجميل ودانى شمعون، فى عام 1974 الى شيمون بيريز وكان وزيرا للدفاع فى ذلك الوقت، وقال بيريز إنهما طلبا منه مساعدة إسرائيل، وأشارا له أنهم جميعا يحاربون نفس العدو. ولقد تعهد بيريز أن يقوم بمساعدتهما فى مجال تدريب قواتهما، وسوف يتدخل فقط أن كانا فى خطر يهدد بالموت. كانت إسرائيل على قناعة تامة من أنها تستطيع إقامة سلام مع لبنان فى حالة وجود رئيس مسيحى، وخاصة بشير الجميل رئيسا للبنان، وكان السلام مع لبنان مسألة مهمة لإسرائيل بسبب مياه نهر الليطانى فى الجنوب، والذى تحتاجه إسرائيل بشدة.
فى تلك الفترة كانت الساحة اللبنانية تعج بالكثير من الصراعات: فكانت القوات السورية قد دخلت بطلب من المسيحيين المارونيين، وكانت المعسكرات الفلسطينية مستقرة فى الجنوب وترسل فدائييها لضرب إسرائيل، وكانت قوات الأمم المتحدة عند السواحل. وكانت الحرب الاهلية مشتعلة فى البلاد. وفى يونية عام 1982، قررت حكومة بيجين المتطرفة، والتى كان يتولى آرييل شارون فيها منصب وزير الدفاع، أن تقود عملية واسعة النطاق فى الجنوب اللبنانى تهدف الى تدمير القواعد الفلسطينية فيها، وبالفعل بعد يومين من القصف الاسرائيلى احتلت القوات الإسرائيلية الجنوب وبدأت عملية "سلام فى الجليل". كان هدف شارون انهاء الوجود الفلسطينى فى لبنان فى ذلك الوقت، وبالفعل تمكن من طرد عرفات وقوات فتح من لبنان.
فى اليوم التالى لانسحاب مقاتلى فتح انتخب البرلمان اللبنانى بشير الجميل رئيسا. كان من الواضح انه "مرشح إسرائيل". زعم البعض أن الإسرائيليين كان لهم يد فى هذه الانتخابات. نفى بيريز ذلك، وقال لا اعتقد. فالانتخابات اللبنانية مسألة خاصة جدا، حيث تتداخل مؤثرات متناقضة- عائلية وعلاقات شخصية ومالية وشبكات، الخ.- لذا لا اعتقد أن أكثر الإسرائيليين حذقا يمكنه أن يجد مدخلا فيها. إلا أن الدكتور بطرس غالى أكد أن الإسرائيليين لعبوا دورا أساسيا فى انتخاب بشير الجميل. أولا، قامت القوات الإسرائيلية بحراسة عددا من النواب فى أثناء توجههم الى جلسة البرلمان؛ ثم قامت المخابرات الإسرائيلية بشراء بعض الأصوات؛ وأخيرا، تم نقل نائب أو اثنين من البقاع بالطائرات المروحية الإسرائيلية الى المدرسة الحربية فى بعبدا حيث تمت الانتخابات.. "فلا تقول لى أن إسرائيليين لم يلعبوا دورا فى انتخاب بشير الجميل!"
ولكن الأخطر من ذلك، حسب قول الدكتور بطرس غالى، هو أن فى كل العالم العربى، سيعتبر بشير الجميل هو أول رئيس دولة عربية يتم اختياره ومساندته من قبل إسرائيل، وهو ما أثبت، فى نظر دول جبهة الرفض رغبة إسرائيل فى الهيمنة على العالم العربى مع كل ما يمثله ذلك من مخاطر على مستقبل العروبة.
وان كان بيريز قد نفى ذلك، فى حواره مع بطرس غالى، إلا انه أكد أن "بيجين وشارون كانا يأملان بقوة فى انتخاب بشير، معتقدين أن ذلك سوف يسمح بالتوصل الى سلام حقيقى مع اتفاقيات التعاون التى تم إعدادها". مع ذلك، قبل الانتخابات بوقت قليل، أجرى بيجين اتصالا مع بشير. وقال بيريز: "اتذكر انه اختفى خلال ليلة بأكملها، وعندما سألناه عن السبب أجاب قائلا: "لا يجب أن تسألوا رجلا محترما أين قضى ليلته." الحقيقة انه ذهب لمقابلة بشير ومعه شارون، وعاد من اللقاء سعيدا جدا، وأدلى بتصريحات لا تعقل، ألمح فيها الى أننا سنقيم سلاما مع لبنان. كان ذلك وهما، لم أصدقه إطلاقا".
تساءل منسق الحوار، اندريه فيرساى، عما كان يتوقعه الإسرائيليون من بشير الجميل، وان كان بيجين يأمل فى عقد معاهدة سلام سريعة مع لبنان من خلاله وان بشير رفض ذلك؟ أجاب الدكتور بطرس غالى الى أن ": قبل الانتخابات، كان بشير فى حاجة الى مساعدة الإسرائيليين. ولكن من اليوم التالى، لم يعد فى حاجة اليها. لذا فمن الطبيعى ان يبتعد عن إسرائيل، وهو الشرط الرئيسى أن كان يريد أن يكون رئيسا لكل اللبنانيين وليس متعاونا مع إسرائيل. لذا سيرفض توقيع معاهدة سلام وكذلك كل مشروع تحالف لبنانى-اسرائيلى".
ولكن بيريز اكد على أن الجانبين " عاشا فى أوهام حول الالتزامات العسكرية والسياسية التى كان كل جانب على استعداد لاتخاذها: تصور المارونيون أننا سنتحمل مسئولية حربهم، وتصور بيجين أن المارونيين سوف يتبنون مواقفنا ويصبحون على الفور نوعا من الطليعة الموالية لإسرائيل. ذلك كان يفتقد للحصافة: فكان لابد لكل جانب أن يراعى مصالحه الخاصة ويحارب بنفسه من اجل الدفاع عنها. واقصى ما كان يمكننا أن نأمل تحقيقه، هو الوحدة بين العائلتين المارونيتين الكبيرتين، الجميل وشمعون."
قتل بشير بعد انتخابه رئيسا للبنان فى عام 1982، وتولى شقيقه امين الجميل الرئاسة من بعده، ويتساءل المنسق الفرنسى أن كان مقتل البشير وضع حدا لأمال إسرائيل فى إقامة سلام مع لبنان؟ ورد بيريز قائلا: " لقد كانت ضربة قوية تلقاها الليكود الذى وضع أمالا كبيرة فيه، واقل بالنسبة لنا، المعارضة، حيث إننا لم نكن نصدق أحلام بيجين".
هل كان لسوريا يد فى هذه العملية كما اتهمتها إسرائيل، كما تتهمها اليوم فى حادث مقتل بيير الجميل؟ ما نعرفه هو أن اغتيال بشير جاء بعد انتخابه رئيسا للبنان، وبعد رفضه التعاون مع إسرائيل. وعلى اثر مقتله قامت قوات الميليشيات، بقيادة المسيحى حبيقة، بالهجوم على معسكرى صابرا وشاتيلا الفلسطينيين مدفوعا برغبة قوية للانتقام. وان الهجوم الذى أسفر عن مذبحة بشعة للفلسطينيين، تم تحت سمع وبصر وحماية القوات الإسرائيلية. بل وحسب قول الدكتور غالى: "تواطؤ من الإسرائيليين. بداية، انطلقت صواريخ مضيئة من الجيش الاسرائيلى من اجل تسهيل عملية دخول الميليشيات الى المعسكر. بعد ذلك، بعد الانتهاء من المذبحة، تدخلت البولدوزورات الإسرائيلية لتدمير المنازل الصفيح للمعسكرات. وأخيرا، هذه البولدوزورات قامت بحفر قبور جماعية حيث تم القاء جثث ضحايا المذبحة. وبناء على التقارير التى حصلنا عليها، تم إزالة كل علامة تشير الى وجود بولدوزورات اسرائيلية. وفى التصريحات التى أدلت بها الحكومة الإسرائيلية بعد المذبحة، وجدت انه من الافضل ألا تدين حلفاءها، الميليشيات، واكدت أن المجزرة هى من عمل وحدات لبنانية تم ادخالها الى المعسكرات. ولكن كان ذلك جهدا ضائعا، لان مذبحة معسكرى صابرا وشاتيلا الفلسطينيين سوف تلطخ الى الابد صورة إسرائيل وترفع عنها تأييد المجتمع الدولى".
وفى عام 1983 تعرضت قوات الأمم المتحدة لهجوم عنيف اسفر عن مصرع 59 جنديا فرنسا و241 أمريكيا، مما دفع القوات الدولية الى مغادرة المكان فى العام التالى.

هل كانت لبنان مهيأة طائفيا الى حرب أهلية؟ وهل حسب قول بيريز، "فقدت كل السلطات فيها شرعيتها، أى شخص يمكن أن يدعى الشرعية. لبنان لم يعد دولة متحدة، إنها منطقة تتكون من اقطاعيات صغيرة، كلها دول داخل الدولة، التى من جانبها لم تعد موجودة"؟ وهل تكوين جيش لبنان المسيحى، واعلان "دولة لبنان الحرة" فى الجنوب فى عام 1979، انعكاسا لتقسيم لبنان طائفيا؟ وهل سعت إسرائيل الى هذا التقسيم حتى تستطيع، كما فعل الفرنسيون فى الجزائر، والالمان النازيون فى الاتحاد السوفيتى، " السيطرة عليها، وذلك على غرار ما فعله الفرنسيون خلال فترة انتدابهم لسوريا".

وهل لبنان اليوم مهيأة لنفس الظروف؟ خاصة وأنها تعج بالطائفية رغم انسحاب القوات السورية منها بعد مقتل رفيق الحريرى فى العام الماضى، وبعد فشل محاولة إسرائيل الثانية احتلال جنوبها؟ هل تعمل إسرائيل مرة أخرى على إشعال فتيل الحرب الأهلية للانتقام من جيش حزب الله الذى هزمها فى حربها الأخيرة ومنعها من احتلال الجنوب؟ كل تلك الأسئلة ستظل بلا إجابة مؤكدة، مثل كل التساؤلات السابقة. ولكن من المؤكد أن حربا أهلية هى فى صالح إسرائيل اليوم التى تشهد على تدهور وضعها فى غزة والاراضى الفلسطينية وتفقد تدريجيا تأييد الغرب خاصة فرنسا التى وجهت نوعا من الإنذار اليها بعد تحليق طائراتها فوق مواقع القوات الدولية، وخاصة تلك التى تشارك فيها فرنسا، وكاد الأمر يصل قبل أسابيع قليلة الى مواجهات عسكرية بين الطائرات الإسرائيلية والمواقع الفرنسية الدولية.


التعددية الثقافية سند للحوار
بقدر ما هناك مخاوف من أن تؤدى التعددية الثقافية اللبنانية الى إشعال الحرب الأهلية مرة أخرى فيها، بقدر ما أن نفس تلك التعددية تعطى الأمل فى إمكانية إقامة الحوار بينهم. فان فشل الحوار الثقافى فى لبنان يعنى بلا شك، فشله فى أى مكان أخر.
ففى العام الأول من الألفية الثالثة، عقدت منظمة الفرانكفونية مؤتمرها الدولى للحوار بين الثقافات، ووقع اختيارها على بيروت لتكون هى المدينة المضيفة للمؤتمر. ولم يكن اختيار لبنان لعقد المؤتمر، عشوائيا. لبنان التى تضم 18 طائفة مختلفة، وشهدت على 12 حضارة متعددة. وان كانت الحرب الأهلية إشارة الى احتمال هزيمة الحوار، إلا أن بهجت رزق، الكاتب والمفكر اللبنانى، اكد فى كتابه "الهوية اللبنانية المتعددة الثقافات.. من اجل حوار حقيقى بين الثقافات" أن "التعددية الثقافية باتت ضرورة ملحة" فى عالمنا اليوم الذى تسيطر عليه العولمة والقرية الكونية.
دعا بهجت رزق فى كتابه الشعب اللبنانى الى أن يعمق هويته المتعددة الثقافات حتى يستطيع أن يقدمها مثلا يحتذى به فى العالم، وتصبح لبنان نموذجا يتكرر فى المجتمعات الأخرى. ويقول رزق فى مقدمة كتابه أن لبنان الذى اتفق على إقامة نظام سياسى متعدد الطوائف، يجب أن يدرك أن ذلك يترافق مع إدراك كامل بهوية متعددة الثقافات، لأن نفس المنطق يقود الفكرتين: أن كان الشعب اللبنانى يتفاوض من اجل إيجاد حل وسط سياسى، فيجب أن نؤيد هذا الحل الوسط وتبريره من خلال قبول اختلافه الثقافى. ويقترح رزق استبدال الاستثمار فى الاختلاف الدينى والسياسى بالاستثمار فى الاختلاف الثقافى، حتى تعود لبنان، تلك الدولة الصغيرة، التى تتبنى مصيرها ودورها لتكون مثلا ونموذجا. ويؤكد رزق على أن الثقافة هى التى تؤسس السياسة والاقتصاد، وليس العكس.
أن لبنان الذى يضم 18 طائفة مختلفة لا يستطيع تذويب تلك الطوائف معا، ولا تستطيع أى منها استبعاد الاخريات، لان كل الطوائف هى جزءا لا يتجزأ من تلك البلاد، ومن تاريخها وجغرافيتها. وهى تلك التعددية التى تشكل هوية البلاد، وتحدد ثقافاتها حول ما يوحدها وما يميزها، إنها هوية مركبة حيث إنها توحد فيما يتعلق باللغة والفنون والمطبخ، وفى نفس الوقت تختلف فيما يتعلق بالدين. ولكن بدلا من أن يؤدى الاختلاف الى المجابهة، يمكن أن يؤدى الى التكامل.
واليوم أكثر من أى يوم مضى، تجد لبنان نفسها مرة أخرى أمام الاختبار الصعب، إما أن تترك نفسها لتتحول الى فريسة للانقسامات الداخلية التى تؤججها التدخلات الخارجية. وتتحول الى شبح دولة مثلما يحدث فى العراق حاليا، أو أن تتمسك بهويتها المتعددة والتى تصنع ثراءها الثقافى، وقوتها السياسية، وتواجه المخاطر الخارجية.

كتب: نهاية العراق

التدخل الأمريكى فى العراق افتقد لاخطة استراتيجية مترابطة ومتماسكة
كوريا الشمالية وإيران اكبر دليل على عدم قدرة بوش فى الرؤية الشاملة
إرسال القوات الأمريكية الى العراق جعلتهم رهينة لدى إيران والشيعة
العجرفة والجهل بتاريخ وسياسة المنطقة جعل بوش يفشل فى خطته


بعد الانتخابات التشريعية فى الولايات المتحدة، وفوز الحزب الديمقراطى بأغلبية المقاعد فى مجلسى النواب والشيوخ، ضحى الرئيس جورج بوش بوزير دفاعه دونالد رامسفيلد، لأنه المسئول عما آل إليه الوضع الأمريكى فى العراق، وليس لأنه المسئول عما آل إليه الوضع فى العراق نفسها. وبدأ الحديث فى واشنطن عن أنسب وسيلة للخروج من هذا المأزق.
لقد ظلت الولايات المتحدة تبرر وجودها فى العراق طوال السنوات الخمس الماضية ومنذ الحرب فى 2003 وانهيار الأوضاع فى البلاد، بأن انسحابها سوف يلقى بالبلاد فى آتون الحرب الأهلية، ويقسم العراق. ولكن فى حقيقة الأمر فان العراق تعيش حربا أهلية مدمرة، وتقسمت أراضيها فعليا، وان لم تقسم بعد رسميا، ففى الشمال تشكلت دولة الأكراد المستقلة فعليا، وفى الجنوب قام الشيعة بتأسيس دولتهم الإسلامية، أما السنة فقد تجمعوا وسط العراق، حيث تبلور فراغ سياسى كبير، لا يحكمه أى سلطة سياسية بل قبائل وعشائر وبعثيون سابقون ومجموعات من القاعدة. هذا التقسيم الفعلى يشير الى أن العراق التى كانت، لم تعد قائمة، وإننا نشهد على أرض الواقع "نهاية العراق".
فى كتاب يحمل نفس العنوان "نهاية العراق" للسياسى الأمريكى بيتر جالبريث عضو مركز الحد من التسلح والانتشار، وخبير فى الشئون العراقية منذ الثمانينات عندما كان عضوا فى لجنة العلاقات الدولية فى مجلس الشيوخ، وقام بعدة زيارات الى العراق بعد حرب 2003، يحلل جالبريث أخطاء الإدارة الأمريكية فى العراق التى أدت الى تلك النتائج. ففى الكتاب يوضح جالبريث كيف غزت الولايات المتحدة العراق بفكرة مسبقة هى قدرتها على القضاء على رأس النظام، وبعد نهاية النظام سيستأنف الجميع فورا، العمل من جديد؛ وأوضح كيف أن الغزو كان يهدف أساسا الى بث الخوف لدى الدول "المارقة" كما كان يحب بوش وصفها، مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا، والى إجبارهم جميعا على التخلى عن الأسلحة "ذات الدمار الشامل" التى يتصور أنهم يملكونها، وعن مساندة التطرف.
ولكن جالبريث يؤكد أن غزو العراق، والتى وصفها بـ "تجربة" أمريكا فى العراق، أدت بلا شك الى تقوية إيران وكوريا الشمالية، بدلا من إخافتهما. وفى نفس الوقت يقول أن هؤلاء الذين وضعوا خطط الغزو لم يضعوا خطة مساندة، أى خطة بديلة فى حالة فشل الغزو وانهيار المجتمع فى العراق، أو فى حالة توقف ضخ البترول وتوقف الدخل المتوقع منه، أو فى حالة تقسيم البلاد وتفجر حرب العصابات فى كل مكان، كما هو الحال الآن.
واليوم أصبح الهم الأكبر بالنسبة للإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، هو: كيف يمكن الخروج من المآزق العراقى؟

تعهدات سابقة وأخطاء جديدة
فى عام 1991 شنت الولايات المتحدة حربها الأولى ضد العراق لإخراجها من الكويت. يقول جالبريث أن الحرب فى هذا العام كانت ملتصقة بالشرعية فى الولايات المتحدة، بعد أن حصل الرئيس بوش الأب على موافقة الكونجرس؛ وعلى الشرعية الدولية، بعد أن حصل على تأييد الأمم المتحدة، ومشاركة 35 دولة من أنحاء العالم منهم فرنسا وبريطانيا ومن الدول العربية مصر والسعودية والإمارات وسوريا. ولم يكن غريبا أن تفوز الأسلحة الحديثة التى لم يشهد احد مثيلها بعد فى ساحات الحروب، على جيش صدام حسين.
ولكن بعد حرب الخليج الأولى، تمرد الشيعة والأكراد ضد صدام حسين، ظنا منهم أن الرئيس الامريكى سوف يساعدهم فى ثورتهم. ولكن ما حدث كان العكس، فقد رفضت الإدارة الأمريكية التدخل لمساندة الشيعة والأكراد، عندما قام صدام حسين وقواته بقمع الثورة بكل قسوة فراح ضحية الثورة أكثر من 300 ألف شيعى.
فما حدث فى ذلك الوقت أن قام الرئيس بوش الاب، فى فبراير عام 1991 بزيارة مصنع صواريخ باتريوت التى كانت السبب فى الانتصار الساحق، ليشكر العمال. وفى المصنع القى بوش خطابه الشهير الذى قال فيه: "هناك طريق أخر لحقن الدماء، وهذا الطريق هو أن يأخذ الجيش والشعب العراقى الأمور فى أيديهم، ويجبرون صدام حسين، الديكتاتور، على ان يتنحى عن منصبه، ثم يلتزموا بقرارات الأمم المتحدة وينضموا الى الدول المحبة للسلام".
حرص البيت الأبيض على نشر كلمة بوش على أوسع نطاق، ليصل الى أكبر عدد من المشاهدين، فعرضتها كل القنوات القومية داخل الولايات المتحدة، وكل القنوات الدولية عبر السى أن أن والبى بى سى فى أنحاء العالم والإعلام العربى، كما أذاعت المحطات الإذاعية الحكومية الأمريكية مثل "صوت أمريكا" والاذاعة السرية التى تبثها وكالة المخابرات الأمريكية داخل العراق، الخطاب الى كل مكان فى المنطقة. وكان ذلك الخطاب هو ما اعطى للشيعة والأكراد الانطباع بأن أمريكا تعطيهم الضوء الأخضر للتمرد على زعيمهم.
ولكن فى مذكراته التى كتبها بالاشتراك مع برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومى الامريكى فى ذلك الحين، قال الرئيس بوش انه لم يكن يقصد هذا المعنى، وانه أضاف بشكل تلقائى هذه الفقرة الى خطابه. وفى نفس الصفحة قال سكوكروفت أن بوش قد يكون أراد بالفعل إسقاط صدام حسين، ولكنه لم يفكر أبدا أن ذلك يمكن أن يحدث خارج المؤسسة العسكرية، ولم يحاول أبدا إثارة الشعب ضد رئيسه. وأضاف سكوكروفت قائلا انه من المبالغة التصور أن "خطابا روتينيا" يلقى فى واشنطن، يصل الى الفئات التى ترفض نظام صدام، ويصبح الخطاب مسئولا عن التمرد التى قام به الشيعة والأكراد فيما بعد.
ولكن يقول جالبريث أن "الخطاب قد يكون روتينيا" ولكن جورج بوش لم يكن "سياسى أمريكى روتينيا" فقد كان رئيس الولايات المتحدة، الدولة التى تقود التحالف الدولى فى الحرب ضد العراق فى ذلك الحين. لهذا السبب فهم الأكراد والشيعة من تلك الخطبة أن الولايات المتحدة سوف تساندهم أن هم قاموا بالثورة ضد صدام حسين. تصور الشيعة والأكراد أن الرئيس الأمريكى كان يعنى ما قاله. ولكن نتائج الخطاب كان مذبحة. المذبحة الاولى قامت بها القوات الأمريكية ضد الجيش العراقى فى أثناء انسحابه من الكويت متوجها الى البصرة. ووصف الصحفيين هذا الطريق السريع الذى انسحب منه الجيش العراقى بأنه "طريق الموت السريع". ووصف احد قادة الطائرات الحربية الامريكى ما حدث بقوله انه قام بعملية "قصف الديوك"؛ فى هذا الوقت ثار غضب الصحف الأمريكية، وقرر الرئيس بوش وقف المعارك الأرضية، وقال جالبريث أنه يبدو أن بوش اختار هذا التوقيت بالذات لأسباب تتعلق بعلاقات عامة شخصية تخص الرئيس نفسه فقط.
والمذبحة الثانية كانت تلك التى قام بها صدام حسين ضد الشيعة والأكراد الذين ظنوا أن القوات الأمريكية سوف تساندهم فى ثورتهم ضد النظام البعثى. ويعتقد الشيعة العراقيون أن بوش الأب شجع الثورة ثم ترك صدام يقمعها، لأن فى رأيهم ان بوش أراد قتل الشيعة.
فى نفس الوقت الذى تفجر فيه التمرد الشيعى، تفجر أيضا تمردا من جانب الأكراد العراقيين، دون أن يحصلوا هم أيضا على مساندة الأمريكيين. ولكن كان مصيرهم مختلفا. ففى ابريل عبر أكثر من 500 ألف كردى الجبال التى تفصل بين العراق وتركيا، وأقاموا معسكراتهم فى المنطقة التركية. ولكن فى ظل الظروف الجوية الباردة ووسط الأمطار المستمرة، بدأ الأكراد يموتون بالمئات، بينما رفض الرئيس التركى أوزال، السماح لهم بالنزوح الى تركيا، وان يتقدمون أبعد من المنطقة التى كانوا فيها. وعندما قامت شبكة التليفزيون الامريكية السى أن أن بتصوير الأكراد وهو يدفنون موتاهم من الأطفال، ثار الرأى العام الامريكى والاوروبى خاصة البريطانى، وظهر التناقض كبيرا بين مأساة الأكراد وقيام الرئيس بوش الاب بقضاء عطلته فى ولاية فلوريدا. فقرر بوش سحب قوات من الجنوب وإرسالهم الى شمال العراق والإعلان عن منطقة آمنة فى الشمال محظورة على الطائرات العراقية العسكرية. وظلت الطائرات الأمريكية والبريطانية تطير فوق تلك المنطقة طوال السنوات التالية وحتى الحرب ضد العراق فى عام 2003.

الغرور والجهل
فى فصل تحت عنوان "الغرور والجهل" كتب جالبريث أن فى 29 يناير عام 2002 القى الرئيس جورج بوش الإبن خطابه الشهير أمام مجلسى الكونجرس والذى طرح فيه استراتيجيته فى عالم ما بعد 11 سبتمبر، وهو الخطاب الذى طرح فيه لأول مرة تعبير "محور الشر" فقال: "أن هدفنا الثانى هو منع النظم التى تدعم الإرهاب من تهديد أمريكا أو أصدقائنا وحلفائنا بأسلحة الدمار الشامل..." كوريا الشمالية وإيران والعراق.."دول مثل تلك وحلفائهم الإرهابيين، يمثلون محور الشر، ويتسلحون من اجل تهديد السلام فى العالم.." وبعد ذلك وجه بوش تحذيره: "على كل الدول أن تعلم أن أمريكا سوف تقوم بكل ما هو ضرورى من اجل ضمان أمنها القومى.. لن انتظر الأحداث، بينما المخاطر تتجمع. ولن أقف متفرجا بينما الخطر يقترب تدريجيا. الولايات المتحدة لن تقبل أن تهددها أكثر النظم العالمية خطرا، بأكثر الأسلحة فتكا."
أول نقاط الجهل بالهندسة وبالتاريخ، هو تعبير "محور الشر". فيقول جالبريث أن هذا التعبير جذب اهتمام الرأى العام، ولكن فى حقيقة الأمر فان كلمة "محور" تمثل خط مستقيم يربط بين نقطتين. وبالتالى فانه لا يمكن أن تكون كل من كوريا الشمالية وإيران والعراق محورا من وجهة النظر الهندسية. كما ان من وجهة النظر التاريخية، المحور يضم دولا حليفة، مثل ألمانيا وايطاليا إبان الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال، ولكن فى حالة العراق وإيران، لا يمكن أن تتحالف الدولتان اللتان كانتا من ألد الأعداء فى 2002، ولم يتكون المحور بين بغداد وطهران إلا بسبب جورج بوش وسياساته التى أدت الى فوز حلفاء إيران فى العراق فى انتخابات يناير 2005 التى قيل عنها إنها انتخابات ديمقراطية. أما كوريا الشمالية فهى ليست حليف لأى من الدولتين، إيران أو العراق، رغم إنها باعت صواريخ وتكنولوجيا نووية الى إيران وقتا ما. يقول جالبريث أن تعبير "محور الشر" قد يكون له تأثير جيد على مشاعر الرأى العام، ولكن بلا شك، لم يكن له أى فائدة فى مجال الأمن القومى.
فيما يبدو، حسب قول جالبريث، أن تعبير "محور الشر" تم إضافته خلسة على خطاب الرئيس، من قبل شخص يدعى ديفيد فروم، وهو كندى الجنسية يعمل فى مكتب كتابة خطب البيت الأبيض، بدون الرجوع الى أو الموافقة عليها من قبل وزير الخارجية فى ذلك الوقت كولين باول أو أى شخص أخر مسئول عن السياسة الخارجية الأمريكية.

يقول جالبريث أن استراتيجية الأمن القومى تكون ناجحة عندما تكون الأهداف واضحة، وعندما يتم وضع اولويات وتؤخذ فى الاعتبار المخاطر والوسائل المطلوبة للمضى فى طريق محدد، وعندما يكون هناك تخطيط دقيق لها. ولكن خطاب بوش، والطريقة التى تم كتابته، والإجراءات التى اتخذت بعد ذلك، تؤكد على غياب أى استراتيجية متماسكة يمكن أن تكون الأساس الذى قام عليه الغزو الأمريكى للعراق.
وان كان الرئيس بوش فى خطابه عام 2002 قد حدد هدفا للولايات المتحدة، وهو منع الدول الأكثر خطورة من الحصول على أسلحة الدمار الشامل، فان هذا الهدف كان، حسب قول جالبريث، غير واضح بشكل خطير. فان الأسلحة ذات الدمار الشامل، لا تحمل كلها نفس المخاطر، فالأسلحة البيولوجية والكيماوية، رغم بشاعتها، إلا إنها لا تقارن فى قدرتها على التدمير بالأسلحة النووية. وكان لابد، كما يقول جالبريث، أن يحدد بوش هدف الولايات المتحدة بمنع وصول الأسلحة "النووية" الى الدول التى يمكن أن تستخدمها أو تعطيها الى الإرهابيين.
هذا الغموض فى تحديد الأهداف الاستراتيجية ساهم فى اتخاذ القرار بتوجيه كل الوسائل العسكرية والدبلوماسية الأمريكية الى العراق، والتى كانت، والى حد كبير، اقل الدول الثلاثة التى تكون "محور الشر" خطورة. ففى الوقت الذى القى فيه بوش خطابه، كانت العراق تقع تحت طائلة العقوبات الشاملة التى فرضتها الأمم المتحدة عليها لأكثر من 11 عاما. ورغم أن صدام حسين قد طرد المفتشين الدوليين فى عام 1998، إلا انه كان من الممكن أن تثق الولايات المتحدة ثقة كبيرة فى أن العراق لم يكن لديها برنامجا نووية مهما فى عام 2002. لان فى تلك الفترة لم يكن هناك أية معلومات من المخابرات الأمريكية تفيد بان العراق لا تزال تملك أسلحة كيماوية التى كانت تملكها فى الثمانينات، كما أن المعلومات الخاصة بالأسلحة البيولوجية، ظلت هى أيضا غير واضحة.
ولكن بعكس العراق، كانت كل من إيران وكوريا الشمالية، تملك برامج نووية نشطة. وكان من الممكن أن يكون للتركيز الامريكى على العراق معنى استراتيجى، إن كان سيخيف تلك الدولتين. ولكن فى حقيقة الأمر، فان القلق الذى أبدته واشنطن تجاه العراق، دعم وشجع كوريا الشمالية وإيران، بدلا من إخافتهما.

واشنطن تثير غضب كوريا الشمالية وايران
فى عام 2002 كانت كوريا الشمالية جزءا من اتفاقية منع الانتشار النووى، وكانت تملك مخزونا من البلوتونيوم ولكنه كان يقع تحت إشراف وحماية وكالة الطاقة النووية الدولية. وكانت كوريا الشمالية قد وقعت فى عام 1994 اتفاقية مع كل من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وروسيا والصين واليابان، بتجميد كل أنشطتها النووية مقابل حصولها على البترول وبناء مفاعلين للطاقة النووية من المياه الخفيفة، لا يهددان بان تتحولا الى برنامج تسلح. ولكن إدارة بوش قررت فى عام 2002 اتهام كوريا الشمالية بانتهاك اتفاقية عام 1994 وإقامة برنامج سرى لتخصيب اليورانيوم. وهو ما لم يكن ممكنا حسب تحليل جالبريث.
وهكذا، أثارت واشنطن أزمة، بدون أن يكون لديها خطة بديلة. فقد قررت إدارة بوش وقف إمداد كوريا الشمالية بالبترول الذى نصت عليه الاتفاقية، ففى المقابل قامت كوريا الشمالية بالانتقام وانسحبت من اتفاقية منع الانتشار النووى فى 31 ديسمبر عام 2002، لتكون أول دولة تقوم بتلك الخطوة. ومنذ ذلك الحين قامت كوريا الشمالية بانتاج ما بين ست وثمانية أسلحة نووية من البلوتونيوم الذى كان يقع تحت إشراف وحماية الوكالة الدولية. ويؤكد جالبريث أن قيام كوريا الشمالية بالتحول لتكون قوة نووية كبرى هى نتيجة مباشرة للاستراتيجية الأمريكية المركزة على العراق.
كما أن الوضع فى إيران دليلا أكبر على عدم قدرة بوش على التفكير بشكل استراتيجيى. فمن وجهة نظر جالبريث، كان لابد على الخبير الاستراتيجى أن يأخذ فى اعتباره وضع إيران قبل اتخاذ قرار غزو العراق. فقد كان لابد أن يدرك أن إيران قامت بتمويل الأحزاب الشيعية فى العراق، أن لم تكن قد ساهمت فى تكوينهم، كما أن الجزء الجنوبى فى العراق يقيم فيه أغلبية شيعية، وبالتالى فانه من المتوقع أن يكون لإيران تأثيرا كبيرا على عراق ما بعد صدام حسين. حتى ولو كانت إيران تعد فى الخطط الأمريكية هدفا محتملا فى المستقبل، إلا انه كان لابد للخبير الاستراتيجى أن يقلل من معارضة إيران للجهود التى تبذلها أمريكا فى العراق، وعلى الأقل أن تقوى وضعها فى العراق الى أن تصبح على استعداد للتحرك ضد إيران.
أن إيران هى الدولة التى لديها كل الأسباب التى من اجلها تريد طرد صدام حسين خارج السلطة، أكثر كثيرا من الرئيس بوش. فقد كانت إيران هى التى شن صدام حسين ضدها حربا راح ضحيتها أكثر من 500 ألف شخص، والتى استخدم ضدها صدام حسين، حسب رأى جالبريث، الأسلحة الكيماوية، وكانت إيران، وليست الولايات المتحدة، التى يمكن أن تكون الهدف المحتمل لحرب بالأسلحة ذات الدمار الشامل التى قد يعيد صدام حسين انتاجها.
ويرى جالبريث أنه كان من الممكن أن تتعاون إيران مع الولايات المتحدة فى قلب نظام صدام، لان فقط إيران وحلفاءها الشيعة العراقيين الذين يمكن أن يستفيدوا من عراق ديمقراطى. لذلك فقد كان من الممكن أن تساعد إيران الولايات المتحدة فى انتصار سريع وخروج سريع من العراق. وحتى قبل خطاب بوش الذى تحدث فيه عن "محور الشر" كانت إيران تتعاون مع الولايات المتحدة فى حربها ضد افغانستان، وكانت تتبادل معها المعلومات السرية حول القاعدة، وكانت تمنع هروب أعضائها عبر إيران، وتسمح للولايات المتحدة بالقيام بعمليات بحث على أرضها عن الطيارين الذين يقعون فى حرب افغانستان. فقد كان للولايات المتحدة وإيران عدوا مشتركا: هو القاعدة وطاليبان، الذين كانوا يحاربون الشيعة.
بعد خطاب "محور الشر" أوقفت إيران تعاونها مع الولايات المتحدة فى أفغانستان، وأعطتهم كل المبررات للعمل على إفشال الخطة الأمريكية فى العراق. أما بوش فلم يفهم أبدا مدى تأثير إيران فى العراق، أو ربما لم يعتقد أن تأثيرها كان مهما.
فى يناير الماضى، صرح أكبر عالمى، نائب برلمانى ايرانى فى حديث نشرته صحيفة النيويورك تايمز قائلا: "أن أمريكا فى الوقت الحالى فى أضعف حالاتها. وان اتخذت أية تحرك غير حكيم (لمعاقبة إيران لأنها مستمرة فى برنامجها النووى) فمن المؤكد أن الولايات المتحدة ودول أخرى سوف تعانى من الضرر الذى سيقع عليهم". ويفسر جالبريث تصريحات عالمى بأنها تحذير من قدرة إيران فى إشعال ثورة شيعية ضد القوات الأمريكية فى جنوب العراق وفى بغداد.
فى رأى جالبريث أن قرار بوش بإرسال القوات الأمريكية الى العراق جعلتهم رهينة لدى إيران وحلفائها الشيعة. وبالتالى فان الإدارة الأمريكية لا تملك الان خطة عسكرية جيدة لوقف إيران من الحصول على أسلحة نووية.

هذا الفشل الاستراتيجى هو نتيجة لعملية غير منظمة فى اتخاذ القرارات، حيث اهتمت الإدارة الأمريكية بالعقيدة أكثر من اهتمامها بالتحليل، وحيث كان لكاتب الخطب تأثيرا أكثر مما لوزير الخارجية.

فشل الشرق الأوسط الكبير
اوضح بيتر جالبريث أنه من اجل أن يكون للعراق دورا فى استراتيجية جورج بوش فى الشرق الأوسط الديمقراطى الكبير، كان يجب تحقيق ثلاثة شروط: اولا كان يجب أن تنجح عملية إرساء الديمقراطية فى العراق؛ وثانيا أن تؤثر الديمقراطية فى العراق فى إجراء تغييرات ديمقراطية فى دول الشرق الأوسط الأخرى؛ وثالثا، أن على الحكومات الديمقراطية فى الشرق الأوسط أن تتصرف بشكل يتناسب مع المصالح الأمريكية أكثر مما يتناسب مع مصالح النظم المستبدة السابقة.
تصور بوش أن كل تلك الشروط ستتحقق. لذلك لم تحاول إدارته وضع خطط لدعم فرصة تحول ديمقراطى ناجح فى العراق، ولم تدرس ظروف العراق لترى أن كان من الممكن بناء دولة متحدة وديمقراطية يمكن أن تكون مثلا وقدوة للدول الأخرى فى المنطقة. ولم تخطط إدارة بوش لأى احتمالات بالفشل فى العراق. وأصبحت احتمالات التقسيم والحرب الأهلية والتدخل الايرانى فى أجزاء من العراق من الأمور الواردة والتى بكل تأكيد سوف ترفضها الدول الأخرى. فكانت النتيجة أن جاءت الانتخابات التى جرت فى المنطقة منذ حرب العراق عن نتائج لم تكن فى حسبان الإدارة الأمريكية. ففى إيران جاءت الانتخابات فى عام 2005 بشخصية محافظة مثل احمد نجاد بدلا من الاصلاحى محمد خاتمى، وفى فلسطين جاءت الانتخابات البرلمانية بحركة حماس الإسلامية.

ولكن من أسباب فشل خطة بوش فى إقامة الشرق الأوسط الكبير هو جهله بالمنطقة. ففى عام 2002 وبعد خطابه الشهير الذى تحدث فيه عن "محور الشر"، التقى الرئيس بوش مع ثلاثة من الشخصيات العراقية الأمريكية ليتحدث معهم عن الوضع فى العراق. ولكن فى الحديث اكتشف العراقيون الثلاثة أن بوش ليس لديه أية فكرة عن المذاهب الإسلامية: السنة والشيعة، ولا التقسيم الذى حدد تاريخ العراق وسياستها، كما لم يفهم أبدا لماذا تقوم دولة غير عربية مثل إيران، بمساندة العراق ما بعد صدام حسين.
هذا الجهل بالشعب العراقى، جعل بوش يضع قواته فى وسط حرب أهلية مشتعلة بين مذهبين اسلاميين. وحتى اليوم، فى عام 2006، وبينما الحرب الأهلية مستعرة فى العراق، لازال الرئيس الأمريكى وكبار مستشاريه يتحدثون عن الشعب العراقى وكأنه شعب واحد.

ولكن ما الحل؟
لا يجد بيتر جالبريث أى حل جيد للفوضى التى سادت العراق. فقد انقسمت البلاد فى حرب أهلية مدمرة، ولا تستطيع الولايات المتحدة إعادتها الى ما كانت عليه فى الماضى، ولا تستطيع وقف الحرب الأهلية. وان كانت الولايات المتحدة تصورت إنها تستطيع تغيير الشرق الأوسط، فقد حققت ذلك بالفعل، ولكن بشكل أخر!!!

كتب: حق العودة

حلم الدولة الصهيونية الاساسى كان:
الاستيلاء على اراضى وممتلكات الفلسطينيين وتحويلها الى ملكية يهودية
القوانين الدولية تحمى حقوق الفلسطينيين فى العودة الى وطنهم
عودة الفلسطينيين لن يهدد الدولة الإسرائيلية بل سيعطيها الفرصة للوجود الطبيعى فى الشرق الاوسط


فى محاولة جديدة من رئيس وزراء إسرائيل ليبدو أمام الرأى العام العالمى بإنه "يمد يده بالسلام الى الفلسطينيين" مثلما فعل من سبقوه أمثال إيهود باراك وغيره، فى حين إنه يتراجع عن مواقفه السابقة، أعلن إيهود أولمرت انه على استعداد للانسحاب من "بعض" الاراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية، و"التفكير" فى الإفراج عن عدد كبير من المساجين الفلسطينيين بعد عودة الجندى الاسرائيلى المحتجز فى الاراضى الفلسطينية الى بيته!! ولكن بشرط أن يتنازل الفلسطينيون عن "حق العودة". وهو الحق الذى أقرته الأمم المتحدة فى عام 1948، وأكدت عليه مرة أخرى كل القوى العظمى طوال أكثر من خمسين عام، ودعت إليه كل المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
ولكن إسرائيل ظلت طوال السنوات الماضية ترفض هذا الحق للشعب الفلسطينى وتنكر عليه المطالبة به أكثر من أى شئ أخر، وذلك ليس بسبب التعويضات التى سوف تضطر إسرائيل تقديمها مع عودة اللاجئين الفلسطينيين، سواء إنسانية أو مالية، ولكن أيضا، وبالأخص، لأن حق العودة يعيد الى ذاكرة الإسرائيليين ما يسعون الى نسيانه: وهى الظروف الحقيقية التى نشأت إسرائيل على أساسها، والتى تم، بمقتضاها، إلغاء الدولة الفلسطينية من على الخريطة. تلك الظروف التى تؤكد، بدون أدنى شك، على أن الدولة الإسرائيلية قامت على كذبة كبيرة، وهى أن الأرض كانت بلا شعب، بينما شعبها فى حقيقة الأمر موجود وطرد من وطنه قصرا حتى تستطيع الدولة العبرية الجديدة استقدام يهود العالم مكانهم.
وفى كتاب "حق العودة" الذى صدر فى فرنسا، كشف 14 كاتبا عربيا وفرنسيا فى مقالات منفصلة جمعهم المفكران العربيان فاروق مردم- بيه، السورى الاصل ومدير تحرير "نشرة الدراسات الفلسطينية" التى تصدر فى فرنسا، وإلياس صنبر، الفلسطينى الاصل وعاش فى فرنسا يحاضر فى الجامعات الفرنسية والامريكية واللبنانية عن التاريخ العربى، ومؤسس "نشرة الدراسات الفلسطينية فى عام 1981، حقيقة المشكلة التى يعيشها اللاجئون الفلسطينيون منذ ما يقرب من 60 عام.

فى مقدمة الكتاب يقول المؤرخان، مردم بيه والياس صنبر، أن الهدف منه هو فتح باب الحوار حول أكثر قضية شائكة فى الصراع العربى الإسرائيلي، لأنها القضية التى يعتبرها الرأى العام الاسرائيلى، بل اليهودى، "تهديدا قاتلا" لوجودهم، بينما يعتبرها الفلسطينيون مسألة لا يمكن تجاهلها، سواء فيما يتعلق بتداعياتها المادية أو معانيها الرمزية، ولا يتوقفون عن مطالبة إسرائيل بها.
فان الجانبين يدركان تماما أن "حق العودة" هى المسألة التى ستعيدهما الى الفترة الأساسية فى تاريخهما المشترك: وهى عام 1948، العام الذى شهد مولد دولة إسرائيل واختفاء فلسطين. لذلك فان مجموعة المقالات التى يتشارك فيها الكتاب والمفكرون هى محاولة لطرح الموضوعات التى طالما اعتبرت من المحظورات، خاصة موضوع طرد ونزع الملكية من الفلسطينيين، ومحاولة للتفكير فى حل عادل ودائم لمشكلة اللاجئين.
وقبل تصفح المقالات المختلفة، وضع المؤرخان التوجهات الثلاثة الأساسية لحق العودة التى كانت دائما مهددة بان تمحى: أول تلك التوجهات تتعلق بالحقوق الدولية: فمنذ عام 1948 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراها رقم 194 الذى يسمح " للاجئين الذين يرغبون، العودة الى أوطانهم فى أسرع وقت والحياة فى سلام مع جيرانهم". وفى نفس القرار، تقرر أن هؤلاء الذين لا يرغبون فى العودة يجب أن يحصلوا على تعويضات. وظلت الدول الخمس دائمى العضوية فى مجلس الأمن بالأمم المتحدة، عام بعد عام، يؤكدون على قرار الجمعية العامة، مما جعل قرار العودة مبدأ لا مفر منه حتى ولو أصرت إسرائيل على محاولاتها فى إنكاره. ومن الغريب أن الغرب والولايات المتحدة لم يؤيدوا وجهة نظر إسرائيل فى تلك القضية إلا بعد بدء عملية السلام.
أما التوجه الثانى الذى يحرص المؤرخان على ذكره فهو سياسى. فمنذ توقيع اتفاقية اوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، واعتراف كل جانب بالجانب الأخر، لم يعد من الممكن اعتبار حق العودة، الذى يصر عليه الفلسطينيون، وكأنه رغبة منهم لتدمير إسرائيل، أو إثارة الاضطراب داخلها، أو التشكيك فى هويتها اليهودية. فمنذ ذلك الحين يجب أن تدرس القضية، من منظور مختلف تماما على أساس الواقع الجديد الذى يقوم على مبدأ تقسيم الاراضى الفلسطينية التاريخية الى دولتين ذات سيادة. ويشير المؤرخان الى أن قيام إسرائيل بإنكار هذا المطلب واعتباره محاولة من الفلسطينيين لإفشال المفاوضات، من شأنه أن يثير المخاوف ويدفع اليمين الاسرائيلى المتطرف الى دفن عملية السلام برمتها.
وأخيرا، من الناحية الرمزية، فان اعتراف إسرائيل بهذا الحق، وهذا الحق فقط، يعد اعترافا أكيدا من جانب الإسرائيليين وتأكيدا على أنهم مدركون تماما للظلم الكبير الذى أوقعوه على الشعب الفلسطينى. أما الآلية التى يمكن من خلالها البدء فى تطبيق عملية العودة، فذلك بلا شك، يعتمد على عقد اتفاق بين الجانبين.

طرد الفلسطينيين من ارضهم
ويرى مردم-بيه وصنبر انه من اجل منع منطقة الشرق الأوسط من الانزلاق نحو الهاوية، والإرهاب والانتقام الأعمى والفوضى العارمة، فانه من المهم إعادة دراسة ملف الصراع العربى الاسرائيلى بكامله، والبدء بما حدث بالفعل فى عام 1948، وهو ما يطلق عليه الفلسطينيون كلمة "النكبة"، ويتناوله الكتاب فى أربع مقالات مختلفة كل من جانب مختلف. فأوضح نور مصالحة أن فكرة "ترحيل" الشعب الفلسطينى نحو الدول العربية هى فكرة مستقرة فى ذهن الصهيونية منذ هرتزل. ويقول نور مصالحة انه فى أغسطس عام 1948 قامت الحكومة الإسرائيلية بتخويل رسميا، ولكن سرا، الى لجنة الترحيل، مهمة التخطيط لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فى الدول العربية. ولقد قامت تلك اللجنة بوضع الخطوط العريضة للدعاية الإسرائيلية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، وقامت اللجنة باختلاق الأساطير حول ما حدث فى عام 1948. وفى اكتوبر من نفس العام، قرر أعضاء اللجنة دعم التغيير الديمغرافى للمنطقة عبر مختلف الوسائل: مثل منع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى منازلهم وقراهم؛ وتدمير القرى العربية؛ أو السماح لليهود بالاستقرار فى المدن والقرى العربية عن طريق توزيع الاراضى العربية على المستعمرات اليهودية؛ ومن خلال استقدام يهود العراق وسوريا؛ وعن طريق البحث عن وسيلة لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين فى الدول العربية مثل سوريا والعراق ولبنان والضفة الشرقية، والبدء فى حملة دعائية تعمل على إثنائهم عن العودة.
فى الماضى، ومنذ عام 1948، كان الإسرائيليون يروجون لفكرة أن خروج الفلسطينيين من أراضيهم كان بناء على خطة وضعها العرب الذين أعلنوا الحرب على الدولة الإسرائيلية، ولكن الوثائق التاريخية الإسرائيلية التى فتحت مؤخرا، أكدت على كذب تلك المقولة التى قامت لجنة الترحيل التابعة للحكومة الإسرائيلية بإختلاقها وترويجها فى تقريرها الذى صدر فى اكتوبر عام 1948؛ وهو التقرير الذى أصر على منع اللاجئين من العودة الى إسرائيل واقترح على الحكومة تشجيع توطينهم فى الدول العربية التى استضافتهم.
بينما قام وليد الخالدى، كبير الباحثين فى تلك القضية، بتحليل عميق لخطة "داليت" التى وضعتها القوات العسكرية اليهودية قيد التنفيذ منذ أول أبريل عام 1948 من اجل السيطرة على كل فلسطين وإفراغها من شعبها، استعدادا لانسحاب الجيش البريطانى، فى 15 مايو، ودخول الجيوش العربية المتوقع. ويؤكد وليد خالدى كيف قام هو وفريقه بدراسة ما وقع بالفعل فى الفترة من ديسمبر عام 1947 الى 15 مايو عام 1948، وقال أنهم قاموا فى البداية بدراسة النسخة الإسرائيلية لما حدث، ثم قاموا بعد ذلك بتوضيح الأكاذيب التى روجها الإسرائيليون حول قيام الدول العربية بإعطاء أوامرها الى الشعب الفلسطينى عبر الإذاعات، للخروج من أرضه حتى تستطيع القوات العربية الدخول لمحاربة إسرائيل. ويتساءل خالدى أن كان تلك الدعايات صحيحة فيجب أن يكون هناك دليل فى تسجيلات إذاعية محفوظة، ولكن خالدى أكد انه قام بالاستماع الى أرشيف إذاعة البى بى سى البريطانية، فى المتحف البريطانى بلندن، وأكد انه لم يجد أية علامة على وجود تلك النداءات، ولكن، بالعكس، وجد أن المحطات الإذاعية العربية كانت تدعو الشعب الفلسطينى الى البقاء فى أماكنهم، بينما قامت إذاعات المنظمات الإرهابية اليهودية مثل الهاجاناه والايرجون وشترن بشن حربا نفسية مستمرة ضد الشعب المدنى العربى.
فما هى خطة "داليت"؟ أو الخطة "دى"؟ إنها الخطة العامة للعمليات العسكرية التى وضعتها القيادة العليا الصهيونية، فى ابريل وبداية مايو عام 1948، والتى قام الصهاينة بمقتضاها بتنفيذ هجمات متتالية على عدة نقاط فى فلسطين. تلك الهجمات أدت الى تدمير الجاليات العربية الفلسطينية وطرد وإفقار غالبية العرب الفلسطينيين، واستهدفت الخطة من خلال ذلك الى خلق "أمر واقع" يمكن للدولة الإسرائيلية أن تنشأ فى ظله. هذه الخطة لم يعلن عنها إلا مؤخرا فى كتب لمفكرين ومؤرخين يهود مثل جون وديفيد كيمشى فى كتابهما "صدام المصائر"، وفى كتاب نيتانيال لورش، "حد السيف".
أما سلمان ابو سيتا، فقد قدم نقاطا وأرقاما محددة حول عدد المناطق التى تم ترحيل سكانها منها، وعدد الفلسطينيين الذين تم ترحليهم، ومساحة الاراضى التى كانوا يملكونها، وأسباب خروجهم منها. وفى نهاية هذا الجزء يعطى دومينيك فيدال نظرة تحليلية لأعمال "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين، حيث أشار بشكل خاص الى الأساطير الثلاثة التى قلبوها رأسا على عقب بالكثير من القسوة: وهى أولا الفرق فى القوة بين الأطراف المتصارعة فى عام 1948، والتى دحضها بنى موريس، احد المؤرخين الجدد الإسرائيليين، فى كتابه "1948 وما بعده" والذى قال فيه أن الخريطة التى تظهر إسرائيل دولة صغيرة وسط محيط من الدول العربية العملاقة، لم تكن تعبر حقيقة فى ذلك الوقت عن حقيقة الفرق فى القوة العسكرية فى المنطقة. فعلى عكس الصورة التى أراد الصهاينة نشرها عن الدولة الضعيفة التى ولدت لتوها، والتى تواجه جيوش عربية ذات العتاد القوى، أكد المؤرخون الجدد على تفوق القوة العسكرية الإسرائيلية سواء فى العتاد أو التدريب أو التنسيق أو الهدف.. بالإضافة الى الدعم السياسى الذى تلقوه من الولايات المتحدة، والدعم العسكرى من الاتحاد السوفيتى، ففى تلك الفترة، ورغم القمع الذى كان يتعرض له اليهود الروس، إلا أن الدولة السوفيتية كانت تمد إسرائيل بالأسلحة وكانت تدافع عنها فى الأمم المتحدة بلا شروط. كما دحض دومينيك فيدال فكرة أن سياسة الدولة الإسرائيلية الوليدة، كانت تدعو الى السلام كما ادعى الحكام الإسرائيليين، وأخيرا، والأهم، دحض نظرية أن الفلسطينيين غادروا أرضهم برغبتهم. ولقد أكد فيدال، حسب الأرشيف الاسرائيلى والذى كشفت التقارير التى وضعتها المخابرات التابعة للهاجاناه، بتاريخ 30 يونية عام 1948، والتى تؤكد أن نحو 391 ألف فلسطينى غادروا الاراضى بسبب الإسرائيليين، "55 % على الأقل من الفلسطينيين الذين غادروا الاراضى غادروها بسبب العمليات التى قام بها الإسرائيليون. وأكد الخبراء الإسرائيليين الى أن 15 % من الفلسطينيين غادروا البلاد بسبب الحرب النفسية التى شنتها الهاجاناه. مما يؤكد على أن 73% من الفلسطينيين غادروا البلاد مدفوعين مباشرة من الإسرائيليين. من هؤلاء 22% غادروا بسبب الخوف، وبسبب ازمة الثقة التى انتشرت بين الشعب الفلسطينيى.أما بالنسبة لدعوة العرب للفلسطينيين بمغادرة البلاد، فذلك لم يؤثر إلا فى 5% من الحالات.

الأرشيف يدين اسرائيل
أما الجزء الثانى من الكتاب، والذى نشر تحت عنوان "الأوضاع القائمة" فيشرح بشكل غاية فى الدقة الملفات الأساسية فى الأرشيفات المختلفة عن اللاجئين، خاصة لدى منظمة غوث اللاجئين، التى تعنى بأوضاع أكثر من أربعة ملايين شخص يعيشون فى معسكرات لاجئين فى الضفة الغربية وغزة والأردن ولبنان وسوريا. فى هذا الجزء يشير الكاتبان سليم تمارى وإليا زريق، على الأهمية البالغة لتلك الوثائق والتى يصل عددها الى نحو 80 مليون وثيقة. أما المقال الذى كتبه جلال الحسينى فهو معنى بالمكتب نفسه الذى تجاوزت مهامه المساعدات الإنسانية، والذى وجد نفسه يقوم بمهمة الضامن الدولى لحق العودة، أو التعويض عن العودة. وحسب يوسف كورباج، فان عدد اللاجئين الفلسطينيين اليوم من خارج أراضى فلسطين التاريخية أى من إسرائيل والاراضى المحتلة، وصل الى 3،5 ملايين شخص من اجمالى 7،7 ملايين فلسطينى، وهى الأرقام التى توصل اليها بعد أن أحصى اولا حجم عدد الفلسطينيين فى الشتات ابتداء من عام 1948، ونسبة النمو السكانى حتى عام 2000، ثم عن طريق دراسة إحصاءات كل دولة أو مجموعة من الدول. ومن جانبها قامت هانا جابر بدراسة التشابه بين معسكرات اللاجئين، رغم توسعهم على اراضى أربع دول، وقامت بتحليل لنموهم الإجتماعى والسياسى والحضرى منذ سنوات تأسيس الدولة الإسرائيلية وحتى تشكيل السلطة الفلسطينية. وأخيرا، قام أسامة رفيق حلبى بشرح ما الذى حدث فى إسرائيل لما أسماه "ممتلكات الغائبين" وهو القانون الذى صدر فى عام 1950، وقام بشرح القوانين التى صدرت فى إسرائيل والتى أقرت بمصادرة الاراضى العربية وتحويل ممتلكاتهم الى "الشعب اليهودى". فقال اسامة حلبى كيف قامت الدولة الإسرائيلية باحتلال مناطق كانت فى البداية "الدولة العربية" مثل مدن اللد والرملة والخليل الغربية ويافا. وكيف تجاوزت أهدافها إنشاء وطن قومى يهودى تعترف به الأمم المتحدة، التى تقبل الدولة الجديدة التى تقع داخل حدود الوطن القومى الفلسطينى، عضوا مستقلا ذى سيادة فى المجتمع الدولى، تدعمها القوانين الدولية. ولكن ذلك كان مجرد جزء من الحلم الأكبر للدولة اليهودية، أما الحلم الثانى والأهم فهو استيلاء اليهود على الاراضى والممتلكات العينية التى توجد داخل حدود الدولة الجديدة، وتحويلها كلها أو جزء منها الى ملكية الشعب اليهودى، وذلك من خلال القوانين التى قامت تلك الدولة بإصدارها، وبناء على نظم تشريعية وضعتها لهذا الهدف.
من بين تلك القوانين يطرح اسامة حلبى قانون "الأولوية للمنظمة الصهيونية العالمية" و"الوكالة اليهودية من اجل ارض إسرائيل" الذى صدر فى عام 1953، وكذلك قانون "كيرين كايميت لى-إسرائيل" لعام 1953 أيضا. القانون الأول يقر فى المادة الرابعة منه على اعتراف من الدولة على أن المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية هما "مؤسستان مؤهلتان للعمل فى إسرائيل من اجل تنمية البلاد وسكانها، ومساعدة المهاجرين العائدين من الشتات على الاستقرار، وتركيز أنشطة المنظمات والمعاهد اليهودية الأخرى التى تعمل فى هذه المجالات. أما القانون الثانى، فهو يسمح للجمعية كيرين كايميت-لى إسرائيل والمسجلة فى بريطانيا وتعمل فى إسرائيل كجمعية أجنبية، أن تصبح إسرائيلية، وبذلك تستطيع أن تمارس نشاطها بشكل دائم فى البلاد. هذه الجمعية تنص لائحتها على أن من بين الأهداف التى من اجلها نشأت، هى شراء الاراضى والمبانى أو امتلاكها بأى وسيلة أخرى، وذلك فى كل منطقة تتبع سلطة الحكومة الإسرائيلية، بهدف السماح لليهود بالاستقرار فى تلك المناطق، أو تأجير تلك الممتلكات، بشرط ألا يقوم المستأجر بإعادة تأجيرهم. وتنص اللائحة أيضا انه فى حالة حل الجمعية فان تلك الممتلكات تصبح ملكية الحكومة الإسرائيلية.

القانون يدعم العودة
فى الجزء الثالث والاخير، تشرح مونيك شوميلييه-جيندرو حق العودة من ثلاث وجهات نظر، التاريخية والسياسية والقانونية. فان مطلب الفلسطينيين الذى ترفضه إسرائيل وتمنع عودة اللاجئين، هو مطلب تسانده القوانين الدولية كلها، فتلك القوانين هى الأساس الذى تقوم عليه الممارسة الفردية للحقوق التى تضمنها ميثاق حقوق الإنسان، لعام 1948، فى مادته رقم 13، والذى يقر بحق كل شخص فى حق الانتقال بحرية واختيار مقر سكنه فى داخل الدولة. وحق كل شخص فى مغادرة البلاد، بما فيها بلاده. كما تقوم على الممارسة الجماعية حسب القانون القومى الخاص بحق الشعوب فى تقرير مصيرهم. هذه القوانين العامة، تكملها قوانين خاصة لها علاقة بالصراع الذى هم ضحيته، والتى تؤكد الاعتراف بحقوقهم. وتشرح شوميلييه-جيندرو بوضوح ضرورة القيام بدراسة للواقع حتى يمكن تحديد آليات تطبيق القوانين الدولية. وعندما دعا الرئيس الامريكى السابق كلينتون الشعب الفلسطينى الى التضحية والتخلى عن حقهم فى العودة الى أراضيهم، رد عليه ادوارد سعيد، المفكر الفلسطينى الكبير، بقوله: "يبدو لى انه من غير اللائق أن يقوم الرئيس كلينتون بشن حربا، يقود فيها كل الدول الأعضاء فى حلف الاطلنطى، ودمر فيها الصرب باسم حق عودة الألبان الى كوسوفا، ثم يطلب من الفلسطينيين أن يتخلوا عن حقهم هم فى العودة"؛
من الناحية السياسية تطرح إسرائيل الوضع الأمنى كسبب لمنع عودة الفلسطينيين، ولكن هذه الفكرة ما هى فى حقيقة الأمر إلا تعبيرا عن الخوف الذى هو جزء من الايديولوجية الإسرائيلية الذى يمنع الشعب الاسرائيلى من أن يحقق سلاما حقيقيا. ولأنهم يقومون بقمع الشعب الفلسطينى منذ أكثر من 58 عاما، وينكرون حقوقهم، ويفرضون عليهم نظاما عسكريا قاسيا، يعانى الإسرائيليون من العمليات العنيفة التى يقوم بها الفلسطينيين دفاعا عن أنفسهم. ولكن إذا قرر الإسرائيليون إقامة السلام، وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم، فان إسرائيل لن تعيش فى خطر بعد ذلك.
ثم قام مايكل فيشباخ، الخبير الأكثر معرفة بالملفات فى الوقت الحالى، بتناول قضية التعويضات، بعد أن درس تجربة لجنة المصالحة من اجل فلسطين التابعة للأمم المتحدة، وهى اللجنة التى نشأت بقرار الجمعية العامة رقم 194 الشهير، واعطى لمحة عن كل تلك الأرشيفات التى تضم شهادات محددة عن الممتلكات المفقودة لأكثر من 750 ألف فلسطينى. أما حول الأوضاع السكانية التى يمكن أن تنتج عن تطبيق قرار حق العودة، كتب فيليب فارجيس ثلاث سيناريوهات محتملة: العودة الرمزية، والعودة داخل حدود الدولة الفلسطينية، والعودة الى إسرائيل. ولقد قدم فيليب فارجيس الخرائط التى تشرح وجهة نظره، والتى سمحت بان نستخرج منها نتائج مختلفة عن تلك الموجودة حاليا. وفى النهاية أصر الياس صنبر على ضرورة التفريق بين الحق فى العودة، وبين التفاوض حول آليات التطبيق. ويرى أن التقدم الذى حدث خلال مفاوضات طابا، التى جرت فى يناير عام 2001، هو دليل على أنه من الممكن التوصل الى حل من خلال المفاوضات، بشرط أن يكون الطرفان على استعداد للوصول الى النهاية.

ويؤكد فاروق مردم- بيه والياس صنبر أن الهدف من الكتاب ليس فقط الدفاع عن ملف اللاجئين الفلسطينيين، الذى لا يختلف عليه أحد، ولكنه يقوم فى نفس الوقت بتوجيه رسالة مؤداها أن اعتراف إسرائيل بحق العودة لن يهدد مستقبلها، بل بالعكس سوف يعطيها الفرصة لان يكون لها وجود طبيعى فى الشرق الأوسط.