5 May 2015

الذهب تحت الأطلال





مثل الزلزال المدمر الذى أصاب هايتى فى عام 2010 وقتل ما بين مئة و160 الف شخص، ودمر مدن بالكامل؛ مثلما حدث فى اندونيسيا بعد اصابتها بالتسونامى الذى أغرق سواحل بالكامل تحت أمواج أرتفعت اكثر من 30 متر، وقتل اكثر من 230 الف شخص فى 14 دولة تأثرت بالكارثة؛ وقع زلزال مدمر أخر فى نيبال، راح ضحيته اكثر من عشرة الاف شخص ودمر مدن بأكملها.
فى 2010، كتب سفير الولايات المتحدة فى هايتى، إبان الزلزال المدمر،  يقول فى برقية الى وزارة الخارجية الامريكية: " لقد بدأ التسارع نحو الذهب ".. وهو ما يعنى أن الشركات الاستثمارية الكبرى وعابرة القارات والجنسيات، بدأ عدوها نحو البلاد المدمرة لكى تبدأ عملها فى الاستثمار وإعادة البناء، وهى كلها أعمال ليس فيها من مصلحة لأبناء الدولة الفقراء، بل وأفقر شعوب العالم، ولكن كلها استثمارات لصالح الشركات الكبرى التى سوف تنهل من المعونات التى تلقتها هايتى.
كما حدث فى السابق فى اندونيسيا. فالمدن الساحلية التى ابتلعتها الأمواج قبل 11 عاما، لم يعاد بنائها لصيادينها الذين كانوا يعيشون هناك، هؤلاء لم يجدوا لهم منازل او مدارس لأبنائهم او مستشفياتهم، بل قامت الشركات ببناء مدن سياحية على أعلى وأغنى مستوى تخدم أغنياء العالم.
وللأسف فإن نفس الشئ سوف يحدث فى نيبال اليوم. فبعد أن تهدأ الأرض وترفع الأطلال وتبدأ المعونات العالمية تتدفق عليها، فسوف تسارع الشركات العالمية "تتدفق نحو الذهب"، وهنا لن يجد أبناء نيبال معابدهم او منازلهم او مدارسهم، بل سيلقى بهم الى أحياءهم الفقيرة مرة أخرى.
هذا النموذج يتكرر فى كل كارثة طبيعية او غير طبيعية، كما أطلقت عليها الباحثة الامريكية نعومى كلاين فى كتابها "عقيدة الصدمة.. صعود الرأسمالية الكارثة" حيث كتبت عن الحرب فى العراق وكيف سارعت شركات البترول العالمية من اجل وضع يدها على آبارالبترول، وحتى فى الولايات المتحدة نفسها، ولكن فى المدن التى يعيش فيها فقرائها مثل نيو اورليانز التى عانى سكانها من الاعصار المدمر، وظلوا فى الخلاء الى أن بدأت الشركات تشحذ قواها لتحولها الى منتجعات سياحية.
إن الدور سيأتى على مصر التى تلقت المليارات من الدولارات من كل الدول العربية البترولية ومن دول العالم التى اجتمعت فى شرم الشيخ فى المؤتمر الاقتصادى الكبير لكى تلبى النداء للمساعدة. هذه الأموال هى الذهب الذى يسعون اليه وتهرع الشركات للحصول على نصيبها منه قبل الآخرين. فما الذى سيصيب مصر منها؟ مدن للأغنياء ومدينة ملاهى أكبر من كل المدن فى العالم حتى اكبر من ديزنى لاند.

24 Feb 2013

حوار مع صديقتى الاخوانية

ينتهى دائما حوارى مع صديقتى الاخوانية بالغضب ورفض الاستمرار فيه. فتقول صديقتى: "ان الفجوة بيننا كبيرة ولن استطيع ان أقنعك بوجهة نظرى، ولن اقتنع بوجهة نظرك". وهكذا، يصبح من الصعب الوصول الى نقطة تلاقى بين الاسلامية والليبرالية. يبدأ الحوار دائما مع صديقتى الاخوانية بالشك فى كل ما يقوله الجانب الاخر: "هل ترين كيف يلوون ويقلبون الحقائق؟" "ولكن الوقائع تؤكد ما يقال. الاخوان يقولون الشئ ويفعلون شيئا اخرا، يتعهدون ثم يخلفون العهد؛ يقولون ثم ينكرون". "انا ضد الكذب بالتأكيد؛ ولكن يجب ان نرى ما يفعلونه ايجابيا". "مثل ماذا؟" "انكم ترفضون من البداية الاخوان لذلك هذا النقاش لا يفيد". "ما هى الايجابيات؟ نريد ان نعرف" "ما يحدث فى القرى. هناك انابيب الجاز بوفرة وهناك القمح بوفرة الان". "هل النهضة فى رأيكم تختزل فى انابيب الجاز والقمح؟" "أرأيت؟ انكم لا ترون اى شئ ايجابيا". "إننا نسأل عن قرارات رئاسية تهدف الى تحقيق النهضة" "انا واثقة انهم سوف ينجحون" "ولكنهم لم يتخذوا اى قرار حتى الان يثبت انهم يسيرون على الطريق السليم". "إننا لن نصل الى شئ ولا اريد ان اكمل النقاش معك". وينتهى النقاش دائما الى لا شئ. مثل كل الحوارات التى يشارك فيها اعضاء الحزب الحاكم او اى من الاحزاب التى تقول عن نفسها انها اسلامية، او ذات مرجعية اسلامية. مما يثير تساؤلات حول ان كانوا يدركون ويفهمون فعلا ما يدور، أم انهم فى غياب ذهنى تام؟ ولكن على الجانب الأخر، ندرك ان تلك الأحزاب لا تريد الا شعب غائب الذهن مثل اعضاءهم، ولهذا السبب يستهدفون المثقفين والمعارضين بالاغتيالات، حتى يصمت تماما صوت العقل، فلا يجادل أحد قرارات لا تخدم مصلحة الوطن، ولا يبحث أحد عن الحقيقة. ولكن هل من الممكن ان يغلق شخص او حزب او جماعة أفواه شعب كامل مثل الشعب المصرى؟ وهل يمكنهم ان يثيروا الخوف لدى هذا الشعب العظيم حتى يصمت ويخضع؟ لا أعتقد.

الكارثة مقبلة

ان الكارثة ليست فيما يحدث اليوم فى الاتحادية والتحرير؛ انها ليست فى عمليات التحرش الجماعى الممنهجة، والتى تستهدف فتيات ونساء مصر بشكل اجرامى مخطط وليس عشوائيا، حيث يقوم المجرمون بتجريدهن من ملابسهن والتحرش بهن جنسيا؛ انها ليست استغلال الاطفال، سواء كانوا اطفال الشوارع او غيرهم من الفقراء، ووضع المولوتوف فى اياديهم ودفعهم الى القائها على أسوار القصور الرئاسية وحرق القصور الآثرية؛ انها ليست فى التهجم على المدنيين من المتظاهرين السلميين وتجريدهم من ملابسهم فى الشارع العام وامام عيون الالاف؛ انها ليست فى قيام الجيش بالقبض على المدنيين والمتظاهرين السلميين وتعذيبهم فى السجون والمعتقلات العسكرية حتى الموت. ان الكارثة ليست فيما يحدث اليوم؛ بل هى ستأتى قريبا؛ ان الكارثة الحقيقية هى نتاج كل ما يحدث اليوم وتأثيره فى نفسية هذا الشعب، فتياته ورجاله واطفاله، لسنوات وسنوات مقبلة. فلمن لا يدرك، فان تغيير مهمة القوات العسكرية، من مهمة حماية والدفاع عن الوطن والشعب ضد اعداء خارجيين، الى التصدى لأبناء وطنهم واعتقالهم وتعذيبهم، ا

و الى الدخول فى حروب اجنبية خارج الحدود لحماية شعوب اخرى او الاستيلاء على ثروات دول اخرى، مثلما حدث مع القوات الامريكية فى العراق او القوات الفرنسية فى مالى، من شأنها ان تحدث شرخا عميقا فى نظرة الجندى لنفسه وبذته العسكرية التى تعلم ان يفتخر بها، وفى ثقته فى روؤسائه سواء من القيادات العسكرية او السياسية، التى أمرته بتغيير مهامه والعمل بعكس ما تعهد على تطبيقه طوال حياته العسكرية، وهو الحفاظ على الوطن وابناء الوطن. هذا الشرخ لن يندمل بسهولة وسوف يكون له تبعات قاسية لم نشهد منها شيئا بعد. ولمن لا يدرك، فان محاولات إهانة فتياتنا وكسر عينهم، كما يقال، وتحطيم كرامتهم تحت اقدام بعض الحثالة الذين ارتضوا ان يقوموا بتلك المهمة الخسيسة مقابل المال، لن يثنيهم عن العودة الى الميدان، كما يتصور المحرضون، ولكنها سوف تضع بذور الكراهية والحقد والرغبة فى الانتقام لدى فتياتنا، زوجات وامهات المستقبل، فتبث تلك الكراهية داخل ابنائهم لتخرج اجيال جديدة لا تعرف التسامح أو المغفرة، كما يدعو ديننا الحنيف. ولمن لا يدرك، ان الزج بأ"طفال لا تتجاوز اعمارهم العاشرة الى ساحة العنف، حتى ولو كانوا أطفال الشارع الذى لجأوا اليه هربا من العنف المنزلى، سوف يضيف الى مشاكلهم، بل وسوف يجعلها مستعصية الحل ليصبحوا يوما ما بلطجية مأجورين، ومرتزقة، يقتلون مقابل المال. إن هؤلاء الذين يحرضون ويخططون لهذه الساحة التى رأيناها فى الايام والاسابيع الماضية، يحملون عقولا شيطانية، لا يمكن التحاور معها، او الوصول الى تفاهم ما أيا كان. وعلينا ان نخاف من المستقبل ان نحن تركنا المسائل تتفاقم بلا رادع ولا عقاب.

9 Jan 2013

المشاركة واجب

المشاركة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة ليست فقط حق بل واجب وطنى. فالى متى ستظل القوى الثورية والليبرالية، او القوى غير الاسلامية، تستنكف المشاركة فى انتخابات او استفتاءات، بسبب اعتراضهم على القانون وتترك الساحة للقوى الاسلامية ترتع فيها كما تشاء. فالنتيجة ستكون كما حدث من قبل هو فوز التيار الاسلامى باغلبية المشاركين الذين لن يكونوا اغلبية الناخبين، وسوف تتكرر الصورة مرات ومرات، بتمرير دستور مبتسر فى استفتاء لم يحصل فيه الا على 20% من اصوات الناخبين، لذا فان مع مقاطعة القوى الليبرالية الانتخابات العامة المقبلة، سوف يفتح الطريق واسعا امام القوى الاسلامية كلها لتحصل على كل شئ بدون جهد؛ فقط لان الليبراليين قرروا الترفع على قانون الانتخابات ورفضه من اصله. فى حين انهم ان شاركوا وحصلوا على مقاعد، وسوف يحصلون بالتأكيد على الاغلبية، سيكون بمقدورهم تغيير واصدار القوانين التى يرغبون فيها. لذا ابعث من هذا المكان مناشدة خاصة الى كل الاحزاب الليبرالية المشاركة يد واحدة فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، وكل ناخب قادر على الخروج من منزله ان يتوجه الى صناديق الاقتراع للتصويت من اجل مستقبله ومستقبل اولاده واحفاده.

من اجل كرامة مصر

كوننا مصريون نشعر بالفخر ببلدنا، ولكننا نشعر بالخزى من تصرفات حكومتها التى ما تفتأ تهين نفسها فى اكثر من مناسبة؛ فبعد ان كانت الاهانات تكمن فى الداخل سواء كان فى شكل تصريحات مغلوطة او اكاذيب يرددها المسئولون، تجاوزت الحكومة والحزب الحاكم لينتقل بالاهانات الى المستوى الاقليمى. كان اخرها عندما قررت الحكومة ارسال مدير مخابراتها الى دولة الامارات العربية للتوسط فى الافراج عن 11 مصريا متهمين بتكوين شبكة من الاخوان المسلمين هناك. والذى زاد من الاهانة ان دولة الامارات رفضت الاستجابة لطلب كبار المسئولين المصريين، مما دفعهم، وذلك فى اهانة ثالثة، التوجه الى السعودية للتوسط فى المشكلة مع دولة الامارات. ومن قبل تلك الحادثة، تابعنا تصريحات عصام العريان حول دعوة يهود مصر فى اسرائيل العودة الى مصر؛ فكان الرد جاهزا على الجانب الاخر، فرد عليه يهودى مصرى فى اسرائيل يقول انهم ليسوا مجانين لكى يعودوا الى مصر فى تلك الظروف. ان كانت الحكومة المصرية الحالية وحزبها يتحدث باسم فئة معينة، فهو فى الخارج لا يمثل تلك الفئة فقط، ولكنه يمثل مصر كلها، بكل تاريخها وجغرافيتها وثقافاتها وشعب مصر كله، ونحن نرفض ان نهان فى الخارج او فى الداخل، وعلى حكومتنا ان تحافظ على ما تبقى من هيبتها قبل ان تسقط كلها.

27 Dec 2012

الحسين ثائرا

تعود الينا مسرحية "الحسين ثائرا" التى كتبها المفكر المصرى الكبير عبد الرحمن الشرقاوى فى الستينات من القرن الماضى، وكأنها تتحدث إلينا اليوم فى ظروفنا الحالية. كلماتها استنطقها المفكر الكبير فى الستينات، ولكنها تفتح جراحنا اليوم، وتلقى الضوء على الأزمة التى نعيشها. "زال الطاغية المتكبر سقط الدجال الأكبر هلك الفرعون المتجبر" هكذا وصف الشرقاوى موت معاوية على لسان البعض. ولكن هناك من يريد البيعة لأبنه يزيد حتى لا يتغير الحكم. هؤلاء من قال عنهم على لسان بشر: "أنتم آفتنا الكبرى كنتم شكلا للشورى، وكان رضاكم يسبقكم لم تفتح أفواهكم أبدا إلا لتقول نعم" هكذا كان وصفه لأهل الشورى. ولكن الشعب يريد شخص اخر غير يزيد بن معاوية ليكون إماما: "رجل يعرف حق الله وحق الناس على الحاكم عميق الرحمة بالمظلوم شديد الصولة بالظالم لايبغض شيئا مثل الكيد وهو وفى بالعهد وهو أمين فى المال" هو الحسين بن على وحفيد الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الحسين يقف أمام معضلة، ويبث الرسول حيرته وهو يقف أمام قبره، فيقول: "أنا لا اعرف ما أصنع من أمرى هذا فأعنٍى أنا ان بايعت للفاجر كى يسلم رأسى أو لكى يسلم غيرى.. لكفرت ولخالفتك فيما جئت للناس به من عند ربك واذا لم أعطه البيعة عن كره قتلت! واذا عشت هنا كى أحشد الناس عليه خاض من حولك بحرا من دماء الأبرياء! موقف ما امتحن المؤمن من قبل به، او سيق إنسان إليه..! امتحان كامتحان الأنبياء!" فيقرر الحسين ان يرحل عن المدينة، وهو ان يفعل ذلك فلأنه: "ما على النفس يخاف انما يشفق من ان يغلب الظلم ودولات الضلال اننى أخرج كى أنقذ أعناق الرجال أننى اخرج كى أصرخ فى أهل الحقيقة: انقذوا العالم، ان العالم المجنون قد ضل طريقه أنقذوا الدنيا من الفوضى وطغيان المخاوف انقذوا الأمة من هذا الجحيم" ويحلم الحسين بالرسول فيقول: "حلمت بجدى يأمرنى ألا أقعد عن باطل" ولكن زينب شقيقة الحسين تخاف على شقيقها وتقول: "يا أخى، اذكر اننا فى زمن لا يطلبك ... لم يعد بعد مكان لإمام او خليفة أهدرت كل التقاليد الشريفة انهم لا ينشدون اليوم الا حاكما يعطى ويمنع حاكما يعرف ما يبتاع منهم.. ثم يدفع!" "كان معاوية يصطنع بمال الدولة أنصارا" "دولة قامت على الأطماع والخوف.." "كل من صار له شئ من المال هو الان عدوك" وغادر الحسين المدينة الى مكة. وماذا بعد؟

الجماعة والتنظيم

يشيد مناصرو الاخوان والمعارضون على حد سواء، بالجماعة، فيرددون دائما الى أى حد هم منظمون، بل يذهبون الى حد التأكيد على انهم اكثر القوى السياسية فى الساحة تنظيما، وقدرة على الحشد. نعم هم بالفعل اكثرهم قدرة على الحشد، ففى ساعات قليلة يمكن للجماعة ان تحشد عشرات الالاف من جميع المحافظات وينقلونهم بالشاحنات لكى ينتخبون او يتظاهرون او يستمعون الى الرئيس فى الاتحادية. ولكن من ناحية التنظيم، ففيما يبدو انه توقف لحظة الفوز فى الانتخابات. ففى الماضى كانت لافتات الجماعة تظهر دائما وقت الازمات مثل الزلزال الذى ضرب القاهرة فى التسعينات وخرج اعضاء الجماعة من الساعات الاولى، يوزعون الطعام والبطاطين والخيام للمتضررين الذين فقدوا منازلهم. كان الاخوان اول من وصل الى المواقع، لانهم كانوا يعرفون اسلوب العمل فى الميدان، ويستطيعون حشد اكبر عدد من المتطوعين والاطعمة واحتياجات المحتاجين. كما ان نظام السمع والطاعة يجعل من السهل حشد اكبر عدد منهم فى اقل وقت؛ لذا تصور المواطنون ان الجماعة هم اكثر القوى السياسية تنظيما وقدرة على الحكم. ولكن بعدما وصلو الى الحكم، اختلفت الأمور. فلم نجدهم يهرعون الى مكان حادث اسيوط حيث لقى 51 طفلا مصرعه وتحولوا الى اشلاء تحت عجلات القطار. ولم نجد متطوعين يعملون من اجل تخفيف المعاناة عن الضحايا وعائلاتهم، او سيارات تنقل المصابين الى المستشفيات او تنقل اليهم الدواء. لم تهتم الجماعة بالمواطنين بعد ان وصلوا أخيرا الى الحكم، وحصلوا على الرئاسة والتشريع وتوغلوا فى صفوف الشرطة والقضاء ومعظم المناصب القيادية فى الجامعات وفى غيرها. تكشفت حقيقة الجماعة تدريجيا ولكن بسرعة. فهى ليست تلك التى تصورها ناخبوها: فهى ليست عالية التنظيم عندما تواجه مشاكل مصر الجمة الضخمة، وهى ليست معدة للحكم كما تدعى بعد اكثر من 80 عام من العمل تحت الارض، فالقرارات التى يتخذها ممثلوهم سواء فى التشريعية او التنفيذية مرتبكة، واولوياتهم ليست وطنية وانما تتعلق كلها بأمور هامشية تجاوزها الزمن. فبعد شهور من توليهم الحكم لم يتم اتخاذ اى قرار او اجراء ينبئ الى ان الحكومة تسير فى الطريق الصحيح من اجل التصحيح وحل بعض من مشاكلنا المتفاقمة. إن مصر ليست دولة صغيرة او هامشية إنها دولة كبيرة ومؤثرة، بها شعب عريق، عاشت طويلا وشهدت الكثير، ويجب على من يحكمها ان يكون على هذا المستوى من الحكمة والرؤية والمقدرة.

17 Oct 2012

العنصرية فى رفحالعنصرية فى رفح

اثارت أحداث طرد العائلات المسيحية من رفح، او حسب قول الجماعات الاسلامية، نزوحها طواعية عن مسكانها خوفا على حياة أبنائها، الكثير من الغضب. فان ما يحدث فى رفح لا يختلف كثيرا عما رأيناه من قبل فى اكثر الدول عنصرية وهما كل من جنوب افريقيا واسرائيل، حيث شهدت الاولى سياسات الفصل العنصرى والثانية التطهير العرقى، ووصفت كل السياستين بالبغيضة. ولكن ما يحدث فى رفح هو الأسوأ على الإطلاق لانها العنصرية التى ترتكب باسم الدين. ففى جنوب افريقيا، مارست الدولة سياسات الفصل العنصرى المعروفة بالابرتايد، على أساس اللون والجنس من عام 1961 وحتى 1990؛ فكان القانون يعمل على الفصل بين البيض والسود، فى كل اوجه الحياة، فى السكن والعمل والمدارس والاحياء والمتاجر؛ ولقد اثارت تلك السياسات غضب الرأى العام العالمى، فقاطعت دول العالم دولة جنوب افريقيا، ورفضت معظم الدول التعامل معها واتهمتها بممارسة انتهاكات ضد الانسانية والبشرية. الى ان انهت جنوب افريقيا تلك الممارسات فى عام 1990 وخرج مانديلا من سجنه الطويل ليكون اول رئيس أسود للبلاد. أما اسرائيل، فلم ينس الفلسطينيون ممارساتها ضدهم منذ عام 1948، وقيام القوات الارهابية التابعة لمليشيات الايرجون وشتيرن، بمذبحة دير ياسين حيث قتل المئات ودمرت المساكن والقرى الفلسطينية لارهاب الشعب العربى ودفعه الى الهروب والخروج من بلاده، وذلك بهدف تحويل فلسطين الى دولة صهيونية. ولازالت اسرائيل ترتكب كل يوم تلك الممارسات العنصرية ضد الشعب الفلسطينى فى الاراضى المحتلة، لحثه على مغادرة البلاد لتصبح دولة يهودية كاملة؛ مما اثار ضدها الغضب الخارجى والداخلى، وبدأ المؤرخون الاسرائيليون الذين عرفوا بالمؤرخين الجدد، امثال إيلان بابيه، بالكتابة ضد سياسات بلادهم، التى لم تقف عند الفصل العنصرى، بل ذهبت الى حد التطهير العرقى الذى يهدف الى اخلاء البلاد من العرب سواء مسيحيين او مسلمين؛ وهو ما ينافى كل المواثيق الدولية والتاريخية الخاصة بحقوق الانسان، ويعتبر انتهاكا حقيقيا للبشرية؛ ولقد اصدرت الامم المتحدة فى عام 1975 قرارا اعتبرت فيه الصهيونية مساوية للعنصرية. وبالرغم من ان القرار الغى فى عام 1991 تحت ضغط من اسرائيل والولايات المتحدة، الا انها لازالت تتهم بالعنصرية فى كل المحافل الدولية الأخرى، لان الممارسات التى تقوم بها وتندرج تحت بند العنصرية لم تتغير. إن ما حدث فى رفح ضد العائلات المسيحية من قبل مجموعات اعتبرت نفسها إسلامية، ليس مختلفا عما ارتكبته كل من جنوب افريقيا واسرائيل من ممارسات عنصرية ضد مواطنيها، بل يعتبر الأسوأ بكل المقاييس لأنه يرتكب باسم الدين الذى هو برئ منها. وكل محاولات الترهيب والتخويف من اجل دفع العائلات المسيحية الى الهروب من وطنهم، هو نفس التكتيك الذى تستخدمه اسرائيل الى اليوم، لإجبار الفلسطينيين على النزوح من اراضيهم، والهرب الى الدول المجاورة. أهذا مانريده لمصر؟ ان تكون دولة عنصرية بغيضة تمارس التطهير العرقى ضد أبناء وطنها، بعد ان كانت دولة حضارة وإنسانية، أنارت العالم كله بحضارتها؟ وان يتم كل ذلك باسم الدين الذى أنزل من اجل بعث برسالة عدالة وحق وسلام الى الانسانية جمعاء؟

كتاب "انتقام الجغرافيا" وكيف حددت الجغرافيا التاريخ

قد تكون الجغرافيا هى التى تحدد شخصية شعب ما، وتشكل المجتمع الذى يعيش فيها؛ ولكن الجغرافيا يمكنها ايضا ان تشكل التاريخ ومصائر الشعوب. بل ويمكن بدراسة الجغرافيا ان نفهم الحروب التى ستقع فى المستقبل، وكيف يمكن التصدى لها. ولكن منذ سقوط حائط برلين فى نهاية الثمانينات، والذى كان يمثل العائق من صنع البشر، وبعد سيادة عقيدة العولمة وسقوط الحدود بين الدول وتصور فوكوياما لنهاية التاريخ حيث تسود الديمقراطية فى كل مكان، نسينا العوائق الطبيعية التى لازالت تحيط بنا وتقسمنا. ونسينا ان العولمة ليست نظام يضمن السلام والامن الدولى، بل هى مجرد مرحلة اقتصادية وثقافية للتنمية. هذا ما أراد روبرت كابلان ان يثبته فى كتابه الاخير الذى صدر بعنوان "انتقام الجغرافيا" والذى قام فيه برحلة عبر التاريخ من الماضى البعيد ليعود الى الحاضر ليحاول فهم المستقبل. فمن الماضى اوضح كيف كانت الجغرافيا تتحكم فى التاريخ وفى العلاقات بين الدول والشعوب مشيرا الى محاور عديدة عبر هذا التاريخ، ويشير كيف استطاع خبراء الجغرافيا توضيح ما عجزت عن فهمه العولمة. فكان يقوم بدراسة المناطق الساخنة فى العالم من خلال دراسة مناخها والطبوجرافيا فيها وقربها للاراضى التى تشهد صراعات. وروبرت كابلان، كاتب وصحفى بجريدة ذا اتلانتك الامريكية، كما انه كبير الخبراء الجيوسياسيين فى معهد ستراتفورد للمعلومات الدولية، ونشر نحو 14 كتابا عن السياسات الخارجية الامريكية والعلاقات الدولية. جبال العراق تحد من سلطة صدام بشكل عام يرى كابلان ان الجبال تعكس قوة قديمة، تحمى بين ممراتها احيانا ثقافات محلية فى مواجهة العقائد التحديثية الشرسة التى غالبا ما كانت تغزو الاراضى المسطحة، حتى وان قامت تلك الجبال احيانا بمنح الميليشيات الماركسية والمافيا فى عصرنا الحديث المأوى من اعدائهم. وينقل كابلان كلمات جيمس سكوت، خبير علم الانسان بجامعة ييل، حول شخصية "شعوب الجبال الذين قد ينظر اليهم على انهم هاربون أو لاجئون او على انهم مجتمعات معزولة؛ فقد عاشت خلال الفين عام تحاول الهروب من رجال الدولة الذين يطبقون سياساتهم فى مناطق السهول". اما فى أفغانستان وباكستان، فكان للجبال دروس اخرى. تلك الجبال التى وصفها البريطانيون اولا بانها "الحدود الشمالية الغربية" لم تكن حدودا بالمعنى المفهوم على مدى التاريخ كما قال البروفيسور سوجاتا بوس بجامعة هارفارد، "ولكنها، كما وصفها، قلب سلسلة من الجبال الهندية الفارسية، والجبال الهندية الاسلامية، وهى السبب الذى من اجله قامت كل من افغانستان وباكستان بتشكيل كيان عضوى كامل، يساهم فى تقسيمهم الى دول من خلال جغرافيا غير متجانسة". كان للجبال قصة اخرى فى اوروبا، فقد كتب المؤرخ جولو مان كيف ان الالمان عاشوا دائما داخل سجن كبير شكلته الجغرافيا. ثم أرادوا التحرر منه من خلال احتلالهم قلب اوروبا ما بين الشمال وبحر البلطيق وجبال الألب. ولكن بالنسبة لهم الشمال كان محدد بالجبال والجنوب بالمياه، فكان المهرب الوحيد لهم هو الاتجاه الى الشرق والى الغرب حيث لا توجد عوائق جغرافية. أما فى العراق، فيرى كابلان كيف ان جبال العراق قامت دوما بالحد من سلطة صدام حسين الرئيس العراقى السابق، وقد حاول صدام ان يقاوم تلك العقبة بكل الاجراءات التعسفية التى يستطيعها. يقول كابلان ان صدام فى فترة الثمانينات غضب بسبب الحرية التى منحتها تلك الجبال للأكراد عبر التاريخ والقرون، فقام صدام بهجوم شامل على الاكراد العراقيين والتى عرفت بحملة الانفال والتى راح ضحيتها مئة الف مدنى. وبالرغم من ان صدام اسستطاع ان يثبت ان الجغرافيا لا تستطيع منع الانسان تماما من تغيير مصير البشر، الا ان تلك الجبال كانت السبب الاساسى لتلك المأساة. وبسبب تلك الجبال ابتعدت منطقة كردستان من الدولة العراقية الى حد بعيد. الربيع العربى والجغرافيا تمر حاليا منطقة الشرق الاوسط، من المغرب وحتى افغانستان فى أزمة فيما يتعلق بالعلاقة مع السلطة المركزية. فقد اصبحت النظم القديمة المستبدة غير مستقرة، فى الوقت الذى لازال الطريق نحو الديمقراطية غير مستقيم. فى المرحلة الاولى من تلك الاضطرابات العظيمة ظهر هزيمة الجغرافيا أمام قوة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة. فقد خلقت التكنولوجيا الحديثة المتثملة فى القنوات الفضائية والشبكات الاجتماعية ومواقع الانترنت مجتمعا واحدا من المعارضين عبر العالم العربى: وهكذا وجد نوعا من التكتل الاجتماعى ضد الاوضاع السياسية بكل من مصر واليمن وتونس والبحرين، ولكن مع استمرار التمرد، اصبح من الواضح ان كل دولة قامت بوضع تصورها هى لثورتها، والذى من ناحيته تأثر بتاريخها وجغرافيتها العميقة. فكلما تعرفنا على تاريخ وجغرافية أى من دول الشرق الاوسط، كلما قلت دهشتنا من تطور الاحداث فيها. يقول كابلان انه قد يكون من الصدفة جزئيا ان الثورة بدأت فى تونس. فان الخرائط القديمة تظهر تمركز مستوطنات فى المنطقة التى توجد فيها تونس اليوم، شييدت بجوار مساحة شاسعة خالية الى حد ما والتى تمثل الجزائر وليبيا اليوم. وبسبب وجودها عند سواحل البحر المتوسط وبالقرب من صقلية، فان تونس اصبحت هى الماوى السكانى فى منطقة شمال افريقيا، ليس فقط خلال عصر قرطاجة والرومانيين، ولكن ايضا عبر عصور البيزنطيين والعرب والاتراك. وفى حين كانت كل من الجزائر غربا وليبيا شرقيا مجرد مساحة جغرافية ذات تعبيرات غامضة، فان تونس كانت دوما مركزا لحضارات قديمة. أما بالنسبة لليبيا، فقد كانت المنطقة الغربية منها والتى بها طرابلس، تتجه عبر التاريخ نحو تونس، بينما أتجهت منطقتها الشرقية، بنغازى، نحو مصر. لذلك فقد كانت المنطقة الاقرب الى قرطاجة طوال الفى عام، تتمتع بمستوى عال من التنمية، لان العمران بدأ فى تونس قبل الفى عام، بينما كانت الهوية البدوية التى قال عنها ابن خلدون انها كانت تمنع الاستقرار السياسى، تضعف التنمية فى المنطقة الشرقية. فى عام 202 قبل الميلاد، عندما انتصر سكيبيو على هانيبال بالقرب من تونس، قام بحفر خندق حدد نهاية الاراضى المتحضرة. هذا الخط لازال حتى اليوم قائما فى الشرق الاوسط، وهو لازال واضحا فى بعض المناطق فهو يمر من طبرق على الساحل شمال غربى تونس الى الجنوب ثم يتجه الى الشرق نحو صفاقس، ميناء اخر على المتوسط. أما المناطق التى تقع خلف هذا الطريق فلم تشهد فيها اثار رومانية وهى اليوم الاكثر فقرا والاقل تطورا، وفيها اعلى نسبة من البطالة. أما مدينة سيدى بوزيد التى بدأ منها التمرد فى تونس فى ديسمبر عام 2010، فهى تقع خلف خط سكيبيو مباشرة. يقول كابلان انه يحاول هنا ان يعطى للاحداث التى وقعت مؤخرا، فى المنطقة البيئة لجغرافية والتاريخية لها: فقد بدأ التمرد العربى من اجل الديمقراطية فى المجتمع الذى اعتبر تاريخيا اكثر المجتمعات العربية تقدما، واكثرها قربا من اوروبا؛ ولكن ايضا بدأ التمرد بشكل خاص فى هذا الجزء من البلاد الذى ظل منذ التاريخ القديم منسيا وعانى كثيرا من نتائج سوء التنمية. هذه المعلومات يمكنها ان تضيف عمقا على ما حدث فى المناطق الاخرى: سواء كان ذلك فى مصر، دولة أخرى شهدت على حضارات قديمة وتاريخ طويل عرفت فيه نظام الدولة؛ او اليمن التى تعتبر القلب السكانى لشبة الجزيرة العربية، والتى ظلت تحاول توحيد اراضيها، ولكنها كانت دوما تصطدم بطبوجرافية جبلية ممتدة عملت على اضعاف الحكومة المركزية وبالتالى دعمت اهمية النظام القبلى والجماعات الانفصالية؛ او سوريا التى ادى شكلها المبتور على الخريطة الى احتواء انقسامات داخلية على اساس الهوية العرقية والطائفية. ان الجغرافيا تشهد على ان تونس ومصر يتمتعان بتماسك تدعمه الطبيعة؛ بينما تشهد الجغرافيا فى كل من ليبيا واليمن وسوريا على انهم اقل تماسكا. لذلك يمكن القول ان كل من تونس ومصر احتاجا الى اشكال بسيطة نسبيا من النظام الاستبدادى حتى يبقيهما فى وحدة متماسكة، بينما تحتاج ليبيا وسوريا الى اشكال مختلفة عديدة من الاستبداد. ولكن الجغرافيا جعلت من الصعب دوما حكم اليمن. فان اليمن حسب قول الخبراء، تعتبر مجتمعا "مجزءا، تتداخل فى طبيعته الجبال والصحارى. لذا فهو مجتمع ظل يتأرجح ما بين المركزية والفوضى، وهو مجتمع حسب قول الخبراء، يحكمه بالضرورة نظام يقوم على "استنزاف الحياة منه"، ولانه يعانى من "هشاشه داخلية" فهو يفشل دائما فى اقامة مؤسسات تدوم. ان القبائل هنا قوية والحكومة المركزية ضعيفة بالمقارنة بهم. والصراع من اجل بناء نظم ليبرالية فى مثل تلك المناطق لن ينفصل عن هذا الواقع. بينما تتابع الاضطرابات ويبدو العالم وكأنه خارج السيطرة، ومع تصاعد التساؤلات حول كيفية يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الرد على تلك الاوضاع، فان الجغرافيا تمنح وسيلة لكى على الاقل نفهم شيئا مما حدث. فعلينا ان ننظر فى الخرائط القديمة، ونقرأ تحليلات من خبراء الجغرافية وعلماءها القدماء الذين عاشوا فى العصور السابقة، يمكننا ان نرى مستقبل هذا الكون فى القرن الواحد والعشرين. فبالرغم من التطور التكنولوجى الذى لغى الحدود بين الدول، الا ان جبال الهند لازالت تمثل عائقا ضخما. لقد شهد عالمنا تغييرات جغرافية كثيرة عبر تاريخه، وشهد صعود وسقوط نظم ديكتاتورية عديدة، مما يؤكد دوما على هشاشة تلك النظم. ولكن يقول كابلان، ان الشئ الوحيد المستقر والباقى هو وضع الشعوب على الخريطة؛ لذا ففى زمن الاضطرابات الشئ الوحيد المهم هى الخرائط. فعندما تتحرك الارض السياسية بعنف من تحت اقدامنا، تظل الخريطة، حتى ولو لم تكن مؤكدة، هى نقطة البداية لتحديد منطق تاريخى حول ما يمكن ان يأتى به المستقبل.

20 Dec 2011

كرامة الفتاة المصرية

الى كل فتاة مصرية وسيدة، أرفعى رأسك وأستمرى فى طريقك. لان كل تلك الصور التى رأيناها فى معاملة الفتيات وسحلهن وضربهن يعيب الرجال الذين قاموا بتلك الممارسات ولا يعيب الفتيات ولا يجب ان تؤدى تلك الممارسات الى ان تحاولن اخفاء انفسكم خجلا او خوفا او رهبة؛

أرفعى رأسك يا أيتها الفتاة المصرية لأن كرامتك من كرامة هذه البلد ومن كرامة جيشها ورجالها وشعبها بل اكثر لأنك انت التى  سوف تحققين النهضة فى مصر، وسوف ترفعين شأنها فى المستقبل القريب جدا

فى يناير الماضى رأيت لأول مرة الفتاة المصرية تسير بثقة وشجاعة الى ميدان التحرير وهى تعرف انها تسير نحو المستقبل الذى تريد تشكيله جنبا الى جنب مع شقيقها وزميلها وأبنها وزوجها.. وفى تلك اللحظة أدركت ان مصر تغيرت بالفعل ولن تعود ابدا الى الوراء

.

.

24 Nov 2011

حكومة حرب

عندما تتطور الأمور الى نقطة اللاعودة، يجب التعامل مع الوضع بشكل حازم وحاسم وغير تقليدى. لقد وصلت مصر اليوم الى تلك النقطة، ووصلنا الى مفترق الطريق، عندما نصبح أمام اختيارين: ان نكون او لا نكون.

وان كانت تلك اللحظة هى أقسى اللحظات التى نعيشها، لأنها مشبعة بالترقب والتخوين وعدم الثقة، فيجب ألا تطول لأن كل دقيقة تمر تزيد من مشاعر انعدام الثقة بين الجانبين وتزيد التوتر الذى قد ينفجر بأبشع شكل. وفى تلك اللحظة "لن نكون"، وسندخل نفقا طويلا مظلما بلا ضوء فى نهايته.

ولكن ان كنا نريد ان نكون، فعلينا ان نبدأ بسرعة باتخاذ الاجراءات الصحيحة بلا تأخر؛ واولها تشكيل حكومة انقاذ وطنى يرأسها شخصية مثل الدكتور محمد البرادعى بشكل خاص. لأن الدكتور البرادعى هو الوحيد بين الشخصيات المطروحة الذى يملك الحلول ولقد طرح بالفعل وثيقة خارطة طريق لكيفية الخروج من الفترة الانتقالية؛ فلن يضيع وقتا اخرا فى وضع الخطط والتفكير فى اسلوب العمل. كما اتصور انه بالتأكيد لديه تصور لمن يمكن ان يتعاون معه فى الوزارات المختلفة التى ليس بالضرورة ان تكون حكومة كاملة. بل ستكون بمثابة حكومة حرب تضم أهم الوزارات التى ستعمل على وضع الاسس للدولة المصرية الحديثة المدنية، وتحقيق التوافق بين القوى السياسية المختلفة. وتمهد الطريق لاجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية ووضع الدستور.

كما ان الدكتور البرادعى لديه تاريخ من الحسم والحزم فى الادارة، منذ ان كان مديرا لوكالة الطاقة الذرية، وكان يدير مؤسسة تضم الاف الموظفين من مختلف الجنسيات والعقليات والتوجهات. وفى نفس الوقت استطاع ان يواجه كل الضغوط التى كانت تمارس ضده من قبل اكبر قوة دولية فى العالم، والتزم بمبادئه، لأنه لم يكن متمسكا بمنصب او دور او مال.

لقد اثبت فى الفترة الاخيرة ان الدكتور البرادعى هو الوحيد الذى يعمل بجدية، بين الشخصيات العديدة التى طرحت نفسها لرئاسة الجمهورية وغيرها، والتى كانت تتحدث كثيرا وتتحدث بلباقة وسلاسة، ولكنها لم تكن تقول كثيرا، او لم تكن تقول شيئا؛ بينما كان الدكتور البرادعى يفكر فى كيفية الخروج من الازمة ويضع الخطط، فطرح وثيقة البرادعى فوق الدستورية التى تضمن للمواطن المصرى الكرامة والحرية والحقوق الانسانية، مهما يكن الدستور ومهما يأتى من نظم؛ كما طرح وثيقة الخروج من الفترة المؤقتة بسلام.

لذلك يجب ان نعمل بسرعة للخروج من الازمة قبل نفاذ الوقت اوالصبر والرصيد الذى لدينا. وحتى لا نفقد نفسنا وندخل عهدا جديدا مظلما لا نعرف متى ولا كيف ولا بأى شكل نخرج منه.